اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علامات الشقاء للشيخ : سعيد بن مسفر


علامات الشقاء - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن الشخص الذي يمنِّي نفسه بالأماني الكاذبة والباطلة، ولم يترجم تلك الأماني إلى عمل؛ ستنقلب كل أمانيه إلى شقاوة وتعاسة في الدنيا والآخرة، فشقاوة الدنيا تتمثل في الهموم والغموم وضيق الصدر، أما شقاوة الآخرة فيكفيه فيها أن يحرم رحمة الله عز وجل ويحجب عن النظر إلى وجهه تعالى، على ما ينتظره من العذاب والويل والنكال ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الهداية لا تنال بالأماني الكاذبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.وبعد:إذا أراد الله بعبده خيراً سدده ووفقه وهداه: وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:41].. وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [الأعراف:146].. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام:25].. وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً [الإسراء:60] الهداية والالتزام بالدين والانصياع لأمر الله والاستجابة لداعي الله خلق المؤمن: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64] ما أنزل الله الكتب، وما أرسل الرسل، وما أقام الحجج، وما بين البراهين إلا من أجل أن يستجيب الناس لداعيه، يقول الله عز وجل: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ [الشورى:47] ويقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].إن الحياة الحقيقية إنما تنبع من مقدار استجابتنا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وليس لنا خيار في أن نستجيب لأمر الله أو لا نستجيب، ولا نملك أن نتصرف وفق أهوائنا، بل لا بد من الاستجابة وإلا فالنار، يقول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] ولكن لا يريد أن يمشي على الاستقامة فقال: أريد أن ألف، فقال له الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:36] عرض نفسه للدمار، الدمار في هذه الدار، والدمار يوم يموت، والدمار يوم يقبر ويتحول القبر إلى حفرة من حفر النار، ويوم يبعث يقوم وقلبه يتقطع خوفاً وهلعاً من مصيره الأسود، وكذلك يوم يدخله الله النار ويقول: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107] يقول الله عز وجل: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا [هود:105-108] نسأل الله من فضله.ما أعظمها والله -يا أخي- أن تكون سعيداً في الدنيا وسعيداً في الآخرة: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] أي: عطاء غير ممنوع ولا منقوص، بل هو كامل عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ * فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ [هود:108-109] يعني: الكفار مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [هود:109] سوف يصليهم العذاب، ويتم عليهم التدمير، وسوف يتعرضون للدمار والنكال في الدنيا والآخرة، وسوف يجزيهم الله نصيباً وافياً غير منقوص.الهداية مطلب لكل من يريد أن يهتدي وأن يسعد ولكن:ما كل ما يتمنى المرء يدركه تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن كل واحد يريد العلياء، وكل يريد أن يعمل جيداً لكن لا تحصل هذه بالأماني، إن الأماني هي رءوس أموال المفاليس؛ المفلس الذي ليس معه شيء يعيش على الأمنيات، يقول: معي عمارات وطائرات، ومعي سيارات وعندي شركات، أمل! فقل له: أخرج شيكات .. سجلاً! نرى الرصيد ليس هناك شيء. فالمفلس في الدنيا رأس ماله الأماني، والمفلس في الآخرة رأس ماله الأماني، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن الكيس العاقل الفطن الحازم: (الكيس من دان نفسه) أدانها: استذلها وسيرها في الخط الصحيح رغماً عنها؛ لأن النفس أمارة بالسوء، النفس تكره القيود وتكره الالتزام، تحب التفلت، تحب الفضول، تحب الكسل، تحب البطالة، يقول الناظم:والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فاصرف هواها وحاذر أن توليه إن الهوى ما تولى يصمي أو يصم ويقول الله عز وجل في أهل الكتاب لما جلسوا في مجلس مع الصحابة قالوا: نحن أصحاب كتاب، ونحن أصحاب رسالة سابقة والجنة لنا، قال المسلمون: بل. الجنة لنا؛ نحن أصحاب كتاب، ورسولنا خاتم الرسل، وكتابنا خير الكتب والجنة لنا، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123] هذه ليست بالأمنيات: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء:123-124].