اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أعمال يوم النحر [2] للشيخ : أحمد حطيبة


شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أعمال يوم النحر [2] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
من أعمال يوم النحر طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج لا يتم إلا به، وقد اختلف العلماء في وقته، وأن يكون في وقت الضحى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والأفضل أن يكون بعد الرمي والذبح والحلق، وصفته كصفة طواف القدوم، إلا أنه لا رمل فيه ولا اضطباع، وطواف الوداع يغني عن طواف الإفاضة على القول الراجح، والسعي بين الصفاء والمروة ركن من أركان الحج على الراجح، ويكون السعي بعد طواف الإفاضة، ويستحب الشرب من ماء زمزم بعد الطواف.
طواف الإفاضة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.ذكرنا مناسك الحج، وكيف أنه يبدأ الحاج بأول ركن من الأركان وهو الإحرام، والحج له أربعة أركان: الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة.والحاج إما أن يكون مفرداً بالحج، وإما أن يكون قارناً بين الحج والعمرة، وإما أن يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج.فإذا كان مفرداً وبدأ بالإحرام فيظل على إحرامه حتى ينتهي من الطواف بالبيت، ويتحلل التحلل الأكبر بعد أن يرمي الجمرات ويطوف بالبيت.وإذا كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج بدأ بمناسك العمرة حتى ينتهي منها فيصير حلالاً بعد ذلك، ويبدأ في إحرامه بالحج بعد ذلك في يوم التروية على تفصيل ذكرناه لمن يجد الهدي ومن لم يجد الهدي.والقارن شأنه شأن المفرد، فيحرم بالعمرة مع الحج، ويظل محرماً، فإذا أتى البيت وطاف فيكون طواف القدوم، وإذا سعى بين الصفا والمروة يكون السعي للعمرة وللحج معاً، ثم إذا جاء في يوم التروية أهل مع الناس وأدى مناسك الحج، ويتحلل إذا رمى الجمرة ثم طاف بالبيت كما سيأتي.وقد وقفنا في كلامنا على طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة يكون في يوم العيد وهو يوم النحر.وقبله يوم التروية الذي ذهب فيه الحاج إلى منى، فيصلي بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، يقصر الرباعية ويصلي كل صلاة على وقتها، ويبيت في منى، والذهاب إلى منى في اليوم الثامن من سنن الحج وليس من فروضه ولا من أركانه.والمبيت ليلة عرفة بمنى من السنن، فإذا بات الحاج بمنى وأصبح صلى الفجر وانطلق إلى عرفات قبل صلاة الظهر فيدركه الوقت وهو في عرفات، فيصلي مع الإمام الظهر والعصر جمعاً وقصراً ويسمع خطبة عرفة ويظل من بعد الظهر حتى غروب الشمس يدعو الله سبحانه وتعالى على ما ذكرنا من تفصيل.فإذا غربت الشمس أفاض الحجيج من عرفة إلى المزدلفة، وصلوا بها المغرب والعشاء جمعاً ويقصرون العشاء ويبيتون في المزدلفة، والمبيت واجب في المزدلفة، والواجب منه حتى بعد منتصف الليل، ويرخص للضعفاء في الانطلاق من المزدلفة بعد منتصف الليل إلى منى.وإذا باتوا بالمزدلفة صلوا الفجر في أول وقتها، ثم يقفون عند المشعر الحرام عند جبل قزح أو في أي موقف من المزدلفة يدعون الله سبحانه حتى وقت الإسفار قبل شروق الشمس، فينطلقون مع وقت الإسفار إلى منى ويفيضون من هذا المكان إلى البيت.وإذا وصلوا إلى منى أول ما يبدءون به رمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات، ولا يرمون الصغرى ولا الوسطى.ومتى رموا جمرة العقبة الكبرى فقد شرعوا في التحلل الأصغر، فيحلقون شعورهم، وينحرون هديهم، ثم يتوجهون إلى البيت ليطوفوا طواف الإفاضة.
 حكم من أخر طواف الإفاضة إلى مساء يوم النحر
ومن أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف للإفاضة طاف ولم يلزمه شيء، وقد ذكرنا في الحديث السابق أن الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (طفت بعدما أمسيت) أي: بعد دخول وقت المساء، فقالوا: يدخل المساء من بعد الظهر إلى المغرب، وقال بعضهم: بل يكون المساء إلى منتصف الليل، فكأن وقت المساء يعم هذا كله، فالرجل الذي قال: (رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج) فلعله رمى بعد الظهر أو رمى بالليل فقال: (لا حرج) فيكون الوقت واسع في ذلك.وكذلك لو أنه أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف بالبيت فجماهير أهل العلم بل يذكر الإمام البيهقي الإجماع على ذلك؛ أنه لا شيء عليه في ذلك، وأنه لا يلزمه أن يرجع محرماً مرة ثانية.وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، فذكرت أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم عليه الصلاة والسلام، أي: قبل الإحرام، أما بعد الإحرام فلا، ثم طيبته مرة ثانية لحله قبل أن يطوف بالبيت صلى الله عليه وسلم، وهي لا تعرف هل سيطوف بالبيت الآن أو في المساء أو في الصباح، فقالت: (قبل أن يطوف بالبيت) فكأن التحلل وقع قبل أن يطوف صلى الله عليه وسلم بالبيت فطيبته عائشة ، وبذلك يقول الإمام النووي: أن هذه الجملة وهي قولها: (حله قبل أن يطوف) فيها دلالة على أنه حصل له تحلل قبل الطواف. قال: وهذا مجمع عليه، أي: أنه حصل التحلل الأصغر وليس التحلل الأكبر.وهذه المسألة استمر فيها الخلاف فترة طويلة، وقد ذكرها العلامة الشيخ الألباني رحمة الله عليه في كتبه وذهب إلى أنه صح الحديث بأنه قد عاد محرماً، والشيخ الألباني رحمه الله كان من أتبع الناس لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما صح عنده الحديث قال بما لم يقله قبله أحد من العلماء حتى عهد عروة بن الزبير أو عهد ابن خزيمة رحمة الله على الجميع، فقال: إنه ثبت حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا لم يطف بالبيت وأمسى فإنه يرجع محرماً مرة ثانية.