اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة الآية [34] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


تفسير سورة البقرة الآية [34] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
لقد فضل الله سبحانه وتعالى الإنسان على جميع خلقه، فأسجد له ملائكته وحمله في البر والبحر، ولذلك فإن الله سيدخله النار إن هو كفر وأشرك به غيره؛ لأنه لم يقابل تلك النعم وذلك التفضيل بما يرضي الله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر...)
قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].قال المصنف رحمه الله: [ وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضاً كثيرة، منها: حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى عليه السلام: (رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته ..) وقال وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء الله. وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ].أي: أن هناك طائفة من الملائكة يسمون الجن, خلقوا من نار السموم، والملائكة خلقوا من نور, والجن الذين هم أحد الثقلين: الجن والإنس، ومنهم إبليس، هم غير الجن الذين هم طائفة من الملائكة، فتكون كلمة الجن كلمة مشتركة بين طائفة من الملائكة، والجن الذين هم أحد الثقلين في الأرض.قال المؤلف رحمه: [ وكان اسمه الحارث، وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي ].أي: هذا الحي من الملائكة فإنهم خلقوا من نار.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون فيه طرفها إذا ألهبت، قال: وخلق الإنسان من طين ].فعلى هذا يكون الجن خلقوا من مارج من اللهب وهو لسان النار، وأما طائفة من الملائكة فخلقوا من نار السموم.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً، قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي الذي يقال لهم الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد، قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعالى للملائكة الذين كانوا معه: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] فقالت الملائكة مجيبين له: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك، فقال الله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]يقول: إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره، قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب، واللازب اللازج الطيب من حمإ مسنون منتن ].والأقرب أن يكون الصلب؛ لأن هذا بمعنى اللازب، وهو موجود في ابن جرير .قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإنما كان حمأً مسنوناً بعد التراب فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل فيصوت فهو قول الله تعالى: مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن:14] يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت، قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئاً كالصلصلة، ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك قال: فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحماً ودماً، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11] قال: ضجراً لا صبر له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] بإلهام الله، فقال الله له: يرحمك الله يا آدم، قال: ثم قال تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [البقرة:34] فسجدوا كلهم أجمعون إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة:34] لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار، فقال: لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سناً وأقوى خلقاً. خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] يقول: إن النار أقوى من الطين قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي: آيسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً عقوبة لمعصيته، ثم علم آدم الأسماء كلها ].هذا كله من أخبار بني إسرائيل.قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: [ ثم علم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار.. وأشباه ذلك من الأمم وغيرها، ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خلقوا من نار السموم، وقال لهم: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ [البقرة:31] أي: يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23] إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة، قال: فلما علم الملائكة موجدة الله عليهم ].قوله: (موجدة الله) يعني: غضب الله عليهم، وهذا من أخبار بني إسرائيل.وعند ابن جرير : (فلما علم الملائكة مؤاخذة الله).ومؤاخذة بمعنى: موجدة، وسبق أن الملائكة إنما سألوا عن الحكمة وهذا لا يوجب الغضب، يعني: إن الله ما غضب عليهم أو آخذهم لأنهم سألوا عن الحكمة، فلم سألوا اعتراضاً.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: فلما علم الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم قَالُوا سُبْحَانَكَ [البقرة:32] تنزيهاً لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تبنا إليك لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32] تبرياً منهم من علم الغيب إلا ما علمتنا كما علمت آدم، فقال: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة:33] يقول: أخبرهم بأسمائهم، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة:33]، قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ أيها الملائكة خاصة إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:33]ولا يعلم غيري وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ [البقرة:33] يقول: ما تظهرون وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33] يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار، وهذا سياق غريب وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها ].هذا كلام صحيح، فالرواية من أخبار بني إسرائيل؛ لأن ابن عباس يأخذ عن بني إسرائيل.وظاهر الآية العموم، فقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34]، عام، والتخصيص يحتاج إلى دليل.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا الإسناد إلى ابن عباس يرويه به تفسير مشهور. وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن وإنما سموا الجن؛ لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة ].عند ابن جرير : فوقع في صدره كبر أو كبره.