وقالت اليهود: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى [البقرة:111] فقال الله تعالى: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ [البقرة:111] يعني: أماني الكذابين قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى [البقرة:111-112] هذه كلمة (بلى) للإضراب: أي: الانتقال عن الشيء إلى آخر ضده، بلى يعني: كلامكم هذا غير صحيح ولكن مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة:112] يعني: اتجه إلى الله -حول الموجة- إذ كان متجهاً إلى الشيطان، والهوى، والشهوات، واللعب، والزنا، والغناء، والنساء، والسمرات .. يعني: عبد هواه، لكن حول وجهته بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة:112] لأن بعض الناس الآن لا يسير إلى الله بل يتبع الشيطان وهو لا يعلم، وأحياناً يعطي لربه لفتة فقط، إذا أذن التفت لله قليلاً، لكن بعد الأذان يلتفت للشيطان ساعات طوال، يعني: هواه واتجاهه ووجهه وكيانه ليس إلى الله؛ فإن الله تعالى يقول: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ [البقرة:112] أي: من استسلم؛ وخضع وانقاد ووقف بين يدي الله وقال: رب. تبت إليك، أنت ربي وأنا عبدك، تبت إليك، وهأنذا بين يديك، أسير في طاعتك ولا أقع في معصيتك: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة:112] وماذا؟ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة:112] هذه هي الاستجابة الصحيحة، وأما الأماني فلا تنفع، فهل يمكن في الدنيا أن تحصل بالأماني على شيء؟ هل يمكن أن تأخذ شهادة الثانوية العامة بالأماني وأنت نائم في البيت؟ هل يمكن أن تأخذ شهادة الجامعة بالأماني؟تقول: يا رب. أتمنى أن تعطيني شهادة الجامعة وأنا جالس في سنوات الابتدائي، تقوم في الصباح كل يوم، وتذهب في البرد، وتجد ألم الضرب من الأستاذ، وتجد حمل الكتب والواجبات والحفظ والمذاكرة، وتتعب رأسك بهذه الدروس التي تجهد الرءوس، لكن تصبر حتى تأخذ الشهادة الابتدائية، ثم تدخل المتوسطة، ثم تدخل الثانوي، ثم تدخل الجامعة، عمر! ست سنوات ابتدائية، وأربع سنوات متوسطة، وأربع ثانوي، حتى تصير أربعة عشر عاماً تعليماً، وبعد ذلك يقولون: أنت جامعي، ابحث عن وظيفة تفضل! لكن لو أن شخصاً قال: هذه الدراسة دوختني، ما فائدتها؟ قال: أنا سوف أقعد في البيت. ماذا يفعل؟ هل هذا تأتي له وظيفة؟ لا يحصل على شيء، إذا توظف يكون فراشاً أو كاتباً، لا يجد وظيفة؛ لأنه ما صبر على ذل التعلم حتى ينال عزته؛ لأن كل شيء تنال به ذلاً تجني منه عزاً، ولكن إذا ما رضيت وتمردت وأردت أن يحصل لك مجد بالأماني فإنها لا تنفع، الأماني هي رءوس أموال المفاليس، والهداية والدين أمنية، كل واحد يريد أن يكون مهتدياً وبعضهم يقول: أريد أن أتدين .. أريد أن أهتدي، نقول له: إذا كنت تريد أن تهتدي فلا بد أن تسلك سبيل الهداية، يقول الشاعر:ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس السفينة لا تجري إلا في ماء، وأنت إذا أردت النجاة يجب أن تسلك طريقها وأن تسلك مسالكها. فمثلاً: إذا كان الشخص عنده زرع في هذه البلاد، وأراد أن يدخل السيل في زرعه فما الذي يلزمه؟ أن يعمل المجاري، ويتتبع رأس الشعب، وكلما رأى السيل جارياً أصلح طريقه، وجاء إلى عند الزرع وفتح المجرى، وبعد ذلك قام وقال: يا رب! ارزقنا. يا رب! أمطر علينا. يا رب! أنزل علينا السيل، فيأتي المطر فيدخل إلى الزرع، لكن ما رأيكم إذا وجد شخص أغلق على الزرع، وجاء على الشعب من أعلاه إلى أسفله يقطعه من هنا ومن هنا، وقال: يا رب! اسقني بالسيل، اسق زرعي. إذا نزل السيل لا يصل إلى الزرع منه قطرة؛ لأنك أنت الذي عملت بيدك، أنت حجبت السيل بيدك.