وهذا الحديث تكلم فيه العلماء، فمن صححه قال: إنه منسوخ، ومن ضعفه قال: لو صح لقلنا به مثل ابن حزم وغيره، والحديث الذي سيلزم الأمة لا بد أن يكون حديثاً صحيحاً بحيث تعمل به الأمة، لكن كونه قد صح الحديث والإجماع على عدم العمل به فيقال: إن الإجماع دل على وجود ناسخ لهذا الحديث. فالإجماع لا ينسخ الحديث ولكنه يدل على وجود ناسخ لهذا الحديث؛ لأنه من غير المعقول أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحكم من الأحكام الشرعية ثم تتفق الأمة كلها على عدم العمل به، فهذا مستحيل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وإذا اجتمعوا على خلاف الحديث فإما أنهم مجتمعون على ضلالة، وهذا يخالف الحديث الآنف، أو أنه وجد ما ينسخ هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو لنا، ولكن دل الإجماع على وجوده. فهذا الذي يقال به، وهذا الحديث إما أن يكون ضعيفاً، ومن صحح الحديث أو حسنه فقد صححه أو حسنه من باب الحسن لغيره مثلاً؛ فبناء على ذلك قال بهذا الحديث، أو أنه مؤول فله تأويل آخر، أو أنه صح لكن الإجماع على خلافه.والحديث طرقه كلها ترجع إلى أحد الرواة، فقد جاء في سنن أبي داود عن أم سلمة مرفوعاً: (فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به)، والحديث يقول عنه النووي : هذا حديث صحيح، وروي عن البيهقي أنه قال: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به. قال النووي : فيكون الحديث منسوخاً دل الإجماع على نسخه؛ فإن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ ولكن يدل على الناسخ.قال البيهقي : ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على نسخه.ويقول البيهقي في الخلافيات: يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار أنه منسوخ، ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على النسخ. يعني: إجماع العلماء على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول من غير تفصيل دليل على نسخ هذا الحديث، هكذا يقول الإمام البيهقي .و ابن المنذر يذكر أنه يوجد في هذه المسألة قول خامس وهو: أن المحرم إذا رمى الجمرة فيكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، قال: وكذلك قال أبو قلابة. وهو من التابعين.وقال عروة بن الزبير : من أخر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفل فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وقد اختلف فيه عن الحسن البصري وعطاء والثوري. أي: أنه قد جاء عنهم القول به وبعدمه، فيكون الذي قال به أبو قلابة وعروة بن الزبير .والحديث رواه أبو داود وأحمد من طريق محمد بن إسحاق بن يسار قال: حدثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة يحدثانه جميعاً بذاك، قالت: (كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر، فصار إلي، ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل آخر من آل أبي أمية متقمصين -أي: لابسين قمصاً- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـوهب : هل أفضت أبا عبد الله ؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: انزع عنك القميص، قالت: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا -يعني: من كل ما حرمتم منه- إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) فكأنه مقيد بالطواف إما أن تطوفوا قبل أن يدخل عليكم المساء، وإلا رجعتم حرماً مرة أخرى.زاد أحمد : قال محمد بن إسحاق : قال أبو عبيدة : وحدثتني أم قيس ابنة محصن -وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلي عشاءً قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة! ما لكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: كان هذا يوماً قد رخص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به صرنا حرماً كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة حتى نطوف بالبيت، ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين. والحديث له طريق آخر، فقد رواه الطبراني عن ابن إسحاق أيضاً عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير عن زينب عن أم سلمة. إذاً: فللحديث طريقان: طريق أبي داود :محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو عبيدة، قال عنه الحافظ ابن حجر : مقبول، يعني: عند المتابعة إذا تابعه أحد، ولم يوثقه إلا الإمام الذهبي فقط، ولعله اعتمد على أن ابن حبان ذكره في الثقات، ولو وثقه أحد لذكر الحافظ ابن حجر ذلك، فقد تتبع من وثقه فلم يجد.وابن حزم بحث فيه وقال: هو على جلالته لم يوثقه أحد. فقول الذهبي أنه ثقة يحتاج إلى نظر؛ لكونه لم يوثقه من العلماء السابقين أحد، فهو وإن كان رجلاً جليلاً وشريفاً له شرف وذكر في الناس إلا أنه لم يوثقه أحد.وأما الطريق الأخرى التي ذكرها ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير، فقد قال الحافظ في خالد: إنه لا يدرى من هو. أي: أنه مجهول فلعله يكون مدلساً، وراويه ارجع طريقه لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مرة ثانية فلعله عن آخر غيره، لكن لا ينبغي أن نقول: إنه قد توبع، خاصة في هذا الحكم الخطير؛ لأنه سيضيق على الحجاج تضييقاً شديداً جداً؛ لأن الأمر صعب جداً وليس سهلاً أن يعود جميع الحجاج محرمين مرة ثانية، بل هو غاية في الصعوبة، فهذا الحكم يحتاج إلى حديث أصح من هذا الحديث حتى يقال به؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الذي ذكر الحافظ أنه مقبول -أي: عند المتابعة- لن نجد من يتابعه إلا هذه الرواية التي رواها ابن لهيعة، فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي من طريق ابن لهيعة ، وذكر عن عروة عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب وهي صحابية، وعروة لم يسمع ممن روى عنه، وذكر عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن، فاختلف ابن لهيعة في روايته، فمرة يذكر شيئاً ومرة يذكر غيره، فقد ذكر جدامة بنت وهب مرة، ومرة أم قيس بنت محصن، وهذه غير الأولى، ولم يذكر لـعروة بن الزبير أنه سمع لا من هذه ولا من هذه، ولعل الحديث يرجع إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة فيكون في النهاية واحد فقط هو الذي روى هذا الحكم، وهذا الواحد ذكر العلماء عنه أن له شرفاً وأنه مشهور ولكن لم يذكروا أنه من الثقات.فكيف يؤخذ هذا الحكم الصعب عنه؟! فهو يحتاج إلى نقل أقوى من ذلك، وقد أخرج مسلم لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، فلعل من وثقه وثقه لذلك، ولكن الإمام مسلماً لم يخرج له في الأصول وإنما أخرج له في المتابعات، فعلى ذلك هل يؤخذ بقوله في هذا الحديث وهذا الحكم الصعب الذي اختلفت فيه الأمة؟ الذي نراه أنه لا يؤخذ بحديثه، حتى ولو صح فيكون الإجماع قد دل على نسخه، كيف وقد ورد عن عمر بن الخطاب خلاف ذلك، فقد جاء عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قال: إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، ولم يخصص أنه إذا لم تطوفوا هذا اليوم حتى غربت الشمس صرتم ورجعتم حرماً مرة ثانية، وهذا قاله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.وكذلك جاء عن ابن عمر أنه كان يأخذ من أظفاره وشاربه ولحيته قبل أن يزور البيت، ولم يقولوا أنه قيد هذه الزيارة بوقت الضحى ولا بوقت المساء؛ إذ إن وقت المساء يبدأ من بعد الزوال، وسيكون على الحجاج إذا قلنا بهذا القول: إما أن يطوفوا قبل الزوال وإلا لبسوا ثياب الإحرام مرة أخرى، وهذا فيه من التضييق ما فيه. ولذلك إن صح الحديث بطرق أقوى من هذه الطرق قيل به، وإلا فالإجماع على أنه لم يقل به أحد من العلماء غير هؤلاء في عهد أبي قلابة ، وعروة بن الزبير ، وابن خزيمة بعد ذلك، ثم إن البيهقي يقول: لا نعلم أحداً من الفقهاء قال بذلك. والتيسير هو فيما أجمع عليه أهل العلم، فنحن نقول بما قال أهل العلم في ذلك. والله أعلم.
السعي بين الصفا والمروة وحكمه
السعي بين الصفا والمروة هو الركن الرابع من أركان الحج، وهو مختلف فيه هل هو ركن من الأركان، أو هو واجب من الواجبات، أو هو سنة من السنن؟ وقد ذكرنا أن الأحوط القول بأنه ركن من أركان الحج.ومال ابن قدامة رحمه الله إلى أنه واجب من الواجبات كما في كتابه المغني.ويلزم المتمتع السعي عن حجته بعد طواف الإفاضة، ولا يزال محرماً حتى يسعى، ولا يحصل التحلل الثاني بدونه، هذا على القول بأنه ركن من الأركان، فلا بد أن ينتهي من الحج ثم يتحلل التحلل الأكبر ليأتي أهله.وأما من أفرد أو قرن فلا سعي عليه؛ لأنه قدم السعي بعد طواف القدوم؛ لأن السعي بين الصفا والمروة إما أن يكون عن حج أو عن عمرة، وهو هنا للمفرد أو القارن عن حج، أما المتمتع فلا يجزيه السعي الذي سعاه قبل ذلك، لأنه كان للعمرة، وبقي عليه السعي للحج، فيلزمه السعي عن حجته بعد طواف الإفاضة، ولا يزال محرماً حتى يسعى، ولا يحصل التحلل الثاني بدونه.والمفرد والقارن إذا لم يكن قد سعى بعد طواف القدوم لزمه السعي بعد طواف الإفاضة، وإن كان سعى بعد طواف القدوم لم يعده بل تكره إعادته؛ لأن الركن لا يعاد مرتين.
 حكم من أخر طواف الإفاضة إلى مساء يوم النحر
ومن أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف للإفاضة طاف ولم يلزمه شيء، وقد ذكرنا في الحديث السابق أن الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (طفت بعدما أمسيت) أي: بعد دخول وقت المساء، فقالوا: يدخل المساء من بعد الظهر إلى المغرب، وقال بعضهم: بل يكون المساء إلى منتصف الليل، فكأن وقت المساء يعم هذا كله، فالرجل الذي قال: (رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج) فلعله رمى بعد الظهر أو رمى بالليل فقال: (لا حرج) فيكون الوقت واسع في ذلك.وكذلك لو أنه أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف بالبيت فجماهير أهل العلم بل يذكر الإمام البيهقي الإجماع على ذلك؛ أنه لا شيء عليه في ذلك، وأنه لا يلزمه أن يرجع محرماً مرة ثانية.وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، فذكرت أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم عليه الصلاة والسلام، أي: قبل الإحرام، أما بعد الإحرام فلا، ثم طيبته مرة ثانية لحله قبل أن يطوف بالبيت صلى الله عليه وسلم، وهي لا تعرف هل سيطوف بالبيت الآن أو في المساء أو في الصباح، فقالت: (قبل أن يطوف بالبيت) فكأن التحلل وقع قبل أن يطوف صلى الله عليه وسلم بالبيت فطيبته عائشة ، وبذلك يقول الإمام النووي: أن هذه الجملة وهي قولها: (حله قبل أن يطوف) فيها دلالة على أنه حصل له تحلل قبل الطواف. قال: وهذا مجمع عليه، أي: أنه حصل التحلل الأصغر وليس التحلل الأكبر.وهذه المسألة استمر فيها الخلاف فترة طويلة، وقد ذكرها العلامة الشيخ الألباني رحمة الله عليه في كتبه وذهب إلى أنه صح الحديث بأنه قد عاد محرماً، والشيخ الألباني رحمه الله كان من أتبع الناس لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما صح عنده الحديث قال بما لم يقله قبله أحد من العلماء حتى عهد عروة بن الزبير أو عهد ابن خزيمة رحمة الله على الجميع، فقال: إنه ثبت حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا لم يطف بالبيت وأمسى فإنه يرجع محرماً مرة ثانية.وهذا الحديث تكلم فيه العلماء، فمن صححه قال: إنه منسوخ، ومن ضعفه قال: لو صح لقلنا به مثل ابن حزم وغيره، والحديث الذي سيلزم الأمة لا بد أن يكون حديثاً صحيحاً بحيث تعمل به الأمة، لكن كونه قد صح الحديث والإجماع على عدم العمل به فيقال: إن الإجماع دل على وجود ناسخ لهذا الحديث. فالإجماع لا ينسخ الحديث ولكنه يدل على وجود ناسخ لهذا الحديث؛ لأنه من غير المعقول أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحكم من الأحكام الشرعية ثم تتفق الأمة كلها على عدم العمل به، فهذا مستحيل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وإذا اجتمعوا على خلاف الحديث فإما أنهم مجتمعون على ضلالة، وهذا يخالف الحديث الآنف، أو أنه وجد ما ينسخ هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو لنا، ولكن دل الإجماع على وجوده. فهذا الذي يقال به، وهذا الحديث إما أن يكون ضعيفاً، ومن صحح الحديث أو حسنه فقد صححه أو حسنه من باب الحسن لغيره مثلاً؛ فبناء على ذلك قال بهذا الحديث، أو أنه مؤول فله تأويل آخر، أو أنه صح لكن الإجماع على خلافه.والحديث طرقه كلها ترجع إلى أحد الرواة، فقد جاء في سنن أبي داود عن أم سلمة مرفوعاً: (فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به)، والحديث يقول عنه النووي : هذا حديث صحيح، وروي عن البيهقي أنه قال: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به. قال النووي : فيكون الحديث منسوخاً دل الإجماع على نسخه؛ فإن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ ولكن يدل على الناسخ.قال البيهقي : ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على نسخه.