اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - ما جاء في صفة العمرة للشيخ : أحمد حطيبة


شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - ما جاء في صفة العمرة - (للشيخ : أحمد حطيبة)
حرم إبراهيم خليل الرحمن مكة فجعله الله تشريعاً، وحرم نبينا عليه الصلاة والسلام خليل الرحمن المدينة، فلا يعضد شوكها، ولا يختلى خلالها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد.وقد وردت الأحاديث العديدة في فضل هاتين البقعتين من الأرض، فكان لزاماً على المسلم التأدب بآداب الشرع فيهما، وعدم انتهاك ما حرمه الله ورسوله فيهما.
حرم المدينة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.وصلنا في الحديث السابق إلى حرم مكة، وذكرنا ما فيه من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها: أن الله عز وجل حرم مكة ولم يحرمها أحد من خلقه، وأنها لم يحل فيها القتال لأحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحل لأحد من بعده عليه الصلاة والسلام، وأنه ما حل له إلا ساعة من نهار صلوات الله وسلامه عليه، وأن التحريم من الله سبحانه حين خلق السماوات والأرض، وأظهر هذا التحريم إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في دعائه لمكة. وكذلك الله سبحانه تبارك وتعالى حرم المدينة على لسان النبي صلوات الله وسلامه عليه بدعائه، فشرفها وحرم ما بين جبليها طولاً، وما بين لابتيها عرضاً، ولابتا المدينة -لابة عن اليمين ولابة عن الشمال- أرض مكسوة بحجارة سوداء، توجد واحدة في شرق المدينة والأخرى في غربها، فحرم المدينة ما بين جبلي المدينة من عير إلى ثور، وهما جبلان: جبل في شمال المدينة، وجبل في جنوبها، ومن الشرق والغرب ما بين اللابتين المذكورتين في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لابة شرقاً، ولابة غرباً.فقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محصلها، أنه يحرم صيد المدينة، وقطع شجرها، مثل حرم مكة، فلا يجوز الصيد فيها، ولا قطع شجر الحرم، وكذلك حرم المدينة لا يجوز الصيد فيها، ولا قطع شجرها.
 جزاء من انتهك حرمة المدينة
في مكة إذا صاد أحدهم صيداً فإنه ينظر في هذا الصيد ويذبح مثله إن كان له مثل، يقول الله سبحانه تبارك وتعالى: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95] فيذبح ما هو مثله من بهيمة الأنعام كالبقرة أو الشاة أو المعز، أو نحو ذلك مما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو جاء عن الصحابة أنهم أفتوا في ذلك، وحكموا به، فإذا كان غير ذلك فالقيمة كالبيض ونحوها.أما في المدينة فلا يوجد هدي، وإنما من فعل ذلك فيها فإنه يسلب، أي: يؤخذ ما معه من نقود وثياب، ويترك له ما يستر به عورته فقط، جزاء له؛ لأنه انتهك حرمة المدينة، ويأخذ هذا السلب ويستحقه من أنكر عليه. ففي حديث رواه مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق -وهو واد في ذي الحليفة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه- فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه، فسلبه، أي: أخذ ما معه من أشياء وما عليه من ثياب، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ منه؛ لأن الذي على العبد ليس له وإنما لسادته؛ ولذلك جاءوا إلى سعد وطلبوا منه: أن رد علينا الذي أخذته من عبدنا، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرد عليهم.فبين سعد بن أبي وقاص هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال ذلك وأمر به. إذاً: فالمدينة حرم آمن، والنبي صلى الله عليه وسلم أظهر هذا التحريم، وأخبر أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، وما بين لابتيها، فمن أحدث فيها حدثاً استحق أن يسلب.
أسماء مكة والمدينة
مكة والمدينة لهما أسماء، وكثرة الأسماء للشيء أو المكان تدل على شرف هذا المكان.
 أسماء المدينة
تسمى المدينة بأسماء منها: المدينة، وطيبة، وطابة، والدار.قال الله عز وجل: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ [التوبة:120].وقال: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون:8]، ويقال عنها: بلد النبي صلى الله عليه وسلم، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم.وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى سمى المدينة طابا)، وجاء في مسند أحمد (أنه سماها طيبة)، وطابا وطيبة أصلهما من التطييب، وهو: الطاهر، لخلوصها من الشرك وطهارتها، أي: ليس فيها شرك بالله عز وجل، أو من طيب العيش بها، أو من الطيب وهو الرائحة الحسنة.وسميت أيضاً: الدار، فأهل الدار والإيمان الذين نزلوا فيها هم أهلها أهل المدينة من الأنصار رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.وكان لها اسم في الماضي، فقد كانت تسمى يثرب، وهو من التثريب: وهو التوبيخ، فكأنها كانت بلداً فيه شيء من الوباء ونحوه، فكان من ينزل بها يصاب بهذا الوباء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره هذا الاسم، فلم يكن يحب أن يسميها به.
