اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - متى فرض الصيام وفضل صوم رمضان للشيخ : أحمد حطيبة


شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - متى فرض الصيام وفضل صوم رمضان - (للشيخ : أحمد حطيبة)
دين الإسلام دين يسر وسهولة، ليس فيه حرج، وقد فرض الإسلام الصيام خلال مراحل حسب ما تقتضيه قدرة الإنسان وطاقته، تخفيفاً وتيسيراً منه سبحانه وتعالى.ووعد الله على الصيام بالأجر الكثير، وجعل فيه فضائل كثيرة في الدنيا والآخرة، وجعل صوم رمضان من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه.
تعريف الصيام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.تكلمنا في الحديث السابق عن الصيام، وأنه ركن من أركان الإسلام، وأن الصيام لغة: بمعنى الإمساك. وشرعاً: بمعنى الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله، من مسلم مميز أو بالغ مكلف، أو من مسلمة مميزة أو بالغة مكلفة طاهرة من الحيض والنفاس.
 

عدم وجوب صوم غير رمضان إلا ما كان بنذر أو كفارة أو غيره
صوم رمضان هو الفريضة التي فرضها الله عز وجل، ولا يجب صوم غير رمضان بأصل الشرع بإجماع أهل العلم، ولكن قد يجب صوم غير رمضان بنذر أو بكفارة أو بجزاء صيد، وهنا وجوبه لسبب من الأسباب التي يتسبب فيها صاحبها، أما بأصل الشرع فلا يجب صوم غير صوم رمضان.دليل الإجماع على أنه لا يجب صيام إلا صيام رمضان الحديث الذي في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه (لما سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام الذي هو فرض عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تتطوع).فصوم رمضان هو الصوم الوحيد الذي أوجبه الله عز وجل، قال لنا ربنا سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، وقال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، وقال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].حديث النبي صلى الله عليه وسلم بين أن غير رمضان يكون تطوعاً، إلا لسبب من الأسباب كما قدمنا.
 