ويقول البيهقي في الخلافيات: يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار أنه منسوخ، ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على النسخ. يعني: إجماع العلماء على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول من غير تفصيل دليل على نسخ هذا الحديث، هكذا يقول الإمام البيهقي .و ابن المنذر يذكر أنه يوجد في هذه المسألة قول خامس وهو: أن المحرم إذا رمى الجمرة فيكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، قال: وكذلك قال أبو قلابة. وهو من التابعين.وقال عروة بن الزبير : من أخر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفل فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وقد اختلف فيه عن الحسن البصري وعطاء والثوري. أي: أنه قد جاء عنهم القول به وبعدمه، فيكون الذي قال به أبو قلابة وعروة بن الزبير .والحديث رواه أبو داود وأحمد من طريق محمد بن إسحاق بن يسار قال: حدثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة يحدثانه جميعاً بذاك، قالت: (كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر، فصار إلي، ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل آخر من آل أبي أمية متقمصين -أي: لابسين قمصاً- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـوهب : هل أفضت أبا عبد الله ؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: انزع عنك القميص، قالت: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا -يعني: من كل ما حرمتم منه- إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) فكأنه مقيد بالطواف إما أن تطوفوا قبل أن يدخل عليكم المساء، وإلا رجعتم حرماً مرة أخرى.زاد أحمد : قال محمد بن إسحاق : قال أبو عبيدة : وحدثتني أم قيس ابنة محصن -وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلي عشاءً قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة! ما لكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: كان هذا يوماً قد رخص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به صرنا حرماً كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة حتى نطوف بالبيت، ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين. والحديث له طريق آخر، فقد رواه الطبراني عن ابن إسحاق أيضاً عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير عن زينب عن أم سلمة. إذاً: فللحديث طريقان: طريق أبي داود :محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو عبيدة، قال عنه الحافظ ابن حجر : مقبول، يعني: عند المتابعة إذا تابعه أحد، ولم يوثقه إلا الإمام الذهبي فقط، ولعله اعتمد على أن ابن حبان ذكره في الثقات، ولو وثقه أحد لذكر الحافظ ابن حجر ذلك، فقد تتبع من وثقه فلم يجد.وابن حزم بحث فيه وقال: هو على جلالته لم يوثقه أحد. فقول الذهبي أنه ثقة يحتاج إلى نظر؛ لكونه لم يوثقه من العلماء السابقين أحد، فهو وإن كان رجلاً جليلاً وشريفاً له شرف وذكر في الناس إلا أنه لم يوثقه أحد.وأما الطريق الأخرى التي ذكرها ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير، فقد قال الحافظ في خالد: إنه لا يدرى من هو. أي: أنه مجهول فلعله يكون مدلساً، وراويه ارجع طريقه لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مرة ثانية فلعله عن آخر غيره، لكن لا ينبغي أن نقول: إنه قد توبع، خاصة في هذا الحكم الخطير؛ لأنه سيضيق على الحجاج تضييقاً شديداً جداً؛ لأن الأمر صعب جداً وليس سهلاً أن يعود جميع الحجاج محرمين مرة ثانية، بل هو غاية في الصعوبة، فهذا الحكم يحتاج إلى حديث أصح من هذا الحديث حتى يقال به؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الذي ذكر الحافظ أنه مقبول -أي: عند المتابعة- لن نجد من يتابعه إلا هذه الرواية التي رواها ابن لهيعة، فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي من طريق ابن لهيعة ، وذكر عن عروة عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب وهي صحابية، وعروة لم يسمع ممن روى عنه، وذكر عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن، فاختلف ابن لهيعة في روايته، فمرة يذكر شيئاً ومرة يذكر غيره، فقد ذكر جدامة بنت وهب مرة، ومرة أم قيس بنت محصن، وهذه غير الأولى، ولم يذكر لـعروة بن الزبير أنه سمع لا من هذه ولا من هذه، ولعل الحديث يرجع إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة فيكون في النهاية واحد فقط هو الذي روى هذا الحكم، وهذا الواحد ذكر العلماء عنه أن له شرفاً وأنه مشهور ولكن لم يذكروا أنه من الثقات.فكيف يؤخذ هذا الحكم الصعب عنه؟! فهو يحتاج إلى نقل أقوى من ذلك، وقد أخرج مسلم لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، فلعل من وثقه وثقه لذلك، ولكن الإمام مسلماً لم يخرج له في الأصول وإنما أخرج له في المتابعات، فعلى ذلك هل يؤخذ بقوله في هذا الحديث وهذا الحكم الصعب الذي اختلفت فيه الأمة؟ الذي نراه أنه لا يؤخذ بحديثه، حتى ولو صح فيكون الإجماع قد دل على نسخه، كيف وقد ورد عن عمر بن الخطاب خلاف ذلك، فقد جاء عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قال: إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، ولم يخصص أنه إذا لم تطوفوا هذا اليوم حتى غربت الشمس صرتم ورجعتم حرماً مرة ثانية، وهذا قاله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.وكذلك جاء عن ابن عمر أنه كان يأخذ من أظفاره وشاربه ولحيته قبل أن يزور البيت، ولم يقولوا أنه قيد هذه الزيارة بوقت الضحى ولا بوقت المساء؛ إذ إن وقت المساء يبدأ من بعد الزوال، وسيكون على الحجاج إذا قلنا بهذا القول: إما أن يطوفوا قبل الزوال وإلا لبسوا ثياب الإحرام مرة أخرى، وهذا فيه من التضييق ما فيه. ولذلك إن صح الحديث بطرق أقوى من هذه الطرق قيل به، وإلا فالإجماع على أنه لم يقل به أحد من العلماء غير هؤلاء في عهد أبي قلابة ، وعروة بن الزبير ، وابن خزيمة بعد ذلك، ثم إن البيهقي يقول: لا نعلم أحداً من الفقهاء قال بذلك. والتيسير هو فيما أجمع عليه أهل العلم، فنحن نقول بما قال أهل العلم في ذلك. والله أعلم.