 حقيقة السجود لآدم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قتادة في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن يسجد له ملائكته، وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف:100] وقد كان هذا مشروعاً في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ].كان في شريعة يعقوب ويوسف تجوز التحية، ولهذا لما قدم يعقوب عليه الصلاة والسلام وأبناؤه من فلسطين إلى مصر على يوسف رفعهم على العرش وخروا له سجداً سجود تحية لا سجود عبادة، وكان هذا تأويلاً للرؤيا؛ لأنه لما رأى وهو صغير: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4] قال بعد مدة طويلة: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100] وذلك حين سجدوا له، وكان هذا جائزاً في شريعة من سبقنا، أما في شريعتنا التي هي أكمل الشرائع فلا يجوز لغير الله سجود لا تحية ولا سجود إكرام.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال معاذ : (قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: لو كنت آمراً بشراً أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها) ورجحه الرازي .وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] ].وهذا غلط؛ لأنه مخالف للنص، قال الله تعالى: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] فالسجود لآدم، لكنه عبادة لله, فالله تعالى أمرهم أن يسجدوا لآدم تعبداً له سبحانه, وإذا أمر الله بأمر وجب امتثال أمره. ومن ذلك أمر الله أن نقبل الحجر الأسود تعبداً له, وأن نطوف بالبيت تعبداً له لا للكعبة.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكراماً وإعظاماً واحتراماً وسلاماً، وهي طاعة لله عز وجل؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفيسره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما كونه جعل قبلة؛ إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال ].الصواب: أن هذا سجود صحيح وحقيقي، وهو سجود إكرام لآدم، وعبادة لله عز وجل؛ لأنه الآمر بذلك.
أحوال الناس مع خوارق العادات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قتادة في قوله تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] حسد عدو الله إبليس آدم عليه السلام على ما أعطاه الله من الكرامة وقال: أنا ناري، وهذا طيني، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم عليه السلام. قلت: وقد ثبت في الصحيح: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر) وقد كان في قلب إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس، قال بعض المعربين: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] أي: وصار من الكافرين؛ بسبب امتناعه كما قال: فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:43] وقال: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35] وقال الشاعر بتيهاء فقر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها ].قوله: بتيهاء، يعني: بمكان تيه كصحراء يتيه فيها الإنسان.والمَطِي يعني: الإبل.وقوله تعالى: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34]، يعني: أنه صار من الكافرين المستكبرين، وقول الشاعر: (قد كانت) يعني: قد صارت، وهذا هو وجه الاستشهاد.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أي: قد صارت. وقال ابن فورك : تقديره وقد كان في علم الله من الكافرين، ورجحه القرطبي وذكر ههنا مسألة فقال : قال علماؤنا: من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالاً على ولايته خلافاً لبعض الصوفية والرافضة، هذا لفظه، ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أن يوافي الله بالإيمان، وهو لا يقطع لنفسه بذلك، يعني: والولي الذي يقطع له بذلك الأمر.قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضاً بما ثبت عن ابن صياد أنه قال : هو الدخ، حين خبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10] ].وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـابن صياد ذات مرة: خبأت لك خبيئة، وابن الصياد رجل من اليهود، كان يظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الدجال، وقال عمر : يا رسول الله! دعني أضرب عنقه, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا بد أن يظهره الله، فإن كان هو فأنا كافيكم، وإن كان غير الدجال فلا خير لك في قتله، ثم بعد ذلك تبين للنبي أنه ليس الدجال الأكبر، بل هو دجال من الدجاجلة, أما الدجال الأكبر فيخرج في آخر الزمان كما بين للنبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي قال له: خبأت لك خبيئة -ينظر ماذا عنده- فقال: هو الدخ. فقال النبي: اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك.قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر ، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه.. إلى غير ذلك من الأمور المهولة ].الخوارق قد يجليها الله على يد الأنبياء وعلى يد الأولياء الصالحين ببركة اتباعهم الأنبياء, وقد يجليها الله على يد المشعوذين والسحرة, وآخرهم الدجال الذي يخرج في آخر الزمان, إذ له خوارق عظيمة، منها: أنه يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت, ويشق رجلاً نصفين فيستوي قائماً، ولن يسلطه الله على غيره, فكل هذه خوارق، وهي لا تدل على الكرامة أبداً، بل إن كان هذا الشخص مستقيماً على طاعة الله فهذه كرامة حصلت له ببركة اتباعه النبي, كمثل ما حصل لـأسيد بن خضير وعباد البشر , حيث خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما، فلما افترقا أضاء لكل واحد منهم حتى وصل إلى بيته, وكما حصل لـعمر رضي الله عنه, حيث كان يخطب على المنبر فدعا: يا سارية ! الجبل الجبل، وكان جيشه في العرق، وكما حصل للعلاء بن الحضرمي حيث عبر هو وجيشه نهر دجلة والفرات على أقدامه والخيل, لكن بعد أن نظر إليهم وطاف بهم خلف العدو، في الليل ركعاً وسجداً يبكون ويتضرعون, وفي النهار مجاهدين في سبيل الله, أما الشخص الذي تجري على يده الخوارق وهو وهو منحرف فهذه شعوذة، فقد يطير الشخص في الهواء كما يستخدم الشياطين بعض السحرة, كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله, وتوقفه بعرفة في يوم عرفة، ثم يرجع في نفس اليوم, وظن أنه قد حج وهو لم يحرم ولم يأت بشيء من المناسك, وقد تغوص به الشياطين في البحر، فالشياطين تعمل مثل هذه الأشياء.فالخوارق إذاً قد تجري على يد الأنبياء، فتكون من المعجزات، وقد تجري على يد الصالحين فتكون من الكرامات، وقد تجري على يد المشعوذين والسحرة فتكون من الشعوذة والحالات الشيطانية, فالعبرة في استقامة الشخص وتمسكه بدينه.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي : قلت للشافعي : كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي : قصر الليث رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.وقد حكى الرازي وغيره قولين للعلماء: هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض أو عام في ملائكة السموات والأرض؟ وقد رجح كلاً من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ [الحجر:30] فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم ].
 حقيقة السجود لآدم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قتادة في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن يسجد له ملائكته، وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف:100] وقد كان هذا مشروعاً في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ].كان في شريعة يعقوب ويوسف تجوز التحية، ولهذا لما قدم يعقوب عليه الصلاة والسلام وأبناؤه من فلسطين إلى مصر على يوسف رفعهم على العرش وخروا له سجداً سجود تحية لا سجود عبادة، وكان هذا تأويلاً للرؤيا؛ لأنه لما رأى وهو صغير: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4] قال بعد مدة طويلة: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100] وذلك حين سجدوا له، وكان هذا جائزاً في شريعة من سبقنا، أما في شريعتنا التي هي أكمل الشرائع فلا يجوز لغير الله سجود لا تحية ولا سجود إكرام.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال معاذ : (قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: لو كنت آمراً بشراً أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها) ورجحه الرازي .وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] ].وهذا غلط؛ لأنه مخالف للنص، قال الله تعالى: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] فالسجود لآدم، لكنه عبادة لله, فالله تعالى أمرهم أن يسجدوا لآدم تعبداً له سبحانه, وإذا أمر الله بأمر وجب امتثال أمره. ومن ذلك أمر الله أن نقبل الحجر الأسود تعبداً له, وأن نطوف بالبيت تعبداً له لا للكعبة.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكراماً وإعظاماً واحتراماً وسلاماً، وهي طاعة لله عز وجل؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفيسره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما كونه جعل قبلة؛ إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال ].الصواب: أن هذا سجود صحيح وحقيقي، وهو سجود إكرام لآدم، وعبادة لله عز وجل؛ لأنه الآمر بذلك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة الآية [34] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net