اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البحث عن السعادة للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


البحث عن السعادة - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
أكرم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وصحبه بالعيش السعيد، فعاشوا في مجتمع مسلم يحيا الإيمان من جميع جوانبه، وإنما حظي الصحابة الكرام بذلك بعد تحصيل أسبابه، كالخوف من الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمودة والرحمة وغير ذلك، وقد جعل الله تعالى ذلك العيش أمراً يمكن أن يجده من يأتي من بعدهم إذا حققوا جملة من الوسائل الموصلة إلى طريقهم وسعادتهم.
أسباب السعادة في حياة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن المؤمنين متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم ربى أكمل جيل وأمثل رعيل, كانوا شامة في جبين الأيام وتاجاً في مفرق الأعوام, حتى قال عنهم الشاعر العربي:الله يعلم ما قلبت سيرتهميوماً وأخطأ دمع العين مجراهفأصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه بهم نصر الله جل وعلا الدين وأعز الملة, نشئوا في مدرسة محمد صلوات الله وسلامه عليه, فهم المطعمون المنفقون الشاكرون في السراء, وهم الثابتون الصابرون في الضراء والبأساء وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22].أن من ينشد الحياة السعيدة لن يجدها ظاهرة بينة واضحة كما يجدها في حياة محمد صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين, والحديث عن تلك القمم الشامخة حديث يطول, ولكننا نحاول أن نقف على بعض أجزاء منه, إن تعذر علينا أن نقف عليه كله.إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وذلك الجيل الأمثل والرعيل الأكمل كانت فيهم صفات عدة, ومن عظمة السيرة وما حفلت به أنه يمكن أن يتدارسها الناس من عدة طرائق؛ لأنك لا تدرس فيها شيئاً خفياً لتظهره, وإنما هي ظاهرة بينة واضحة كالشمس المشرقة, وإنما ينهل منها الواردون, ويستقي منها الطالبون, وكل يوفقه الله جل وعلا ولو إلى حيز -بحسب دوره في المجتمع- من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم.
 العفو عند المقدرة
ومن خصائص المجتمع المدني الذي من الله جل وعلا عليه بالحياة السعيدة آنذاك العفو عند المقدرة، والعفو شيم من شيم الكرام كانت العرب تتغنى به في الجاهلية، فلما بعث صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق ربى أمته على هذه الخصلة، وجاء القرآن من قبل بها فقال تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، فكلها رغائب ذكرها جل وعلا في كتابه تحث المؤمنين على العفو، ونبينا صلى الله عليه وسلم خير من ملك ثم عفا من البشر، يقول بعض أهل السير: إن أبا سفيان بن الحارث -وهو أحد خمسة يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: الحسن والحسين وقثم والفضل وأبو سفيان بن الحارث رضي الله تعالى عنهم جميعاً- يقولون: إن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه كان قبل إسلامه يقرض الشعر ويهجو النبي عليه الصلاة والسلام حتى أهدر دمه، فلما من الله عليه بالهداية استحيا من دخوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقال: إن إحدى أمهات المؤمنين أشارت عليه بأن: قل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] فإن نبي الله لا يحب أن يكون أحد خيراً منه. أي أنه ينافس في الطاعات ويسابق في الخيرات صلوات الله وسلامه عليه، فلما قالها قبل النبي صلى الله عليه وسلم خطابه وعفا عنه. وأعظم ما يدفع إلى مثل هذا انتظار الفضل من الله؛ لأن الله أبهم -أي: لم يبين مقدار الجزاء لمن عفا الله عنك- فقال جل وعلا: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، وما أبهمه الله جل وعلا في هذا الموقف فإن سياق القرآن يدل على أنه شيء عظيم تشرئب إليه الأعناق، وينشده الأفاضل من الرجال والنساء، ولا ريب في أن من أعظم ما يمكن أن نتعلمه من الدين أن كل من أوقفه الله جل وعلا ضعيفاً بين يديك وأردت أن تعامله فعامله بمثل ما تحب أن يعاملك الله به إذا وقفت بين يديه.
سبل التحلي بخصائص المجتمع المحمدي
وأما السبل التي تعين المؤمن على أن يتحلى بنشر هذه الخصائص -وما لم نذكره من خصائص المجتمع المحمدي- فأولها بلا شك: العلم بالله جل وعلا، فالعلم بالرب تبارك وتعالى مفتاح كل خير، ولا يتصور أن أحداً يعبد الله على منهج بين وطريق واضح وخشية في القلب وهو لا يعلم الله، فأعظم العلم معرفة الله، ومعرفة أسمائه وصفاته، وحتى يكون الحديث أوضح فإن إجلال الله جل وعلا في القلب مما ذكره الله جل وعلا في كتابه المبين يعين المؤمن على أن يعرف ربه، ولله المثل الأعلى، فأي شيء تريد أن تعرف كينونته لتصل إليه فلن تصل إليه إلا بإحدى ثلاث طرائق: إما أن تراه، وإما أن يراه غيرك فيصفه لك، وإما أن تقيسه على مثله، ولكي تزداد عظمة الله في قلبك فاعلم أن هذه الثلاثة منتفية في حق الله، فنحن لم نر ربنا، ولم يره أحد فيصفه لنا، وليس لله ند ولا مثيل ولا شبيه حتى نقيسه عليه، فسبحانك وبحمدك، ما عبدناك حق عبادتك. فالعلم بالله جل وعلا مفتاح كل خير، وهو السبيل الأعظم للوصول إلى تلك الخصائص.