استحباب الشرب من ماء زمزم بعد الطواف
ويستحب للحاج إذا فرغ من طوافه بالبيت أن يشرب من زمزم، لأنها من السنة فقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: (أنه ركب صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه صلى الله عليه وسلم) .
 حكم من أخر طواف الإفاضة إلى مساء يوم النحر
ومن أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف للإفاضة طاف ولم يلزمه شيء، وقد ذكرنا في الحديث السابق أن الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (طفت بعدما أمسيت) أي: بعد دخول وقت المساء، فقالوا: يدخل المساء من بعد الظهر إلى المغرب، وقال بعضهم: بل يكون المساء إلى منتصف الليل، فكأن وقت المساء يعم هذا كله، فالرجل الذي قال: (رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج) فلعله رمى بعد الظهر أو رمى بالليل فقال: (لا حرج) فيكون الوقت واسع في ذلك.وكذلك لو أنه أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف بالبيت فجماهير أهل العلم بل يذكر الإمام البيهقي الإجماع على ذلك؛ أنه لا شيء عليه في ذلك، وأنه لا يلزمه أن يرجع محرماً مرة ثانية.وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، فذكرت أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم عليه الصلاة والسلام، أي: قبل الإحرام، أما بعد الإحرام فلا، ثم طيبته مرة ثانية لحله قبل أن يطوف بالبيت صلى الله عليه وسلم، وهي لا تعرف هل سيطوف بالبيت الآن أو في المساء أو في الصباح، فقالت: (قبل أن يطوف بالبيت) فكأن التحلل وقع قبل أن يطوف صلى الله عليه وسلم بالبيت فطيبته عائشة ، وبذلك يقول الإمام النووي: أن هذه الجملة وهي قولها: (حله قبل أن يطوف) فيها دلالة على أنه حصل له تحلل قبل الطواف. قال: وهذا مجمع عليه، أي: أنه حصل التحلل الأصغر وليس التحلل الأكبر.وهذه المسألة استمر فيها الخلاف فترة طويلة، وقد ذكرها العلامة الشيخ الألباني رحمة الله عليه في كتبه وذهب إلى أنه صح الحديث بأنه قد عاد محرماً، والشيخ الألباني رحمه الله كان من أتبع الناس لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما صح عنده الحديث قال بما لم يقله قبله أحد من العلماء حتى عهد عروة بن الزبير أو عهد ابن خزيمة رحمة الله على الجميع، فقال: إنه ثبت حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا لم يطف بالبيت وأمسى فإنه يرجع محرماً مرة ثانية.وهذا الحديث تكلم فيه العلماء، فمن صححه قال: إنه منسوخ، ومن ضعفه قال: لو صح لقلنا به مثل ابن حزم وغيره، والحديث الذي سيلزم الأمة لا بد أن يكون حديثاً صحيحاً بحيث تعمل به الأمة، لكن كونه قد صح الحديث والإجماع على عدم العمل به فيقال: إن الإجماع دل على وجود ناسخ لهذا الحديث. فالإجماع لا ينسخ الحديث ولكنه يدل على وجود ناسخ لهذا الحديث؛ لأنه من غير المعقول أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحكم من الأحكام الشرعية ثم تتفق الأمة كلها على عدم العمل به، فهذا مستحيل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وإذا اجتمعوا على خلاف الحديث فإما أنهم مجتمعون على ضلالة، وهذا يخالف الحديث الآنف، أو أنه وجد ما ينسخ هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو لنا، ولكن دل الإجماع على وجوده. فهذا الذي يقال به، وهذا الحديث إما أن يكون ضعيفاً، ومن صحح الحديث أو حسنه فقد صححه أو حسنه من باب الحسن لغيره مثلاً؛ فبناء على ذلك قال بهذا الحديث، أو أنه مؤول فله تأويل آخر، أو أنه صح لكن الإجماع على خلافه.والحديث طرقه كلها ترجع إلى أحد الرواة، فقد جاء في سنن أبي داود عن أم سلمة مرفوعاً: (فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به)، والحديث يقول عنه النووي : هذا حديث صحيح، وروي عن البيهقي أنه قال: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به. قال النووي : فيكون الحديث منسوخاً دل الإجماع على نسخه؛ فإن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ ولكن يدل على الناسخ.قال البيهقي : ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على نسخه.ويقول البيهقي في الخلافيات: يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار أنه منسوخ، ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على النسخ. يعني: إجماع العلماء على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول من غير تفصيل دليل على نسخ هذا الحديث، هكذا يقول الإمام البيهقي .و ابن المنذر يذكر أنه يوجد في هذه المسألة قول خامس وهو: أن المحرم إذا رمى الجمرة فيكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، قال: وكذلك قال أبو قلابة. وهو من التابعين.وقال عروة بن الزبير : من أخر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفل فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وقد اختلف فيه عن الحسن البصري وعطاء والثوري. أي: أنه قد جاء عنهم القول به وبعدمه، فيكون الذي قال به أبو قلابة وعروة بن الزبير .والحديث رواه أبو داود وأحمد من طريق محمد بن إسحاق بن يسار قال: حدثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة يحدثانه جميعاً بذاك، قالت: (كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر، فصار إلي، ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل آخر من آل أبي أمية متقمصين -أي: لابسين قمصاً- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـوهب : هل أفضت أبا عبد الله ؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: انزع عنك القميص، قالت: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا -يعني: من كل ما حرمتم منه- إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) فكأنه مقيد بالطواف إما أن تطوفوا قبل أن يدخل عليكم المساء، وإلا رجعتم حرماً مرة أخرى.