اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وما قدروا الله حق قدره للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


وما قدروا الله حق قدره - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
خالق كريم، رب رحيم، علي عظيم، خلق فسوى، وقدر فهدى، أعطى وأكرم، وأجزل وأنعم، لا تفي الكلمات أن تحصي ثناءه ونعماءه، فهو أهل الثناء والمغفرة. بعد هذا كله أتى أقوام من خلق الله ما عرفوا لله قدره، وما أدركوا حقه، جعلوا له أنداداً، واختلقوا له أضداداً، وعبدوا من دونه ما لا ينفع ولا يسمع، وهذا والله! بسبب سخف عظيم أصاب كنه عقولهم، وجهل صارخ خيم على أعماق أنفسهم.
ذكر الذين جعلوا مع الله شركاء وذمهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فسبحانك اللهم ربنا وبحمدك ولك الحمد، أنت وحدك من يجبر كسرنا، ويجمع شتات أمرنا، ويثبتنا على طريق ديننا، نستغفرك ربنا ونتوب إليك، ونستعين بك ونحن نزدلف إليك بذكرك في بيت من بيوتك.أيها المؤمنون!إن كل مجلس فيه حكمة تنشر، أو سنة تحيا، أو علم يذكر، فإنه مجلس يفد إليه العقلاء، ويؤمه الفضلاء، ولكن أعظم المجالس أثراً، وأرفعها درجة وأجلها بركة، المجلس الذي يذكر فيه الله رب العالمين جل جلاله، كما أن الله جل وعلا لا أحد مثله، فانه لا مجلس أبداً كمجلس يعظم الله فيه ويذكر جل وعلا الذكر الحسن ويثنى عليه جل وعلا بما هو أهله من المحامد.أيها المؤمنون!لما جعل عبدة الأوثان، والعاكفون على الأصنام مع الله جل وعلا شريكاً ولم يعرفوا لربهم قدراً، كانت قلوبهم تشمئز وأنفسهم تنفر إذا ذكر الله عز وجل، قال الله جل وعلا: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45].وقال جل ثناؤه وتباركت أسماؤه: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46].على هذا يتبين أننا في هذا المجلس المبارك نتفيأ ظلال آية كريمة نعت الله جل وعلا بها منكراً أحوال قوم ساووا بين الخالق والمخلوق، وجعلوا الآلهة والأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً أنداداً مع ربهم تبارك وتعالى.قال الله جل وعلا وقولهُ الحق: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74]، وعلى هذا يتبين أن من علم حقيقة قدر الله جل وعلا فهو الفائز بجنات النعيم.أيها المؤمنون!هذا الشأن العظيم، والمنزل الكريم، والمطلب الجليل، له شواهد تدل عليه، كما أن هناك قرائن تدل على من نأى وابتعد عنه، وهناك طرائق ترشد إليه وتدل عليه وهي التي بها نستفتح خطابنا هذا.
 

ما يعين العبد على معرفة قدر ربه

 التأمل في كلام الله
من الطرائق التي يعلم بها العبد عظمة ربه:أن يتأمل في كلامه جل وعلا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]. فالقرآن تحدى الله به بلاغة البلغاء وفصاحة الفصحاء.قالوا: إن أبا العلاء المعري الأديب اللغوي المعروف كان آية في الفهم والذكاء والحفظ، ما فقد كان يحفظ أشعار العرب وكثيراً من مفردات لغتها وأيامها وتاريخها، وبدا له لما وصل إلى هذه المرحلة أن ينازع القرآن وأن ينشىء قرآناً يكتبه يضاهي به كلام الله فكتب أبياتاً ختمها بقوله:إن الموت لا يبطئ والخلد في الدنيا لا يجوز. ثم تذكر عظمة الله فتلا قول الله جل وعلا:إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:103-105]، فجثا على ركبتيه وبكاء بكاءً طويلاً، ثم رفع رأسه وأخذ يقول: سبحان من هذا كلامه! سبحان من تكلم بهذا في القدم!وهذه شهادة لها اعتبارها؛ لأنها جاءت من رجل يعلم حقائق اللغة ودقائق البيان وأساليب العرب في سبك كلامها، فقد اعترف بالعجز التام أمام كلام ربنا تبارك وتعالى وأصدق منه خبراً قول الله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].هذه جملة من الطرائق ذكرنا بعضها ولا يتسع الوقت لذكر آخر منها،ونعرج بعد هذا على الأمارات والعلامات التي يغلب على الظن فيما يظهر للناس ويغلب على الظن -وكل أحد مسئول عن سريرته- أنها تدل على أن العبد يعرف لله جل وعلا حق قدره أو شيئاً عظيماً من ذلك القدر.