 ذكر اليوم الآخر وأهواله
الأمر الثالث من الوسائل: أن يذكر الإنسان معاده، وأنه صائر إلى ربه لا محالة يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] فالناس يخرجون من القبور أول الأمر مضطربين، يحوم بعضهم حول بعض لا يدرون أين يذهبون، كما قال الله: كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:4] فيسمعون صوت إسرافيل يدعوهم إلى أرض المحشر، فينتظم سلكهم، قال الله جل وعلا: كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7] ولا يوجد بعث قبل هذا ولا يوجد بعث بعده، قال الله: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:108]، فيحشر الناس حفاة عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، ويحشر الناس عطاشاً أحوج ما يكونون إلى الماء، وتدنو منهم الشمس فيكونون أحوج ما يكونون إلى الظل، والموفق من جمع الله جل وعلا له هذه الثلاث، فكساه يوم الحشر، وسقاه من حوض محمد صلى الله عليه وسلم، وأظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعها لي ولكم أجمعين.فهذه الثلاث يتذكرها المؤمن في غدوه ورواحه، فهي من أعظم ما يعينه على تحقيق المراد، والوصول إلى الغايات العظمى؛ لأن الغاية العظمى أن يقدم الإنسان لحياته الحقيقة، فقد أخبر الله تبارك وتعالى عن أهل الضلال بأنهم يتعذر عليهم ذلك فيقول كل منهم: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24].
المعنى البلاغي في (لو) و(لولا)
ليتذكر المرء أن هناك (لو) وهناك (لولا)، و(لو) عند النحويين حرف امتناع لامتناع، و(لولا) حرف امتناع لوجود، فلو أن أحد الإخوة لم يستطع الحضور إلى مكان ما فإنه يقول: لو كان زيد موجوداً لأتيت، فانتفى إتيانه لانتفاء وجود زيد، وأما (لولا) فتكون حرف امتناع لوجود. وللفظتين تطبيق في القرآن، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يُري الله أهل الجنة مقاعدهم في النار التي نجاهم منها، ويُري أهل النار مقاعدهم في الجنة التي حُرموا منها بسبب كفرهم، فيقول أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43] أي: لولا وجود رحمة الله لكنا من أهل النار، وأما أهل الضلالة فيقول كل منهم كما قال الله: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر:57] فامتنعت عنهم الهداية، فامتنع أن يكونوا من أهل التقوى، وامتنعت رحمة الله عنهم فامتنع أن يكونوا من أهل الجنة في تلك المقاعد التي يرونها. وإذا كان المؤمن موفقاً مسدداً فإنه يجعل هذه الأمور بين يديه يؤمل أن يصل إلى حياة أسعد، على أن خاتمة المطاف أن يقال: إنه لا يعمر القلب شيء أعظم من ذكر الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ومن استأنس بالله استوحش من خلقه، واللبيب العاقل من يجعل له خلوات -إما سجدات في فلق الأسحار أو غيرها- يذكر ربه تبارك وتعالى فيها، سواء أكان في ملأ من الناس أم كان في خلوة لوحده؛ فإن ذكر الله حياة الضمائر وأنس السرائر وأقوى الذخائر، أمر الله به نبيه وحث الله جل وعلا عليه عباده، من وفق له وفق لخير عظيم.هذا ما تيسر إيراده وأعان الله على قوله، سائلين الله جل وعلا أن يعفو عن الزلل، وأن يجبر الكسر والخلل، إن ربي لسميع الدعاء، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
 ذكر اليوم الآخر وأهواله
الأمر الثالث من الوسائل: أن يذكر الإنسان معاده، وأنه صائر إلى ربه لا محالة يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] فالناس يخرجون من القبور أول الأمر مضطربين، يحوم بعضهم حول بعض لا يدرون أين يذهبون، كما قال الله: كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:4] فيسمعون صوت إسرافيل يدعوهم إلى أرض المحشر، فينتظم سلكهم، قال الله جل وعلا: كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7] ولا يوجد بعث قبل هذا ولا يوجد بعث بعده، قال الله: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:108]، فيحشر الناس حفاة عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، ويحشر الناس عطاشاً أحوج ما يكونون إلى الماء، وتدنو منهم الشمس فيكونون أحوج ما يكونون إلى الظل، والموفق من جمع الله جل وعلا له هذه الثلاث، فكساه يوم الحشر، وسقاه من حوض محمد صلى الله عليه وسلم، وأظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعها لي ولكم أجمعين.فهذه الثلاث يتذكرها المؤمن في غدوه ورواحه، فهي من أعظم ما يعينه على تحقيق المراد، والوصول إلى الغايات العظمى؛ لأن الغاية العظمى أن يقدم الإنسان لحياته الحقيقة، فقد أخبر الله تبارك وتعالى عن أهل الضلال بأنهم يتعذر عليهم ذلك فيقول كل منهم: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البحث عن السعادة للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net