زاد أحمد : قال محمد بن إسحاق : قال أبو عبيدة : وحدثتني أم قيس ابنة محصن -وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلي عشاءً قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة! ما لكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: كان هذا يوماً قد رخص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به صرنا حرماً كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة حتى نطوف بالبيت، ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين. والحديث له طريق آخر، فقد رواه الطبراني عن ابن إسحاق أيضاً عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير عن زينب عن أم سلمة. إذاً: فللحديث طريقان: طريق أبي داود :محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو عبيدة، قال عنه الحافظ ابن حجر : مقبول، يعني: عند المتابعة إذا تابعه أحد، ولم يوثقه إلا الإمام الذهبي فقط، ولعله اعتمد على أن ابن حبان ذكره في الثقات، ولو وثقه أحد لذكر الحافظ ابن حجر ذلك، فقد تتبع من وثقه فلم يجد.وابن حزم بحث فيه وقال: هو على جلالته لم يوثقه أحد. فقول الذهبي أنه ثقة يحتاج إلى نظر؛ لكونه لم يوثقه من العلماء السابقين أحد، فهو وإن كان رجلاً جليلاً وشريفاً له شرف وذكر في الناس إلا أنه لم يوثقه أحد.وأما الطريق الأخرى التي ذكرها ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير، فقد قال الحافظ في خالد: إنه لا يدرى من هو. أي: أنه مجهول فلعله يكون مدلساً، وراويه ارجع طريقه لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مرة ثانية فلعله عن آخر غيره، لكن لا ينبغي أن نقول: إنه قد توبع، خاصة في هذا الحكم الخطير؛ لأنه سيضيق على الحجاج تضييقاً شديداً جداً؛ لأن الأمر صعب جداً وليس سهلاً أن يعود جميع الحجاج محرمين مرة ثانية، بل هو غاية في الصعوبة، فهذا الحكم يحتاج إلى حديث أصح من هذا الحديث حتى يقال به؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الذي ذكر الحافظ أنه مقبول -أي: عند المتابعة- لن نجد من يتابعه إلا هذه الرواية التي رواها ابن لهيعة، فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي من طريق ابن لهيعة ، وذكر عن عروة عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب وهي صحابية، وعروة لم يسمع ممن روى عنه، وذكر عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن، فاختلف ابن لهيعة في روايته، فمرة يذكر شيئاً ومرة يذكر غيره، فقد ذكر جدامة بنت وهب مرة، ومرة أم قيس بنت محصن، وهذه غير الأولى، ولم يذكر لـعروة بن الزبير أنه سمع لا من هذه ولا من هذه، ولعل الحديث يرجع إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة فيكون في النهاية واحد فقط هو الذي روى هذا الحكم، وهذا الواحد ذكر العلماء عنه أن له شرفاً وأنه مشهور ولكن لم يذكروا أنه من الثقات.فكيف يؤخذ هذا الحكم الصعب عنه؟! فهو يحتاج إلى نقل أقوى من ذلك، وقد أخرج مسلم لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، فلعل من وثقه وثقه لذلك، ولكن الإمام مسلماً لم يخرج له في الأصول وإنما أخرج له في المتابعات، فعلى ذلك هل يؤخذ بقوله في هذا الحديث وهذا الحكم الصعب الذي اختلفت فيه الأمة؟ الذي نراه أنه لا يؤخذ بحديثه، حتى ولو صح فيكون الإجماع قد دل على نسخه، كيف وقد ورد عن عمر بن الخطاب خلاف ذلك، فقد جاء عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قال: إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، ولم يخصص أنه إذا لم تطوفوا هذا اليوم حتى غربت الشمس صرتم ورجعتم حرماً مرة ثانية، وهذا قاله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.وكذلك جاء عن ابن عمر أنه كان يأخذ من أظفاره وشاربه ولحيته قبل أن يزور البيت، ولم يقولوا أنه قيد هذه الزيارة بوقت الضحى ولا بوقت المساء؛ إذ إن وقت المساء يبدأ من بعد الزوال، وسيكون على الحجاج إذا قلنا بهذا القول: إما أن يطوفوا قبل الزوال وإلا لبسوا ثياب الإحرام مرة أخرى، وهذا فيه من التضييق ما فيه. ولذلك إن صح الحديث بطرق أقوى من هذه الطرق قيل به، وإلا فالإجماع على أنه لم يقل به أحد من العلماء غير هؤلاء في عهد أبي قلابة ، وعروة بن الزبير ، وابن خزيمة بعد ذلك، ثم إن البيهقي يقول: لا نعلم أحداً من الفقهاء قال بذلك. والتيسير هو فيما أجمع عليه أهل العلم، فنحن نقول بما قال أهل العلم في ذلك. والله أعلم.
جواز رجوع الحاج إلى منى بعد الإفاضة وقت الظهر
وله أن يطوف الإفاضة قبل الزوال ويرجع إلى منى فيصلي بها الظهر؛ لأنه ثبت الأمران عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البعض أنه صلى الظهر بمنى، والبعض روى أنه صلى الظهر بمكة، وكأنه صلى بمكة بالناس، فلما رجع إلى منى صلى بهم تطوعاً صلى الله عليه وسلم فنقل البعض ذلك.ففي حديث جابر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر إلى البيت فصلى بمكة الظهر) وهذا في صحيح مسلم .وفي صحيح مسلم أيضاً عن ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى)، فـجابر ذكر أنه صلى الظهر بمكة وعبد الله بن عمر ذكر أنه صلى الظهر بمنى، والجمع بينها: أنه صلى بمكة بالناس صلاة الظهر، ثم رجع فصلى بأصحابه بمنى فكانت له تطوعاً ولهم فريضة.