العلامات الدالة على معرفة قدر الله
أعظمها: توحيده تبارك وتعالى فإن من وحد الله عرف قدره، فتوحيد الله جل وعلا الحسنة التي ليس بعدها حسنة كما أن الشرك السيئة التي ليست بعدها سيئة، ولا مصلحة بعد التوحيد ولا مفسدة بعد الشرك، فمن وحد الرب تبارك وتعالى ولم يجعل لله نداً في قلبه فقد عظم الله جل وعلا وقد عرف قدره.فالمخاطبون بقول الله جل وعلا: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:74] هم أولئك الذي جعلوا لله أنداداً ساووا تلك الأنداد بربهم تبارك وتعالى، جعلوا من له الأمر كله كمن لا يملك من الأمر شيئاً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.ثم تأتي بعد ذلك أمور في سلوك المرء وفي الحياة، تدل على تعظيمه لربه تبارك وتعالى ومنها على سبيل الإجمال والطريقة السردية لا الترتيب الأبجدي:الوجل عند ذكر الرب تبارك وتعالى، فإن وجل القلوب عند ذكر علام الغيوب من دلائل معرفة العبد بربه تبارك وتعالى وهذا كنه ما أثنى الله به على عباده الصالحين وأوليائه المتقين في كتابه.ذلك أن القلب إذا فرح مع محبة لذلك الذكر ويحب كل المحبة مجلساً يعظم الله فيه، ويذكر الله فيه فإن ذكر الله حياة الضمائر، وأنس السرائر، وأقوى الذخائر، فالمؤمن إذا كان يجد في نفسه -وكل امرئ حسيب نفسه- حب المجالس التي يذكر الله فيها ويحب أن يعظم الله ويبجل ويحمد ويثنى عليه جل وعلا بما هو أهله مع وجله وشوقه إلى ربه تبارك وتعالى فإذا ذكر الله هذا من القرائن والبراهين على أن ذلك العبد يعظم الله رب العالمين.كما أن من قرائن تعظيم الله جل وعلا ومعرفة قدره:أن يقدم المرء ما قدمه الله وأن يعظم المرء ما عظمه الله، وأن يتحرى الإنسان العمل فيما وصى الله جل وعلا به، هذه هي القلوب التي عرفت ربها حقاً، فإذا كان الإنسان قد جعل في طريقه في مسلك حياته في غدوه ورواحه ومخالطته للناس يعظم من عظم الله ويبجل من بجل الله فيعظم المصلين؛ لأنه يرى فيهم القرب من الله بصرف النظر عمن هم، ويأتي بالوصايا الإلهية فلا يقدم على والديه أحداً فإذا عظم والديه لا يعظمهما لأنهما أبواه وإنما يعظمهما؛ لأن الله جل وعلا وصى بهما في كلامه. ثم يزدلف ويطبق عملياً ما وصى الله جل وعلا به فيجعل للوالدة ما لا يجعل للوالد، ولو كانت الوالدة أشد قسوة عليه من والده ولو كان والده حفياً به لكن أمه لا تصل في حنانها عليه إلى والده فيطرح ذلك جانباً ويقدم ما قدم الله وقدم رسوله صلى الله عليه وسلم.ثم إن هذا الأمر يظنه البعض خطاباً عارضاً لكنه قرينة خفية على أنك تعظم ربك وأنت تحنوا عليهما، تذكر قول الله: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] فأنت لا تخفض جناحك؛ لأنهما كبيران، وإنما تخفض جناحك امتثالاً لأمر ربك تبارك وتعالى، وتزدلف إليهما، وقبل أن تخاطبهما بخطابك تتذكر أن ربك الذي خلقك وصاك بهما، ولو صنعت هذا الصنيع مع والديك ومع كل أحد وفق شرع الله وأخذت بوصايا الله فإنك لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تطيع الله فيه، فإن اتباع وصايا الله لا يقود إلا للفلاح.لكن أين يكون الخطأ؟يكون عندما يدخل الشك في المرء في أن هذا الطريق ليس بصحيح فيبحث عن طرائق أخر يبتدعها، وقد لا تكون بدعة بمعنى البدعة المحضة ولكنها فرار عن منهج الله، ويطبق منهجه وهو يظن أنه سيصل إلى مقصودة، ولن تصل إلى مقصودك الشرعي إلا بالطريق التي اختصها الله جل وعلا لك، وهنا يتميز الواثق من منهج الله عمن هو غير واثق من منهج الله، فإذا خاطب الإنسان والديه مثلاً المرة بعد المرة وخفض لهما الجناح ولم يتغيرا لجأ إلى طريق آخر، حين لا ينفع معهما مثل هذا الخطاب، فيبحث عن طرائق أخر كأنه يقول ولو لم يصرح ودون أن يفعل ذلك عمداً كأنه يقول دون أن يشعر أنني سأخطط منهجاً أفضل من منهج الله.