مراحل وأحوال تشريع الصيام
الصيام أول ما فرض على النبي صلى الله عليه وسلم كان على هيئة معينة، ولذلك نقول: إن للصيام أحوالاً ومراحل تم فيها تشريع الصيام، فقد كان الإسلام يحرم على الصائم الطعام والشراب والجماع منذ أن ينام أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولاً حصل به التحريم، فلو أن شخصاً نام في وقت غروب الشمس، فلم يجز له أن يأكل، أو أنه كان مستيقظاً فأكل إلى أن أذن العشاء فلا يجوز له أن يأكل إلى فجر اليوم الثاني، وكان وقت الطعام والشراب والجماع ما بين المغرب والعشاء، بقيد آخر وهو ألا يكون نائماً في هذا الوقت.فنسخ هذا الحكم الصعب بحكم آخر أسهل منه وهو الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كما سبق في التعريف، وهذه أحوال الصيام.وجاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح البخاري قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل منهم صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وهذا الأمر فيه صعوبة شديدة، والله سبحانه وتعالى يقول لنا: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة:220]، لشدد عليكم، ولألزمكم العنت والمشقة بالتكاليف الشرعية، ولكن رحمة الله عز وجل خففت على المؤمن من فضل الله سبحانه وتعالى، والحكمة من كونه يشرع لنا حكماً ثم ينسخه؛ حتى نذوق صعوبة هذا الشيء الذي لو شاء الله لأدامه، فلما فرضه فترة ثم رفعه يعرف المسلم مدى رحمة الله عز وجل وسعة فضله وبيان رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى.ولذلك ربنا سبحانه وتعالى في البداية أمرهم بصوم طويل صعب ثم خفف بعد ذلك رحمة بعباده. يقول البراء : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل منهم صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى إلى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك.جاء وقت غروب الشمس يسأل عن طعام في البيت فلم يجد، فذهبت المرأة تحضر له طعام وكأن الطعام الموجود في البيت هو التمر، ولذلك في بعض الروايات أنه قال: لقد أحرق التمر بطني، أي: من كثر أكل التمر لقد احترقت بطني، فكأنه يسأل عن طعام غير التمر، فذهبت تبحث عن طحين لكي تعجن له شيئاً يأكله، ثم رجعت فوجدته نائماً رضي الله عنه، فقالت: خيبة لك! فنام ولم يأكل شيئاً حتى اليوم الثاني وهذا صيام طويل، قال: (فأصبح صائماً، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهداً شديداً، قال: ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال: يا رسول الله! إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت وأصبح حين أصبحت صائماً)، فكأن الرجل عند غروب الشمس صلى ثم نام، واستيقظ عند العشاء، وليس له أن يطعم، فصلى العشاء ونام وأصبح على هذه الحال.وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية له أو من حرة بعد أن نام وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وهذه من الأسباب التي نسخت الحكم فذكر الله عز وجل: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ [البقرة:187]، وتختانون من الخيانة، وما قال: تخونون، والفرق بينهما أن الإنسان الذي يخون يخون وهو يعلم أنه خائن، أما الذي يختان فيقع في الخيانة ولكن مع الشك هل الأمر الذي يعمله خطأ أم لا.فـعمر رضي الله عنه ذهب إلى البيت عند غروب الشمس فاستلقى، والجارية أو المرأة رأته نائماً، وهو كان يظن أنه ليس بنائم، فقد كانت الجارية تقول له: أنت نمت، وهو يقول: لم أنم، فأتى هذه الجارية ثم ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وحكى له هذا الأمر، فأنزل الله عز وجل رحمة بعبادة قوله سبحانه وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، هذه من رحمة رب العالمين سبحانه.فمعنى أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187] أي: أنكم تقعون في الخطأ ثم تتأولون لأنفسكم، قال تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، فما أعظم رحمة الله سبحانه وتعالى!وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187]، وما قال: حتى يطلع الفجر رحمة منه.فنزلت هذه الآية الكريمة: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، ففرحوا بها فرحاً شديداً، فهم نفذوا ما أمر الله عز وجل به، فلما نزل التخفيف من الله سبحانه فرحوا.ونزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، ولكن رحمة الله سبحانه واضحة أنه لما فرض هذا الصوم الشاق جعله على التخيير، إما أن تصوم بهذه الصورة من العشاء إلى مغرب ثاني يوم، أو أن تطعم مكان كل يوم مسكيناً، فجعله مخيراً رحمة الله عز وجل في كل شيء حتى في الحكم الصعب يجعل له تيسيراً آخر.فقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، منسوخ بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:183-184]، ومعنى يطيقونه أي: يستطيع أن يصوم ولكنه يشعر بالمشقة في ذلك، فكانت رخصة للجميع، فكان الذي يشق عليه يطعم بكل يوم مسكيناً، وبعد أن نسخت هذه الآية بقيت الرخصة على الذين لا يستطيع الصوم، فبقيت للمرأة الحامل، وللمرأة المرضع، وللمرأة العجوز، وللشيخ الكبير الضعيف، فهؤلاء إذا صاموا ستكون عليهم مشقة شديدة جداً وقد لا يطيقون ذلك، فجعل الرخصة لهؤلاء فقط، أما باقي الناس الذين يطيقون الصوم يلزمه الصيام لقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فصار الجميع يلزمهم الصوم، واستثنى المرضع والحامل والعجوز والشيخ.
 شرح حديث سلمة بن الأكوع في أحوال تشريع الصيام
في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال رضي الله عنه: (لما نزلت: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها).فيبين إن الآية الثانية نسخت الآية الأولى، والآية الثانية هي: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].وفي لفظ لـمسلم : (كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]).
فضل الصيام
كلنا يعرف فضل الصيام وفضل صيام رمضان، ولكن نذكره للتذكرة، فكلما تذكرت فضيلة شيء فعلته، فيتشجع الإنسان على العمل ويتذكر الثواب المترتب على فعله، فإن كل مؤمن يحب أن يصوم ولكن عندما يتذكر فضل الصيام ومقدار الثواب عند الله عز وجل عليه، يحثه هذا الأمر على أن يصوم ويجتهد في ذلك.
 فضل صيام رمضان
هذا كان في فضل الصوم، أما صوم رمضان فهو أعظم، فهو فرض فرضه الله، وجعله ركناً من أركان الإسلام الخمسة، وفيه ثواب عظيم عند الله سبحانه. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فصيام رمضان إيماناً واحتساباً يغفر لك ما تقدم من ذنبك، وإذا قمت ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر لك ما تقدم من ذنبك.وروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً).فعندما تصوم وتقوم رمضان إيماناً واحتساباً، وتقوم ليلة القدر إيماناً واحتساباً ففضل الله عظيم، فقد جعل للعبد ما يكفر الله عز وجل به عن ذنوبه وسيئاته ومنها رمضان، والعمرة إلى العمرة، ومنها الحج، ومنها الصلاة إلى الصلاة، ومنها الجمعة إلى الجمعة، ففضل الله على عباده عظيم، فقد جعل للعبد مكفرات عظيمة تكفر عنه بها من سيئاته.في هذا الحديث العظيم الجليل ذكر لنا الإيمان والاحتساب، فالإيمان أن تؤمن بفرضية صيام رمضان، وأن الله فرض صيام رمضان إيماناً، وأن تؤمن أي: أن تصدق وأن تستيقن بذلك، وأنه جعل ذلك نافلة، وأن تؤمن بأن ليلة القدر ليلة عظيمة، يقول الله عز وجل فيها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وصدقت بما قاله الله سبحانه وتعالى.والاحتساب: أن تفعل ذلك طالباً الأجر من الله وحده، فلا تصوم وتنتظر ثناء الناس ومديحهم، ولا تنتظر الأجر من الناس، أو الأجرين من الله ومن الناس، لكن ترجو الأجر من الله سبحانه وحده.لذلك يقول الحافظ ابن حجر : المراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فرضية صومه، والمراد بالاحتساب: طلب الثواب من الله تبارك وتعالى.وقال الخطابي : احتساباً أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك غير مستثقلاً لصيامه ولا مستطيلاً لأيامه. فالإنسان الذي يصوم ولا يستثقل الصيام، ويستشعر رحمة الله عز وجل في هذا الشهر العظيم، فيتمنى المؤمن لو أن عامه كله كان رمضان حينها يكون محتسباً.يقول الإمام النووي: معنى إيماناً: أي تصديقاً بأنه حق، مصدقاً بفضيلته، ومعنى الاحتساب: أن يريد الله تعالى وحده، ولا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.فيقوم رمضان إيماناً واحتساباً مصدقاً بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن له في ذلك الأجر، والقيام المقصود هو أن يصلي صلاة التراويح.روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وهذا قيد، فالذي يكفر عنه سيئاته اجتنابه للكبائر، فيبتعد عما يغضب الله سبحانه وتعالى من الكبائر، فيكفر الله عز وجل بذلك عنه سيئاته.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - متى فرض الصيام وفضل صوم رمضان للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net