 

غيث السماء ورسالة الأرض
الهداية واردة، سيل السماء قد نزل علينا، هاهو كتاب الله بين أيدينا الآن، هو السيل العظيم، وهو الغيث الذي أغاث الله به القلوب، وأنار به العقول، وأحيا به الأمم، أنزل الله علينا نوراً مبيناً؛ يقول الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء:174] ويقول تبارك وتعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1] ويقول جل ذكره: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [المائدة:15-16] ويقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].أنزل الله الغيث من السماء، وبعد ذلك أرسل الله معه النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].. لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [الأحزاب:45-46]. فجاءت الرحمة المهداة من السماء وهي القرآن، وجاءت الرحمة المسداة من الرسول صلى الله عليه وسلم، القرآن يهدي إلى الله، والرسول يهدي إلى الله، واستجاب من استجاب، وأعرض من أعرض؛ من فتح قلبه للنور والهداية دخل في الإيمان، يقول الله تبارك وتعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله [الزمر:22]؛ ويل لهم ثم ويل لهم ما أصبرهم على النار! كيف يدمرون أنفسهم؟! كيف يحاربون ذواتهم؟! كيف يتعرضون لسخط مولاهم وما هم بصابرين على النار؟! من يتحمل -يا إخواني- جمرة واحدة إذا كانت الجمرة الواحدة من جمر جهنم أعظم من جبال الدنيا بأسرها؟ لما قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24] قال رجل: (يا رسول الله! أحجارة الدنيا مثل أحجار جهنم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا بأسرها) صخرة واحدة أعظم من جبال الدنيا بأسرها، فأين أنت -يا أخي- وكم نسبتك؟كم تتحمل من عذاب النار؟ لم تعاند الله؟ لم تحارب الله مولاك؟ لم تحاربه وهو قادر عليك؟ولهذا يقول الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:25-26] ليس هناك أحد أبداً يعذب مثل عذاب الله، وليس هناك أحد يمسك ويسجن ويقبض مثل سجن الله، كل سجن في الدنيا منها مخرج، آخر شيء أنك تموت ثم تقبر، لكن أين تموت، وأين تهرب من الله؟ يَقُولُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ [القيامة:10] أين المهرب؟يقول الله تعالى: كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:10-15].الهداية -يا إخواني- مطلب، ولكن من الناس من لا يستجيب لها ولا يريدها -يعرض عنها- وإذا وقعت في طريقه عقبة، أو وضع حاجزاً بينه وبين الهداية تركه الله؛ لأن الله ليس بحاجته، الله ليس بحاجة إلى عبادتنا، لم يخلقنا ربنا تبارك وتعالى ليتكثر بنا من قلة، ولا يتعزز بنا من ذلة، ولا لننفعه، ولا لندفع ضراً عنه تبارك وتعالى، بل هو الضار النافع، يقول في الحديث القدسي والحديث في سنن الترمذي وهو حديث صحيح: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ... -إلى أن قال- يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني) كم أنت -يا أخي- حتى تضر ربك؟ وكم نسبتك إذا عصيت الله؟ أتظن أنك بالمعصية تبلغ السماوات والأرض؟ المعصية ضدك فقط، والطاعة لك فقط، أما الله فلا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين، ثم أيظن العاصي أنه يبقى على هذا الوضع إذا دخل النار؟ لا. وألف لا؛ لأنه لا يتحملها، تأكله النار على مسافة أميال، فالله يضخم جسده ويزيد في طوله وعرضه حتى تجد النار ما تأكل.ولهذا ورد في الحديث: (إن ضرس الكافر مثل جبل أحد) من منكم ذهب المدينة ورأى جبل أحد؟ جبل كبير من أكبر الجبال في المدينة، الضرس للكافر الواحد مثل الجبل، فكيف الرأس؟ إذا كان الضرس مثل الجبل إذاً كيف الرأس وبقية الجسم؟ ورد في السنن حديث رواه الحاكم في صحيح الجامع قال: (مقعد الكافر في النار مثل ما بين مكة والمدينة) ما بين مكة والمدينة أربعمائة وعشرون كيلو متر! هذا الكرسي للكافر الواحد في النار، وورد أيضاً: أن للكافر سبعة جلود، ما بين كل جلد وجلد مسيرة ثلاثة أيام، وغلظ الجلد الواحد مسيرة ثلاثة أيام، وتبدل هذه الجلود من شدة الإحراق في كل يوم أربعمائة مرة، قال الله عز وجل: كُلَّمَا نَضِجَتْ جلودهم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا [النساء:56] لماذا؟ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56] لماذا أورط نفسي في هذه الورطة الكبيرة من أجل ماذا؟ من أجل المعاصي، ومن أجل الذنوب، من أجل قلة الدين.ثم هل ترى أن صاحب الجنة -جعلنا الله وإياكم من أهلها وزوارها وضيفانها- أنه يبقى هكذا حتى يدخل الجنة؟ لا. بل تتغير الأمور، مثلما يزاد في جسد صاحب النار لكي تأخذ النار وتبقي منه، أيضاً يضخم في جسد صاحب الجنة لكي يجد نعيماً.أولاً: السن ثلاث وثلاثون، والحُسن حسن يوسف، والطول طول آدم ستون ذراعاً، والذراع أظنه ثلاثة وثلاثين أو أربعة وثلاثين سنتيمتراً، يعني: أصل المتر ثلاثة أذرع، أي أن طولك عشرون متراً وأكثر، في سبعة أذرع.وبعد ذلك في الجنة يتنعمون نعيماً ليس بعده نعيم -نسأل الله من فضله- يعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل في القدرة على النكاح، ويزوجه الله باثنتين وسبعين حورية؛ اثنتين من نساء الدنيا وسبعين ممن أنشأهن الله إنشاء، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً [الواقعة:35-37] يعني: متحببات أَتْرَاباً [الواقعة:37] يعني: سواء لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:38]. وبعد ذلك نعيم ليس مثله نعيم، يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] هذه لأهل الجنة.ولا ينامون، فلا يوجد نوم؛ لأن النوم محرم على أهل النار حتى لا يستريحون من العذاب، وكذلك محرم على أهل الجنة حتى لا يفوتهم شيء من النعيم، فهذا لا ينام فيستريح، وهذا لا ينام فيفوته شيء، كيف ينام؟ ولذلك ورد في الحديث: (إن المؤمن يمكث في الجنة عند زوجته نصف نهار) ونصف النهار من أيامنا يعادل خمسمائة سنة؛ لأن الله تعالى يقول: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] اليوم من أيام الآخرة كألف سنة، فيجلس عند الزوجة الواحدة خمسمائة سنة وهو عندها في نعيم، ثم يشرق في الجنة مثل البرق فيقولون: ما هذا؟ فيقال: حورية تبسمت في وجه زوجها، فيرفع رأسه فتقول له الحورية: يا عبد الله! يا ولي الله! أما لنا فيك نصيب؟ تقول: أطلت عند هذه، أما جاء الدور عندنا؟ فينتقل من هذه إلى هذه، وهكذا يدور على زوجاته في الجنة! نعيم في نعيم في نعيم، نسأل الله لنا ولكم من فضله.يضيع الإنسان هذا النعيم من أجل ماذا؟ من أجل أن يزني بامرأة زانية دانية خبيثة فاجرة؛ فيورط نفسه في ورطة ما بعدها ورطة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) هذا الذي في القبر فقط، إنما هذا فطور مقدم، هذه الوجبة السريعة الخفيفة: (كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة).وورد في الحديث قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن فروج الزناة لتشتعل ناراً يوم القيامة) تتحول إلى لهب ونار، كيف والله تعالى يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] وقال تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3] الزنا جريمة تعافها العقول، ولكن قليل الدين؛ الذي ما عنده خوف من الله يمارسها، ويظن أنه مبسوط ولم يعلم أنه مدمر، والله ليس فيه خير؛ لأنه لو كان به خير لاستحى من الذي يراه.وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني هل يستطيع الزاني أن يزني وهو يعلم أن طفلاً عمره ثلاث سنوات يراه؟ لو انفرد إنسان بامرأة في غرفة وبعد ذلك نظر يميناً وشمالاً فما وجد أحداً، وبعد ذلك في نفس اللحظة ينظر وإذا في الشباك طفل صغير يشاهده، فهل يجرؤ على أن يزني والطفل يراه؟ كلا سيقوم خائفاً، ويستحي، وينكشف أمره.حسناً! أفتستحي من طفل ولا تستحي من الله الذي يراك؟! مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [المجادلة:7] أين أنت من الله؟ رجل دخل على امرأة في بيتها، وكلما دخل من عند باب أغلقه، حتى دخل عليها في غرفتها ومضجعها قالت: مالك؟ قال: أريدك.قالت: أغلق الأبواب كلها؛ حتى لا يأتينا أحد.قال: غلقتها كلها.قالت: بقي باب لم تغلقه.قال: أين هو؟قالت: الباب الذي بينك وبين الله.أغلقت الأبواب التي بينك وبين الناس لكن من يغلق الباب الذي بينك وبين ربي؟! فقام الرجل وارتعد وتركها وتاب إلى الله عز وجل.
 

أسباب الهداية
الهداية -يا إخوتي- في الله مطلب لكل كائن، ولكن لها أسباب:
 التحلي بالصبر بجميع أنواعه
خامساً: الهداية تحتاج منك إلى الصبر، الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة. ويوم أن تتحقق لك هذه الأشياء، وتحصل لك الهداية، ويقذف الله في قلبك النور انتهى الأمر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الحديد:28] رتب الله تبارك وتعالى الإيمان والتقوى فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [الحديد:28] ماذا يحصل؟ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي: نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد:28] نصيب في الدنيا ونصيب في الآخرة: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد:28] ما معنى (نُوراً تَمْشُونَ بِهِ )؟ إيماناً تمشون به.الآن إذا خرج شخص من هذا المسجد في الظلام في هذه الشعاب ومعه ضوء، وشخص ليس معه ضوء، الذي معه الضوء كلما مر على حفرة يجتنبها، وكلما مر على شوكة تجنبها، وكلما مر على حجر حاد عنه؛ لأن عنده نوراً، لكن الشخص الذي ليس معه ضوء فينزل من الشعب ماذا يحصل له؟ لا يصل حتى تكسره حجر .. تدقه شوكة .. تضربه زجاجة .. يضربه مسمار .. لماذا؟ لأنه يمشي بدون ضوء، وكثير من الناس الآن يسيرون في الحياة بدون نور الإيمان فتضربه حجر الزنا؛ يقع في طريقه في الزنا، ويسقط في حفرة الربا، ويسقط في حفرة العقوق، ويسقط في حفرة الغناء، وبعد ذلك لا يعلم: زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر:8].. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة:18].. أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:59] هذا لا يصل إلى الآخرة؛ لأنه معطل في هذه الحفر، أما المؤمن فإن معه نور، إذا رأى حراماً تجنبه، وإذا رأى امرأة أمامه لا يستطيع أن ينظر إليها، لماذا لا ينظر؟ لأنه يعلم أن من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم، ويعلم أن الله قد أمره في القرآن وقال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] ويعلم أن من غض بصره احتساباً لوجه الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته إلى يوم يلقاه.