صفة العمرة
ندخل الآن في صفة العمرة؛ لأن الذاهب إلى هناك إما أن يذهب للعمرة فقط، أو يذهب ليعتمر ثم يتمتع بالعمرة إلى الحج، ويأتي بالحج بعد ذلك، فالذاهب إلى هناك الغالب أنه يبدأ بالعمرة، فقدمنا الكلام عن العمرة على الكلام عن الحج.
 طواف العمرة
وإذا دخل المسجد فلأنه ذهب ليعتمر فلن يصلي تحية المسجد، ولكن تحية البيت الطواف، وهذا الطواف للمعتمر -طواف العمرة- هو طواف الركن، فليس له طواف قدوم؛ لأن طواف القدوم سنة للذي يذهب إلى الحج، فإذا نوى الإفراد أو نوى القران بين الحج والعمرة فهذا له طواف قدوم، لكن الذاهب إلى العمرة ليس له طواف قدوم، وإنما عليه طواف الفريضة أو الركن، فيطوف بالبيت هذا الطواف.ففي حديث عائشة رضي الله عنها: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت)، فإذا دخل المعتمر المسجد الحرام قصد الحجر الأسود، وبدأ الطواف من عنده، فإذا لم يكن عند الركن الذي فيه الحجر الأسود فإنه يمشي حتى يصل إلى الحجر الأسود، ويقف هنالك ويبدأ الطواف من عند الحجر الأسود.والابتداء بالطواف مستحب لكل داخل، فكل إنسان يدخل إلى المسجد الحرام يستحب له أن يبدأ بالطواف، سواء كان محرماً، أو غير محرم، حتى لو أن إنساناً داخل للصلاة في وقت من الأوقات فإنه يستحب له أن يبدأ بالطواف بالبيت، وهذا بحسب ما يتيسر له، فلعله مع الزحام الشديد في مواسم العمرة والحج يكون صعباً أنه كلما يدخل المسجد يبدأ بالطواف، ولعله يتعذر عليه ذلك، فبحسب ما يتيسر له، إلا إذا خاف فوات صلاة مكتوبة، أو سنة راتبة، أو مؤكدة، أو فوات الجماعة المكتوبة، أو كان عليه فائتة مكتوبة؛ فإنه يقدم كل هذا على الطواف، ثم يطوف بالبيت، وهذا لغير المعتمر، أما المعتمر فأول شيء يبدأ به الطواف الذي هو طواف العمرة، إلا إذا كان المعتمر عليه صلاة ووقت الصلاة سيضيع، كما لو ذهب إلى هناك ودخل البيت قبل غروب الشمس ولم يكن قد صلى العصر، فهنا يبدأ بصلاة الفريضة، ثم يطوف بالبيت.والعمرة ليس لها طواف قدوم كما ذكرنا، وإنما فيها طواف واحد، وهو طواف الفرض، أو طواف الركن.والمحرم بالعمرة لا يتصور في حقه طواف القدوم؛ لأن أول طواف يفعله هو طواف الركن، وليس طواف القدوم، بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه طاف طوافاً للعمرة، وبعد ذلك طاف طوافاً آخر للقدوم، لم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم، ولكن أول شيء أتى به هو طواف العمرة. ولكن إذا طاف المعتمر بنية طواف القدوم وقع عن طواف العمرة؛ لأن هذا الطواف هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنه لو كان عليه حجة الإسلام فأحرم بحجة تطوع، فإنها تقع عن حجة الإسلام.إذاً: إذا خرج ونوى العمرة وشرع في الطواف فالمستحب في حقه أن ينوي أن هذا طواف العمرة، لكن إذا لم ينو ذلك، وطاف مع الناس كما يطوفون، فهذا يجزئ عن طواف العمرة؛ لأن نية العمرة تأتي على كل ما يفعله بعد ذلك، فإذا طاف فهذا طواف العمرة، فإذا سعى فهذا سعي العمرة، سواء نوى بداية الطواف أو اكتفى بالنية الأولى التي كان عليها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - ما جاء في صفة العمرة للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net