اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة [102-103] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


تفسير سورة البقرة [102-103] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
حفلت سورة البقرة بأخبار عن الأولين كثيرة فيها العظة والعبرة، ومن جملة تلك الأخبار ما تلته الشياطين على ملك سليمان عليه السلام؛ إذ رمته بالسحر، وتلقف ذلك منهم اليهود فأكفروا نبي الله عليه السلام، حتى برأه الله تعالى فيما أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الأخبار نبأ هاروت وماروت، وقد أجمله القرآن الكريم، ولا يسعنا تجاه هذا النبأ إلا الإيمان به على مراد الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ....)
قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102-103]. قال المصنف رحمه الله: [ وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ.. [البقرة:102] الآية: وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئات من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما أرجع الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان، وإن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان عليه الصلاة والسلام حدثان ذلك فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان ].قوله: [حِدثان ذلك]: بكسر الحاء يعني: إثر ذلك، وعقب ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان فأخفاه عنا، فأخذوا به فجعلوه ديناً، فأنزل الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ.. [البقرة:101] الآية، واتبعوا الشهوات التي كانت تتلوا الشياطين، وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها قال: فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس يسبونه حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا [البقرة:102].وقال ابن جرير : حدثني أبو السائب سلمة بن جنادة السوائي حدثنا أبو معاوية ].قوله: [سلمة بن جنادة] لعله سلم، بدون هاء، وهو ثقة وربما خالف. قال: [ حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئاً من نسائه أعطى الجرادة -وهي امرأة- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان عليه السلام بالذي ابتلاه به؛ أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فقالت: كذبت؛ لست سليمان. قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به، قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتباً فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال: فبرئ الناس من سليمان وكفروه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ... [البقرة:102].ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن عن عمران -وهو ابن الحارث - قال: بينما نحن عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال ومن أيِّه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن علياً خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك: إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جرب منه صدق كذب معها سبعين كذبة، قال: فتشربها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان عليه السلام فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان عليه السلام قام شيطان الطريق فقال: هل أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقال: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق، فأنزل الله عز وجل: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا [البقرة:102]، الآية). ]هذا السند ضعيف؛ لأن فيه ابن حميد، ولا يعول عليه.وهذه الآثار كلها ضعيفة؛ لأنها من رواية العوفي عن ابن عباس وهي منقطعة، وابن حميد هذا ضعيف، قال البخاري: (فيه نظر)، والبخاري إذا قال في رجل: فيه نظر فهو ضعيف.والأسانيد الأخرى فيها عنعنة الأعمش ، وابن عباس رضي الله عنه ممن يروي عن بني إسرائيل، فهذه الآثار كلها ضعيفة، لكن مجموعها يدل على أن لهذه الأخبار أصلاً، ومعنى الآية واضح، وهو أن الشياطين كذبوا وافتروا على سليمان عليه الصلاة والسلام وادعوا أنه ساحر، فأبطل الله ذلك وبرأ نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام من ذلك، وهذا واضح من الآية، أما هذه الآثار فهي ضعيفة، فلا يعول عليها.وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ، أي: الناس مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102]، فالشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر، وقد افتروا على سليمان وكذبوا عليه بعد وفاته، وقالوا: إنه يعلم الناس السحر، وانطلى هذا على كثير من الناس، فبرأ الله تعالى نبيه سليمان مما ألصقت به الشياطين وافترته وكذبته عليه.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الحاكم في مستدركه عن أبي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السلام عن إسحق بن إبراهيم عن جرير به.وقال السدي في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة:102]، أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشى ذلك في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف؛ تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفراً من بني إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ ] يعني: لا ينفد [ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فذهب معهم وأراهم المكان وقام ناحيته، فقالوا له: فادن، فقال: لا ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا [البقرة:102].وقال الربيع بن أنس : إن اليهود سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم زماناً عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله سبحانه وتعالى ما سألوه عنه فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به فأنزل الله عز وجل: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102]، وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي مجلس سليمان، وكان عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا، وقد أدحض الله حجتهم.وقال مجاهد في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة:102]، قال: كانت الشياطين تستمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان عليه السلام إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته الشياطين وعلمته الناس، وهو السحر.وقال سعيد بن جبير : كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم، قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستشار به الإنس واستخرجوه وعملوا به، فقال أهل الحجاز: كان سليمان يعلم بهذا وهذا سحر. فأنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان عليه السلام فقال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا [البقرة:102] ].وهذا ظاهره أنه لم يكن ذلك في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، بل ظاهر السياق أنه كان بعد وفاة سليمان عليه السلام.