التقيت بشاب وجدته في المسجد قبل صلاة المغرب يبكي -جالس في الروضة يبكي- فقلت: السلام عليكم، وإذا بالدمع ينهمر من عينيه وله أزيز، فسلمت عليه، ماذا فيك يا أخي؟ خيراً، قال: اتركني يا شيخ! قلت له: كلمني، أنا أظن أنها مشكلة مادية، أو أن أهله خاصموه، الرجل في وادٍ وأنا في وادٍ آخر، قال: دعني يا شيخ! تركته، وبعد ما سلمنا وصلينا وانتهى من البكاء، قلت: أرجوك أن تخبرني، أنا لابد أن أشاركك في مصيبتك، وسأحاول أن أنفعك -يا أخي- ما هي المأساة التي عندك؟ قال: أكلمك خارج المسجد. ولما خرجنا من المسجد أمسكني وقال: أنا يا شيخ من عادتي باستمرار بعد العصر أنني في البيت ما أخرج إلى أن تأتي الصلاة وأخرج أصلي، لكن أهلي اليوم طلبوا مني أن أذهب إلى السوق يقول: فذهبت إلى السوق ودخلت في مكان أشتري قطعة قماش يقول: ولما دخلت وجدت نساء كن يشترين أقمشة في نفس الدكان، فقلت لصاحب الدكان: هل هذا القماش عندك؟ قال: نعم. يقول: فأخذ مني النوعية وذهب يبحث عنها ويقول: وبينما أنا واقف ووالله ما نظرت إلى النساء، وهن موجودات، يقول: خائف من الله ما حاولت أن أنظر -لكن واحدة منهن تحرشت بالولد، الولد شاب وسيم لكنه يخاف الله- يقول: وجاءت من ورائي إلى أن قابلتني وجلست تتلفت فيِّ، يقول: لما تلفتت فيَّ أغراني الشيطان في تلك اللحظات، يقول: فجلست أتلفت فيها، يقول: ثم تذكرت خوف الله فغضيت بصري، وأخذت القماش وخرجت، وعندما جئت إلى المسجد قعدت أحاسب نفسي لماذا تلفت فيها؟! أين أنا من الله؟! أما أعلم أن الله يراني في تلك اللحظات؟! يقول: فتضاءلت نفسي أمامي، فشعرت أن الله قد أوجب علي عذابه وسخطه ووباله فأنا الآن في مصيبة لا يعلمها إلا الله، ووالله إني أبكي من الساعة الخامسة قبل الأذان!لا إله إلا الله!! ما الذي جعله يعمل هكذا؟ الخوف من الله، وهو شاب مثل أي شاب عنده من نوازع الشر وعوامل الجنس والرغبة في النساء مثل أي إنسان، ليس ملكاً من الملائكة، لكن الإيمان يحجز، الإيمان يحول بين العبد وبين المعاصي والذنوب، فلا بد -يا أخي المسلم- من الصبر على طاعة الله في ممارستها باستمرار، والصبر عن معصية الله في البعد عنها باستمرار.نسأل الله أن يثبتنا وإياه على الإيمان، وعندما عرض الكلام لي خنقته العبرة وازداد عليه البكاء؛ لأننا صلينا، لكن لما أعادها تذكر عظمتها، وأنه أخطأ في جنب الله فزاد البكاء، فقلت له: هون على نفسك -يا أخي- واستغفر الله، ودخلنا المسجد وتناولت المصحف، وفتحت له على سورة آل عمران في قول الله عز وجل: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] ما هي صفاتهم؟ قال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [آل عمران:134-135] يعني: مثل هذه أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] يعني: مثل حالة الولد هذا، صحيح أنه لما متع نظره ارتكب جريمة، لكنه لما ذكر الله واستغفر وتاب وندم ولم يصر على ما فعل قال الله عز وجل: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136].والله -يا إخواني- لما قرأت عليه الآية، وصلنا إلى الآية: جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ [آل عمران:136] وإذا به يضحك، تبدل بكاؤه إلى ضحك واستبشار، وقلت: ما بك؟ قال: الحمد لله، ربي يعطيني جنة، أعصيه ولكني أستغفر وأتوب فيرزقني بالجنة، قلت: خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136] هذا رب كريم ورب عظيم جليل، يثيب على الحسنة بعشر أمثالها، فأنت لما تبت بدل الله سيئاتك حسنات وقبلك تبارك وتعالى.