فيتعامل الإنسان مع ولاة أمره وقد وصاه الله جل وعلا بطاعتهم، فإذا رأى منهم زلة هنا أو هناك غير طريقته وأراد أن يخرج عن وضع السمع والطاعة بحجة أنه يريد الإصلاح، ولا يمكن أن يكون هناك إصلاح حق على أي مستوى إلا باتباع شرع الله جل وعلا، وهذا وأمثاله منازل يختبر فيها الناس وليس الأمر مقصوراً على طاعة ولاة الأمر والوالدين لكن في شتى شئون حياتك مع خصمك مع عدوك مع رئيسك في العمل مع جارك في الحي ومع كل خلقه فقد جعل الله وصايا لكل أحد، فالزم ما وصى الله جل وعلا به تنل ما وعد الله جل وعلا، أما إذا خرجت عن طريق الله فلا تنتظر ما وعدك الله به وقد خالفت طريقته ومنهجه تبارك وتعالى.قالوا: إن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مر على حائط للأنصار-أي: حائط بستان- وفيه رفاق شباب يشربون الخمر، فتسلق السور ودخل عليهم فقالوا: يا أمير المؤمنين! جئنا بواحدة شرب الخمر وأنت جئت بثلاث: تجسست والله قد نهى عن ذلك، وتسورت والله قد نهى عن ذلك، ولم تستأذن والله قد نهى عن ذلك.فعاد وهو يعلم خطأهم لكنه أكبر حجتهم؛ لأنهم قارعوه بالقرآن. قال حافظ :وفتية أولعوا بالراح وانتبذوالهم مكاناً وجدوا في تعاطيهاظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيهاقالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليهافأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيهاولا تجسس فهذي الآي قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيهافعدت عنهم وقد أكبرت حجتهملما رأيت كتاب الله يمليهاوما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيهاإننا نطأطئ رقابنا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلت رقابنا لأحد فوالله! ما ذلــت إلا لأن الله أمرنا بهذا، وإن امتنعنا عن شيء فلأن الله جل وعلا أمرنا أن نمتنع عنه هذا هو العبد الصالح، العبد الذي يعرف عظمة أمر سيده تبارك وتعالى خالقنا ومولانا لا رب لنا غيره ولا إله سواه.
 التواضع للخلق
من القرائن الدالة على أن العبد يعرف ربه ويعرف له حق قدره:التذلل وعدم التكبر على الخلق قال الله لنبيه: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:37-38].والله يحب من عباده أن يتواضعوا، ولا يعلو أحد على أحد متكئاً على نسب أو مال أو جاه أو حسب وهذه دعاوي كل يدعيها حتى إذا اختلط الناس بعضهم ببعض تميز أولئك الأخيار الأبرار الذين يعرفون أن ما هم فيه نعمة من الله جل وعلا أنعم بها عليهم.حتى الضلالة والهدى ينظرون إلى أهل الضلالة نظرة من يريد أن ينقذهم مما هم فيه.قال أحد الصالحين من السلف:قد كنت أعذر في السفاهة أهلها فاعجب لما تأتي به الأيامفاليوم أعذرهم وأعلم أنما سبل الضلالة والهدى أقسام
الشواهد الدالة على عدم معرفة العبد لربه
نختم بالشواهد -عياذاً بالله- على أن العبد لا يعرف قدر ربه عافانا الله وإياكم من هذا البلاء:أعظم ذلك الشرك بالله، فمن أشرك مع الله غيره لم يعرف لله جل وعلا قدراً البتة، ولهذا حكم الله على هؤلاء بأنهم خالدون في النار، لا يمكن أن يخرجوا منها حتى إنهم إذا استسقوا إنما يسقون ماء حميماً، وعلى هذا فالشرك بالله جل وعلا -كما بينا آنفاً- مفسدة لا تعدلها مفسدة رتب الله جل وعلا عليها أربعة أمور: اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة.قال الله جل وعلا: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22] هذا في الدنيا.وقال بعدها بآيات: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39].فهذه الأربعة رتبها الله جل وعلا نكالاً على من أشرك به.