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال محمد بن إسحاق بن يسار : عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام فكتبوا أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم على نقش خاتم سليمان وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك سليمان إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس فتعلموه وعلموه، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله سليمان بن داود وعدَّه فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبياً؟! والله ما كان إلا ساحراً، وأنزل الله في ذلك من قولهم وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا [البقرة:102]، الآية.وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا حسين حدثنا الحجاج عن أبي بكر عن شهر بن حوشب قال: لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان، فكتبت: من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا، فكتبته وجعلت عنوانه: (هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم)، ثم دفنه تحت كرسيه. فلما مات سليمان عليه السلام قام إبليس لعنه الله خطيباً فقال: يا أيها الناس! إن سليمان لم يكن نبياً إنما كان ساحراً، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحراً وهذا سحره، بهذا تعبدنا وبهذا قهرنا، فقال المؤمنون: بل كان نبياً مؤمناً، فلما بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وذكر داود وسليمان فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل؛ يذكر سليمان مع الأنبياء، إنما كان ساحراً يركب الريح فأنزل الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ [البقرة:102]، الآية. وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: أخذ سليمان عليه السلام من كل دابة عهداً، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد خلي عنه، فزاد الناس السجع والسحر، فقالوا: هذا يعمل به سليمان بن داود عليهما السلام، فقال الله تعالى: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102].وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عصام بن رواد حدثنا آدم حدثنا المسعودي عن زياد مولى ابن مصعب عن الحسن : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ [البقرة:102] قال: ثلثٌ الشعر، وثلثٌ السحر، وثلثٌ الكهانة.وقال: حدثنا الحسن بن أحمد حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة:102]: وتبعته اليهود على ملكه، وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم، والله الهادي ].وهذه كلها أخبار من أخبار بني إسرائيل، ولو اكتفى -رحمه الله- ببعضها لكفى، لكن مقصوده أن يبين ما قيل في المسألة وما ورد حول الآية، ومجموع هذا يدل على أن ذلك له أصل، والآية واضحة في أن الشياطين افتروا على سليمان وكذبوا عليه ونسبوه إلى السحر، وقالوا: إنه ساحر، فبرأه الله وأكذبهم.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة:102]، أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين، أي: ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك سليمان، وعداه بـ(على) لأنه تضمن (تتلو) (تكذب).وقال ابن جرير : (على) هاهنا بمعنى (في)، أي: تتلوا في ملك سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق .قلت: والتضمن أحسن وأولى، والله أعلم ].التضمن هو أن تضمن الكلمة معنى آخر، والتعدي غير التضمن، فهنا ضُمن فعل (تتلو) معنى (تكذب)، وهذا يكون على حسب المعنى.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول الحسن البصري رحمه الله: وكان السحر قبل زمان سليمان بن داود صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوْسَى [البقرة:246] الآية، ثم ذكر القصة بعدها وفيها: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:251]، وقال قوم صالح -وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام- لنبيهم صالح: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:153] أي: من المسحورين على المشهور].فدل هذا على أن السحر قديم، وداود وسليمان من أنبياء بني إسرائيل من الذين كلفوا بالعمل بالتوراة، وسليمان جاء بعد موسى عليهما السلام، فدل على أن السحر قديم؛ لأن السحر كان في زمان موسى، وقوم صالح قالوا لنبيهم صالح عليه السلام: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:153]، وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام.
 

تفسير قوله تعالى: (... وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت...)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة:102]، اختلف الناس في هذا المقام: فذهب بعضهم إلى أن (ما) نافية، أعني التي في قوله: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [البقرة:102] قال القرطبي : ما نافية ومعطوف على قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ [البقرة:102] ].يعني أن فيها أقوالاً: القول الأول: أن (ما) نافية، فقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [البقرة:102] يعني: وما أنزل الله على الملكين شيئاً، ولم ينزل الله على الملكين السحر.والقول الثاني -كما سيأتي- أن (ما) موصولة بمعنى الذي، والتقدير: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان والذي أنزل على الملكين.فعلى القول الأول يكون المعنى: أن الله نفى أنه أنزل على الملكين السحر، وأما على القول الثاني فتكون (ما) موصولة، وتكون تابعة، فيكون المعنى: اتبع الناس ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان واتبعوا ما أنزل على الملكين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [البقرة:102]، وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله وجعل قوله: هَارُوتَ وَمَارُوتَ [البقرة:102] بدلاً من الشياطين. قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله تعالى: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11]، أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما، فتقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح، ولا يلتفت إلى ما سواه ].هذا قول القرطبي ، وهذا قول ضعيف، والصواب هو القول الثاني، وهو أن (ما) موصولة، وهو قول أكثر المفسرين، فالآية فيها قولان مشهوران: أحدهما: أن (ما) نافية، والثاني: أن (ما) موصولة.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ.. الآية، يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.قال ابن جرير : فتأويل الآية على هذا: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ من السحر، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا؛ يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ].يعني أن الله نفى أنه أنزل على الملكين السحر على هذا القول، فقوله: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [البقرة:102] أي: وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين السحر.