 حكم من أخر طواف الإفاضة إلى مساء يوم النحر
ومن أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف للإفاضة طاف ولم يلزمه شيء، وقد ذكرنا في الحديث السابق أن الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (طفت بعدما أمسيت) أي: بعد دخول وقت المساء، فقالوا: يدخل المساء من بعد الظهر إلى المغرب، وقال بعضهم: بل يكون المساء إلى منتصف الليل، فكأن وقت المساء يعم هذا كله، فالرجل الذي قال: (رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج) فلعله رمى بعد الظهر أو رمى بالليل فقال: (لا حرج) فيكون الوقت واسع في ذلك.وكذلك لو أنه أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف بالبيت فجماهير أهل العلم بل يذكر الإمام البيهقي الإجماع على ذلك؛ أنه لا شيء عليه في ذلك، وأنه لا يلزمه أن يرجع محرماً مرة ثانية.وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، فذكرت أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم عليه الصلاة والسلام، أي: قبل الإحرام، أما بعد الإحرام فلا، ثم طيبته مرة ثانية لحله قبل أن يطوف بالبيت صلى الله عليه وسلم، وهي لا تعرف هل سيطوف بالبيت الآن أو في المساء أو في الصباح، فقالت: (قبل أن يطوف بالبيت) فكأن التحلل وقع قبل أن يطوف صلى الله عليه وسلم بالبيت فطيبته عائشة ، وبذلك يقول الإمام النووي: أن هذه الجملة وهي قولها: (حله قبل أن يطوف) فيها دلالة على أنه حصل له تحلل قبل الطواف. قال: وهذا مجمع عليه، أي: أنه حصل التحلل الأصغر وليس التحلل الأكبر.وهذه المسألة استمر فيها الخلاف فترة طويلة، وقد ذكرها العلامة الشيخ الألباني رحمة الله عليه في كتبه وذهب إلى أنه صح الحديث بأنه قد عاد محرماً، والشيخ الألباني رحمه الله كان من أتبع الناس لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما صح عنده الحديث قال بما لم يقله قبله أحد من العلماء حتى عهد عروة بن الزبير أو عهد ابن خزيمة رحمة الله على الجميع، فقال: إنه ثبت حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا لم يطف بالبيت وأمسى فإنه يرجع محرماً مرة ثانية.وهذا الحديث تكلم فيه العلماء، فمن صححه قال: إنه منسوخ، ومن ضعفه قال: لو صح لقلنا به مثل ابن حزم وغيره، والحديث الذي سيلزم الأمة لا بد أن يكون حديثاً صحيحاً بحيث تعمل به الأمة، لكن كونه قد صح الحديث والإجماع على عدم العمل به فيقال: إن الإجماع دل على وجود ناسخ لهذا الحديث. فالإجماع لا ينسخ الحديث ولكنه يدل على وجود ناسخ لهذا الحديث؛ لأنه من غير المعقول أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحكم من الأحكام الشرعية ثم تتفق الأمة كلها على عدم العمل به، فهذا مستحيل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وإذا اجتمعوا على خلاف الحديث فإما أنهم مجتمعون على ضلالة، وهذا يخالف الحديث الآنف، أو أنه وجد ما ينسخ هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو لنا، ولكن دل الإجماع على وجوده. فهذا الذي يقال به، وهذا الحديث إما أن يكون ضعيفاً، ومن صحح الحديث أو حسنه فقد صححه أو حسنه من باب الحسن لغيره مثلاً؛ فبناء على ذلك قال بهذا الحديث، أو أنه مؤول فله تأويل آخر، أو أنه صح لكن الإجماع على خلافه.والحديث طرقه كلها ترجع إلى أحد الرواة، فقد جاء في سنن أبي داود عن أم سلمة مرفوعاً: (فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به)، والحديث يقول عنه النووي : هذا حديث صحيح، وروي عن البيهقي أنه قال: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به. قال النووي : فيكون الحديث منسوخاً دل الإجماع على نسخه؛ فإن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ ولكن يدل على الناسخ.قال البيهقي : ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على نسخه.ويقول البيهقي في الخلافيات: يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار أنه منسوخ، ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على النسخ. يعني: إجماع العلماء على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول من غير تفصيل دليل على نسخ هذا الحديث، هكذا يقول الإمام البيهقي .و ابن المنذر يذكر أنه يوجد في هذه المسألة قول خامس وهو: أن المحرم إذا رمى الجمرة فيكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، قال: وكذلك قال أبو قلابة. وهو من التابعين.وقال عروة بن الزبير : من أخر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفل فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وقد اختلف فيه عن الحسن البصري وعطاء والثوري. أي: أنه قد جاء عنهم القول به وبعدمه، فيكون الذي قال به أبو قلابة وعروة بن الزبير .والحديث رواه أبو داود وأحمد من طريق محمد بن إسحاق بن يسار قال: حدثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة يحدثانه جميعاً بذاك، قالت: (كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر، فصار إلي، ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل آخر من آل أبي أمية متقمصين -أي: لابسين قمصاً- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـوهب : هل أفضت أبا عبد الله ؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: انزع عنك القميص، قالت: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا -يعني: من كل ما حرمتم منه- إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) فكأنه مقيد بالطواف إما أن تطوفوا قبل أن يدخل عليكم المساء، وإلا رجعتم حرماً مرة أخرى.