علامات الشقاء الدنيوية والأخروية
الطريق إلى الله واضح، والهداية مطلوبة من كل مسلم، وثمرتها السعادة في الدنيا والآخرة، ولقد علق الله على الهداية كل خير وصلاح، وكل فوز وفلاح، وكل سعادة في الدنيا والآخرة، ولكن الذي يرفض طريق الله عز وجل، ولا يريد هداية الله، أبى إلا أن يسير في الذنوب، وأبى إلا أن يرتكب المعاصي، وأن يهجر المساجد والقرآن، وأن يهجر الدين، وأن يكون عبداً للشيطان ولياً للعصاة مجرماً هارباً فاراً من الله تعالى، هذا يعرض نفسه للدمار في الدنيا قبل الآخرة، أما في الدنيا فقد ذكر ابن القيم رحمه الله بعض علامات الشقاء التي تحصل للإنسان إذا حصل منه الانحراف، فذكر أن من علاماتها:
 منع إجابة الدعوة
حادي عشر: منع إجابة الدعوة. وذلك لأن الاتصال بينه وبين الله مقطوع، والدعاء معراج تعرج عليه الحاجات من العباد إلى الله عز وجل، وأنت ليس معك إلا مولاك وخالقك؛ لأنك تعبده وتلجأ إليه، يقول الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186] أي: أول شيء قبل أن أستجيب لهم يجب أن يستجيبوا لي في ديني، يستجيبوا لي في أمري، يستجيبوا لي في نهيي، يستجيبوا لي في طاعتي، يستجيبوا لي بترك معصيتي: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] فإذا حصل لهم الرشاد فإني قريب.تذكر كتب العلم قصة لصحابي جليل هاجر من مكة إلى المدينة ، وفي الطريق اعترضه قاطع طريق. وقال له: إلى أين؟قال: إلى المدينة . قال: الطريق هذه التي أنت فيها لا توصلك، وهناك طريق مختصرة أقرب.قال: نعم. مسكين هذا! قال: تعال من هنا، يريد أن يأخذه إلى بعض الطريق لكي يقتله، فأخذه حتى أتى به إلى ذلك الوادي؛ وإذا فيه آثار عظام الناس الذين قد ذبحهم هذا الخبيث.فقال له: ترى العظام هذه. قال: نعم. قال: والله هذه عظام الذين قد فتكت بهم، فالآن إني عازم على قتلك. قال: ولم؟ خذ ما معي وخذ حماري ومتاعي وأعتقني لوجه الله. قال: أريد روحك، وأما متاعك وحمارك فأمر ليس فيه نقاش؛ لكن نريد قتلك.قال: عازم لا محالة؟ قال: عازم لا محالة!قال: أجل، فإني أسألك وأطلب أن تأذن لي بأن أصلي ركعتين. قال: صلِّ ما بدا لك. فقام وتوجه إلى القبلة وصلى ركعتين، وذاك واقف والسيف في يده ينتظره حتى ينتهي من الصلاة ويصلب رأسه ويقتله، ثم رفع يديه إلى السماء وقال هذا الدعاء -ذكره صاحب كتاب: حياة الصحابة - والقصة صحيحة في السنن قال: يا رحيم يا ودود! يا غفور يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما تريد! أغثني! أغثني! أغثني! هذه القصة ذكرها المفسرون عند قول الله عز وجل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] قال: يا رحيم يا ودود! يا غفور يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما تريد! أغثني! أغثني! أغثني!قال: وإذا بذلك الفارس الذي ينشق عنه الغبار على حصانه، وفي يده رمح، حتى جاء إلى ذلك الرجل الواقف فضربه بالرمح في صدره فخرج يلمع من ظهره؛ فخر على الأرض صريعاً، وهو ما زال يدعو الله، فقام الرجل إلى الفارس هذا وقال: من أنت فقد أغاثني الله بك، أمن الإنس أم من الجن؟ من أين جئت؟ لا أحد في الصحراء، فقد أغاثني الله بك!قال: أنا من سكان السماء الرابعة، يقول: دعوت دعوتك الأولى فاضطربت السماوات، ثم دعوت الدعوة الثانية فسمع لأبواب السماء قعقعة -تفتحت كل أبواب السماء، دعوة من مخلص مضطر- ودعوت دعوتك الثالثة فسألت الله أن يجعل شرف نجدتك على يدي، فأذن لي في ذلك فقتلته. يقول: ثم اختفى، فخر هذا ساجداً لله عز وجل، وقام فركب حماره ورجع على أثره فذهب إلى المدينة.