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فيكون قوله: (ببابل هاروت وماروت) من المؤخر الذي معناه المقدم. قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة:102] من السحر، وما كفر سليمان، وما أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل عليهما السلام؛ لأن سحرة اليهود -فيما ذكر- كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما: هاروت، واسم الآخر: ماروت، فيكون (هاروت وماروت) على هذا التأويل ترجمة عن الناس ورداً عليهم. هذا لفظة بحروفه ].يعني أن المراد بالناس هاروت وماروت، والمراد بالملكين جبريل وميكائيل، وتكون الآية نافية، والمعنى: وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين -يعني: جبريل وميكائيل- السحر.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قال ابن أبي حاتم : حدثت عن عبيد الله بن موسى أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عطية : وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [البقرة:102] قال: ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر ].وهذا ضعيف منقطع؛ لأن ابن أبي حاتم قال: (حدثت)، وفضيل بن مرزوق ضعيف، وعطية العوفي أيضاً شيعي مدلس.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن أبي حاتم : وأخبرنا الفضل بن شاذان أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا يعلى -يعني ابن أسد - أخبرنا بكر -يعني: ابن مصعب - أخبرنا الحسن بن أبي جعفر أن عبد الرحمن بن أبزي كان يقرؤها: (وما أنزل على المَلِكَين داود وسليمان)، وقال أبو العالية : لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما بالإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي. رواه ابن أبي حاتم .ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختباراً لعباده وامتحاناً بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جداً ].ولا شك في أن هذا غريب جداً؛ لأن فيه أن الله أذن لهما أن يعلما الناس السحر، وهذا لا يليق.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن، كما زعمه ابن حزم .وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرؤها: (وما أنزل على الملكين) ويقول: هما علجان من أهل بابل. ووجّه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق لا بمعنى الإيحاء في قوله تعالى وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [البقرة:102]، كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:6]، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد:25]، وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا [غافر:13]، وفي الحديث: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً) وكما يقال: أنزل الله الخير والشر.وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والحسن البصري أنهم قرءوا: (وما أنزل على الملِكين) بكسر اللام، قال ابن أبزى: وهما: داود وسليمان. قال القرطبي : فعلى هذا تكون (ما) نافية أيضاً، وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102]، و(ما) نافية.قال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وسأله رجل عن قول الله: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [البقرة:102]، فقال : الرجلان يعلمان الناس ما أنزل عليهما؟ ويعلمان الناس ما لم ينزل عليهما. فقال القاسم : ما أبالي أيتهما كانت.ثم روى عن يونس عن أنس بن عياض عن بعض أصحابه أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان؛ إني آمنت به.وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أُنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان.وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده رحمه الله كما سنورده إن شاء الله، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصاً لهما، فلا تعارض حينئذٍ كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق. وفي قول: إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى [البقرة:34]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى، وقد حكاه القرطبي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ] .
 حكم الصلاة في أرض العذاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم : أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا أحمد بن صالح حدثني ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: (إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي ببابل؛ فإنها ملعونة) ].هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة .قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو داود : أخبرنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن علياً مر ببابل؛ وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال : (إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة)، حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن حجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعنى حديث سليمان بن داود قال: فلما (خرج) مكان (برز)، وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود ؛ لأنه رواه وسكت عليه، ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين ].المراد بالصلاة الصلاة المعروفة، فلا يصلى فيها؛ لأنه يحرم الصلاة في أرض العذاب مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وهل تصح الصلاة لو صلى مع الإثم أو لا تصح؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تجوز وحرام، ولكن اختلف العلماء في صحتها، فالحنابلة يرون أنها لا تصح، وغيرهم يرى أنها تصح مع الإثم، وهو الأقرب، ومثلها الصلاة في الثوب المغصوب أو الثوب الحرير.فإن قيل: إنه منهي عنها لذات المكان، ولشيء يتعلق بالصلاة، فنقول: النهي ليس لشيء يتعلق بالصلاة، وإنما النهي يتعلق بالأرض ذاتها؛ لأنها أرض العذاب.والحديث عند أبي داود حسن مع أنه فيه ابن لهيعة ، لأن ابن وهب رواه عنه وعن آخر، وهو: يحيى بن أزهر ، وأبو داود روى الحديث وفتش عنه، فهو حسن عنده.قال الفقهاء: لا تجوز الصلاة في أرض بابل؛ لأنها مكان عذاب، ولكن هل يؤخذ من هذه الآثار أن بابل هي مكان عذاب للملكين؟ لم يثبت ذلك، لكن إذا ثبت الحديث فإنه يكفي، وإذا صح الحديث في أن بابل أرض عذاب، فهل هي أرض عذاب للملكين أو غيرهما؟ هذا يحتاج إلى تأمل.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل -وهي من إقليم العراق- عن البحر المحيط الغربي -ويقال له: أوقيانوس- سبعون درجة، ويسمون هذا طولاً، وأما عرضهما -وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب وهو المسامت لخط الاستواء- اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم ].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة [102-103] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net