زاد أحمد : قال محمد بن إسحاق : قال أبو عبيدة : وحدثتني أم قيس ابنة محصن -وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلي عشاءً قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة! ما لكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: كان هذا يوماً قد رخص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به صرنا حرماً كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة حتى نطوف بالبيت، ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين. والحديث له طريق آخر، فقد رواه الطبراني عن ابن إسحاق أيضاً عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير عن زينب عن أم سلمة. إذاً: فللحديث طريقان: طريق أبي داود :محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو عبيدة، قال عنه الحافظ ابن حجر : مقبول، يعني: عند المتابعة إذا تابعه أحد، ولم يوثقه إلا الإمام الذهبي فقط، ولعله اعتمد على أن ابن حبان ذكره في الثقات، ولو وثقه أحد لذكر الحافظ ابن حجر ذلك، فقد تتبع من وثقه فلم يجد.وابن حزم بحث فيه وقال: هو على جلالته لم يوثقه أحد. فقول الذهبي أنه ثقة يحتاج إلى نظر؛ لكونه لم يوثقه من العلماء السابقين أحد، فهو وإن كان رجلاً جليلاً وشريفاً له شرف وذكر في الناس إلا أنه لم يوثقه أحد.وأما الطريق الأخرى التي ذكرها ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير، فقد قال الحافظ في خالد: إنه لا يدرى من هو. أي: أنه مجهول فلعله يكون مدلساً، وراويه ارجع طريقه لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مرة ثانية فلعله عن آخر غيره، لكن لا ينبغي أن نقول: إنه قد توبع، خاصة في هذا الحكم الخطير؛ لأنه سيضيق على الحجاج تضييقاً شديداً جداً؛ لأن الأمر صعب جداً وليس سهلاً أن يعود جميع الحجاج محرمين مرة ثانية، بل هو غاية في الصعوبة، فهذا الحكم يحتاج إلى حديث أصح من هذا الحديث حتى يقال به؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الذي ذكر الحافظ أنه مقبول -أي: عند المتابعة- لن نجد من يتابعه إلا هذه الرواية التي رواها ابن لهيعة، فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي من طريق ابن لهيعة ، وذكر عن عروة عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب وهي صحابية، وعروة لم يسمع ممن روى عنه، وذكر عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن، فاختلف ابن لهيعة في روايته، فمرة يذكر شيئاً ومرة يذكر غيره، فقد ذكر جدامة بنت وهب مرة، ومرة أم قيس بنت محصن، وهذه غير الأولى، ولم يذكر لـعروة بن الزبير أنه سمع لا من هذه ولا من هذه، ولعل الحديث يرجع إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة فيكون في النهاية واحد فقط هو الذي روى هذا الحكم، وهذا الواحد ذكر العلماء عنه أن له شرفاً وأنه مشهور ولكن لم يذكروا أنه من الثقات.فكيف يؤخذ هذا الحكم الصعب عنه؟! فهو يحتاج إلى نقل أقوى من ذلك، وقد أخرج مسلم لـأبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، فلعل من وثقه وثقه لذلك، ولكن الإمام مسلماً لم يخرج له في الأصول وإنما أخرج له في المتابعات، فعلى ذلك هل يؤخذ بقوله في هذا الحديث وهذا الحكم الصعب الذي اختلفت فيه الأمة؟ الذي نراه أنه لا يؤخذ بحديثه، حتى ولو صح فيكون الإجماع قد دل على نسخه، كيف وقد ورد عن عمر بن الخطاب خلاف ذلك، فقد جاء عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قال: إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، ولم يخصص أنه إذا لم تطوفوا هذا اليوم حتى غربت الشمس صرتم ورجعتم حرماً مرة ثانية، وهذا قاله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.وكذلك جاء عن ابن عمر أنه كان يأخذ من أظفاره وشاربه ولحيته قبل أن يزور البيت، ولم يقولوا أنه قيد هذه الزيارة بوقت الضحى ولا بوقت المساء؛ إذ إن وقت المساء يبدأ من بعد الزوال، وسيكون على الحجاج إذا قلنا بهذا القول: إما أن يطوفوا قبل الزوال وإلا لبسوا ثياب الإحرام مرة أخرى، وهذا فيه من التضييق ما فيه. ولذلك إن صح الحديث بطرق أقوى من هذه الطرق قيل به، وإلا فالإجماع على أنه لم يقل به أحد من العلماء غير هؤلاء في عهد أبي قلابة ، وعروة بن الزبير ، وابن خزيمة بعد ذلك، ثم إن البيهقي يقول: لا نعلم أحداً من الفقهاء قال بذلك. والتيسير هو فيما أجمع عليه أهل العلم، فنحن نقول بما قال أهل العلم في ذلك. والله أعلم.
التحلل من الإحرام
للحاج تحللان: تحلل أول وتحلل ثاني.التحلل الأول: يسمى التحلل الأصغر، ويباح له فيه كل شيء إلا النساء.والتحلل الثاني: التحلل الأكبر، ويباح له إتيان النساء وغير ذلك.وهما يتعلقان برمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة، وأما النحر فلا مدخل له في التحلل.
 حكم من وطئ قبل طواف الإفاضة
فإن وطئ قبل طواف الزيارة وجب عليه الدم؛ لأن الصواب: أن فساد الحج يكون قبل التحلل الأول، فلو أنه جامع قبل رمي الجمرة فسد حجه، ولكن لو أنه جامع بعد ذلك فإن عليه دماً، فإذا وطئ قبل طواف الزيارة وبعد رمي جمرة العقبة لم يفسد حجه، ولم تجب عليه بدنة، ولكن عليه دم، وإذا قصدنا بدنة فلا بد من التصريح بها، وأما إذا قال: دم ولم يذكر بدنة، فإن أقل ما فيه الشاة أو سبع بدنة.ويجدد إحرامه حتى يطوف بالبيت في إحرام صحيح، وهذا اختيار الإمام أحمد رحمه الله، قال: من طاف للزيارة واخترق الحجر في طوافه ورجع إلى بغداد فإنه يرجع؛ لأنه على بقية من إحرامه، فإن وطئ النساء أحرم من التنعيم على حديث ابن عباس ، يعني: على اختيار ابن عباس رضي الله عنه أنه يحرم من التنعيم، فكأنه يدخل بعمرة ليطوف بالبيت وهو محرم، والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أعمال يوم النحر [2] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net