ويأتي دونهم من عرف قدر الله من حيث الأصل، وهم عصاة المؤمنين الذين ما قدروا الله جل وعلا حق قدره لكنهم لم يخرجوا عن دائرة الإيمان.ومن القرائن على هذا نسأل الله لنا ولكم العافية وأقولها سرداً لا يستطيع الإنسان أن يذكرها فراداً:قسوة القلب.التكبر على الخلق.البعد عن قيام الليل.بخس الناس حقوقهم.وظلم العباد وهذا تبع للأول. فبخس الناس حقوقهم وظلمهم من أعظم الدلائل أن العبد لا يعترف بسلطان الله جل وعلا عليه.المجاهرة بالمعاصي، يقول الله موبخاً من عصاه: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14].اليأس من رحمة الرب تبارك وتعالى.القنوط من روحه جل وعلا.هذه وأضرابها تدل من حيث الإجمال على أن العبد ما عرف قدر ربه تبارك وتعالى.خاتمة المطاف: كلنا نملك أشياء لا يلبث أن تنفد، الله جل وعلا وحده من لا تنفد خزائنه فحري بعبد نفدت خزائنه أن يسأل رباً لا تنفد خزائنه.الإلحاح على الله جل وعلا في الدعاء وانقطاع العلائق إلا بالرب الخالق جل جلاله، وأن يجمع الإنسان شتات أمره ويضعها بين يدي الله، وأن يفزع الإنسان إلى ربه في الملمات مع شكره تبارك وتعالى في حال السراء، وهذه قرائن عظيمة على أن العبد يعرف ربه جل وعلا.فاللجوء إلى الله تبارك وتعالى، واستغفاره، وكثرة التوبة تعين على طاعة الرب جل وعلا.وهذه فائدة نختم بها وهي: ذكر القرطبي رحمه الله:أن الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم وأرضاهم- اجتمعوا يتدارسون القرآن، فقال الصديق رضي الله عنه وأرضاه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أرجى من قول الله: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء:84] ثم قال الصديق : فإن شاكلة العبد العصيان ولا يشاكل الرب إلا الغفران، أي: أن الله جل وعلا حقيق به أن يغفر كما أن العبد عرضة لأن يعصي الله جل وعلا.فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد قرأت القرآن كله من أوله إلى أخره فلم أجد آيةً أرجى من قول الله: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:1-3] قال: إن الله قدم غفران الذنوب على قبول التوبة.قال عثمان رضي الله عنه: قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أجد آية أرجى من قول الله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر:49].وقال علي رضي الله عنه وأرضاه: وقرأت القرآن كله فلم أجد آية أرجى من قول الله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53].قال القرطبي رحمه الله بعد أن حكى هذا الخبر والأقوال الأربعة قال: وأنا -أي: القرطبي - أرجى آية في كتاب الله قول الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وأعتذر إن قصرت، وعفواً إن أطلت فما أردت إلا الخير ما استطعت.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
 التواضع للخلق
من القرائن الدالة على أن العبد يعرف ربه ويعرف له حق قدره:التذلل وعدم التكبر على الخلق قال الله لنبيه: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:37-38].والله يحب من عباده أن يتواضعوا، ولا يعلو أحد على أحد متكئاً على نسب أو مال أو جاه أو حسب وهذه دعاوي كل يدعيها حتى إذا اختلط الناس بعضهم ببعض تميز أولئك الأخيار الأبرار الذين يعرفون أن ما هم فيه نعمة من الله جل وعلا أنعم بها عليهم.حتى الضلالة والهدى ينظرون إلى أهل الضلالة نظرة من يريد أن ينقذهم مما هم فيه.قال أحد الصالحين من السلف:قد كنت أعذر في السفاهة أهلها فاعجب لما تأتي به الأيامفاليوم أعذرهم وأعلم أنما سبل الضلالة والهدى أقسام

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وما قدروا الله حق قدره للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net