فإجابة الدعوة هذه كرامة من الله للمؤمن، لكن الشقي الفاجر لا يقبل الله دعوته، يعيش معزولاً عن الله، تصوروا إنساناً يعيش في الدنيا وهو مقطوع الصلة بالله، مبتوت عن السماء، كيف يعيش هذا؟إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن تكلني إلى نفسي طرفة عين) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ أن يكله الله إلى نفسه طرفة عين، فكيف بمن يكله الله إلى نفسه طول حياته؟ لا إله إلا الله! فهذه علامات الشقاء تحل بالعدو لله العاصي؛ القليل الدين؛ البعيد من الله، تحل به في الدنيا.وأما الباقي فهو ما ينتظره من عذاب الله يوم يموت، وما ينتظره من عذاب الله في القبر، وما ينتظره من عذاب الله يوم الحشر، وما ينتظره من عذاب الله في النار أعاذنا الله وإياكم من النار ومن أهلها!أسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا وإياكم سواء السبيل، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم استعملنا فيما يرضيك، اللهم استعمل جوارحنا في مرضاتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا بعين رعايتك، اللهم من أراد هذه الديار وغيرها من ديار المسلمين بسوء أو شر أو كيد فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره، اللهم أنزل عليه بأسك الشديد، وعذابك الأكيد، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم فإنهم لا يعجزونك. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 حكم الذهاب إلى المستشفى والتحدث مع الممرضات
السؤال: ما رأيكم فيمن يذهب إلى المستشفى، وكثير من الممرضات فلبينيات، وقد يتكلم مع الممرضة أو ينظر إليها؟الجواب: لا يبرز دور المسلم ويعرف مدى خوفه من الله، وهل هو مراقب لله يغض بصره عن محارم الله إلا في مثل هذه الأماكن، فعندما تذهب إلى المستشفى وترى الفلبينيات جالسات هنا يبرز دورك، هنا تعرف إيمانك، فإما أن تغض بصرك أو تفتح عينيك، مثل الساعات، إن كنت غضضت بصرك فأنت مؤمن؛ هل هناك من أحد يستطيع أن يفتح عينك من أجل أن تتلفت؟ لا، عينك في رأسك ووفق إرادتك. تخاف من الله غض بصرك، ولا تحمل الناس مسئولية عينك، تقول: إذا رأيت النساء كاشفات فأنا سوف أتلفت، لا. ما أمرك الله أصلاً بغض البصر إلا لأنه يعلم أن أناساً يتكشفون، ولو أن كل الناس يتغطون ما جاء أمر بغض البصر، ولكن غض البصر دليل على أنه سيكون أناس يعرضون فتنهم، ويبيعون أعراضهم، وأنت مأمور بأن تغض بصرك، قال الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]. فإذا ذهبت إلى المستشفى أو إلى السوق أو إلى أي مكان فيه تجمع للنساء ورأيت النساء فغض بصرك، واعلم بأن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى المنظور إليه، تصور في تلك اللحظات التي تتلفت أن الله يراك، وأن هذه من محارم الله، وأن الله حرم عليك أن تنظر إلى محارمه تبارك وتعالى، يقول الشاعر:عِفُّوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دين فإن أقرضته كان القضا من أهل بيتك فاعلم من يزن بامرأة بألفي درهم في بيته يزنى بربع الدرهم والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علامات الشقاء للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net