اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة [172-176] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


تفسير سورة البقرة [172-176] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
من تمام رحمة الله تعالى بعباده إحلاله لهم الطيبات من الأطعمة، وإسباغه عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وهذه النعم إنما يتم شكرها بطاعته تعالى واجتناب معاصيه، ومن جملة ذلك أكل الطيب واجتناب المحرم، ودوام شكره على نعمه، والحذر من سلوك مسلك من أنعم الله تعالى عليهم بنعمته العظيمة، وهي معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقابلوا ذلك بالجحود والنكران حرصاً على متاع الدنيا القليل.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ...)
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:172-173].قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا الفضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!).ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث فضيل بن مرزوق ]. هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه كما قال المؤلف رحمه الله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فهو سبحانه وتعالى طيب في ذاته وفي صفاته وأسمائه وأفعاله، ولا يقبل من العمل إلا ما كان طيباً، وهو الخالص لوجهه الموافق لشريعته. وفي هذا الحديث إثبات الطيب لله عز وجل، فإن من أسمائه الطيب والجميل، وفي الحديث: (إن الله جميل يحب الجمال)، فالله يحب العبد الجميل والعبد الطيب. وفيه بيان عظم شأن الحرام، وأنه يمنع قبول الدعاء، فهذا الرجل الذي يطيل في السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: (يا رب يا رب)، قد فعل أسباباً متعددة من أسباب قبول الدعاء، ومنها: أنه مسافر، فالسفر من أسباب قبول الدعاء، ففي الحديث: (ثلاثة لا ترد دعوتهم)، وذكر منهم المسافر، ومنها: أنه أشعث أغبر بعيد عن الترفه والتنعم، ومنها: أنه يرفع يديه إلى السماء، ومنها: أنه يتوسل بربوبية الله فيقول: يا رب يا رب، لكن عارضها مانع أقوى منها، وهو التلبس بالحرام أكلاً وشرباً ولباساً، فهذا المانع قضى على تلك الأسباب.فالواجب على المسلم أن يحذر من الحرام حتى يقبل الله دعاءه ويقبل أعماله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]، أي: إن كنتم عبيده فكلوا من طيباته واشكروا له. والمال الطيب الحلال هو الذي ليس فيه شيء من أسباب الحرام، فالحرام له طرق متعددة، فقد يكسب المال عن طريق الربا، أو عن طريق الرشوة، أو عن طريق بيع المحرمات، كالدخان وآلات اللهو والخمور، أو بأن يجحد المرء حقوق الناس ويأكل أموالهم، أو يأخذها بالحلف الكاذب، أو يخفي عيب السلعة، أو يأخذ المال عن طريق السرقة أو الغصب، فإن كل هذه من أنواع أكل الحرام.فالواجب على المسلم الحذر من الحرام بأنواعه؛ لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.
 حكم أكل المضطر من الميتة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مقاتل بن حيان في قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173] فيما أكل من اضطرار وبلغنا -والله أعلم- أنه لا يزاد على ثلاث لقم. وقال سعيد بن جبير : (غفور) لما أكل من الحرام (رحيم) إذ أحل له الحرام في الاضطرار.وقال وكيع : أخبرنا الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة ].أكل الميتة للمضطر عزيمة؛ فإنه يجب عليه أن يأكل ما يقيم به جسمه حتى لا يموت، ولا يستسلم للموت، فإن استسلم للموت ولم يأكل حتى مات فهو آثم، والميتة في هذا الحال حلال، فمن خشي على نفسه الموت ولم يجد إلا الميتة حل له أكلها.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو الحسن الطبري المعروف بـالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا، كالإفطار للمريض ونحو ذلك ].أي: إذا كان الصوم يزيد في المرض أو يؤخر برأه؛ فإنه يجب عليه أن يفطر، فيكون في حقه عزيمة في هذه الحالة، مثل أكل الميتة للمضطر، كما قال الطبري، وهو الكيا الهراسي أبو الحسن الطبري.
تفسير قوله تعالى: ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ...)
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة:174-176].
 بيان معنى قوله تعالى ( ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق )
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [البقرة:176] أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد؛ لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزواً، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزءوا بآيات الله المنزلة على رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة:176].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة [172-176] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net