اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - إكرام الضيف واستحباب التبشير والتهنئة بالخير للشيخ : أحمد حطيبة


شرح رياض الصالحين - إكرام الضيف واستحباب التبشير والتهنئة بالخير - (للشيخ : أحمد حطيبة)
إن الإنسان بطبعه ميال إلى من يدخل الأنس والسرور إلى قلبه، ويتجه بالمحبة إلى من يصنع معه ذلك، ولذا راعى الإسلام في تشريعه هذا الجانب النفسي في الآدميين فشرع لأتباعه فعل ما يحببهم إلى الآخرين وما يدخلون به البهجة والسرور إلى قلوب الناس، ومن ذلك تشريعه إكرام الضيف عند نزوله على إخوانه، واستحبابه البشارة بالخير في أمور الدنيا والآخرة.
إكرام الضيف

 بيان جائزة الضيف ومدة إكرامه
من الأحاديث حديث لـخويلد بن عمرو الخزاعي وكنيته أبو شريح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) وكأن كلمة: (فليكرم) هنا ضمنت معنى: (يعطي) ولذلك نصبت مفعولين، فكأن الأصل: فليعط ضيفه جائزته، والأصل أن (يكرم) تنصب مفعولاً، فلما ضمنها هذا المعنى نصبت مفعولاً آخر، كأنه يقول لك: أعط الضيف على وجه الإكرام جائزته، وكأن كلمة (الجائزة) معناها ما يجازى به الإنسان.قال: (قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام)، فكأن الجائزة للضيف أن تتكلف له يوماً واحداً وليلة، خاصة إذا كان غريباً آتياً من مكان بعيد ونزل عندك ضيفاً، وإذا كان في مكان ليس فيه فنادق، وليس فيه محلات للأطعمة، فإما أن تطعمه وإما أن يبيت في الشارع، فدليل إيمانك بالله واليوم الآخر أن تكرم هذا الضيف الذي نزل بك.والواجب الذي عليك في هذه الحالة هو إكرامه يوماً وليلة، والمستحب ثلاثة أيام ولياليهن، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، وكأن ذلك إشارة للضيف ألا تثقل، فهل تريد أن تكون مثل السائل الذي يسأل فيُتصدق عليك في هذه الأيام؟ فإذا نزلت على إنسان فإنه يكفيك يوم وليلة، وإذا زاد ذلك فثلاثة أيام ولياليهن، وما زاد على ذلك فمعناه أنك تستجدي منه، فتطلب منه أن يعطيك صدقة فوق الثلاثة الأيام، فلا تحرج الذي نزلت عنده.وجاء في رواية في صحيح مسلم : (لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه) ، فهذا مسلم أتى إليه ضيف، فأطعمه وسقاه، وأحضر له الأشياء الغالية، فأعجبه ذلك فمكث في البيت، وفي اليوم الثاني لم يرحل، وفي الثالث لم يرحل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لك أن تؤثمه. قيل: وكيف يؤثمه؟ قال: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به)، إذاً: فهو ينزل على إنسان ضيفاً، ويعلم أنه مسكين وذو عيال، وقد يكون طعامه على مقدار عياله، ثم يظل عنده قاعداً لا يرحل، فيحرج أهل البيت ولا شيء عندهم يقدمونه لهذا الضيف.وقد ذكر لنا بعض إخواننا أنه نزل عليه أناس من أقاربه قادمون من الصعيد، ولم يكن لديه شيء، وكان يقدم لهم العدس الذي يملكه ولا يعجبهم، فقالوا: كل يوم تقدمون لنا عدساً، قدموا لنا شيئاً آخر!فهؤلاء ضيوف لئام؛ إذ من لؤم الطبع أن ينزل إنسان ضيفاً ويعترض على صاحب البيت في نحو ذلك.فالإنسان يجود بالشيء الموجود عنده ولا يتكلف، وقد يتكلف في اليوم الأول، وهذا يمدح عليه، أما أكثر من ذلك فلا، وعلى الضيف أن يأكل من طعام البيت، ولا يحل للضيف أن يثوي عند إنسان حتى يؤثمه.وقد ينزل ضيف على شخص وهو يعرف أن بيته مكون من غرفتين، أو من ثلاث غرف تسعه وأولاده، فأين سيذهب بأولاده، وأين سيذهب بزوجته إذا كنت ستنزل عنده؟وإذا كان المرء في مدينة وفيها فنادق، والضيف غني له مال، فإنه لا يجب عليك مع هذا الحال أن تضيفه، فلا يلزمك أن تقول له: تعال فبت عندي وبيتك على قدرك، وطعامك وشرابك قليل. بل أطعم الضيف بما جاد الله عز وجل عليك به، ولينصرف هو فليبت في أي مكان، أما الوجوب - كما قال كثير من الفقهاء - فإنه يكون فيما إذا نزل الضيف على أهل قرية ليس فيها فنادق، وليس فيها طعام يباع، وهو فقير ليس له شيء، وإذا كان هذا حاله فإنه سيقضي الليل في الشارع فهذا الإنسان يلزمك أن تضيفه، وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على ذلك، حيث لا فنادق، ولا مطاعم ونحوها، فالذي ينزل على الناس إما أن يضيف، وإما أنه لا يجد مكاناً ينزل فيه، والذين كانوا ينزلون على النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزلهم في المسجد، وأما بيته صلى الله عليه وسلم فهو غرفة لكل امرأة من نسائه عليه الصلاة والسلام، فكان ينزل أضيافه في المسجد، أو ينظر في مَن يضيف النازلين به من أصحابه، ويعده بالأجر عند الله، فيضيفه من يشاء الله عز وجل من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.فالغرض أن الإنسان إذا نزل ضيفاً على إنسان فلينظر في حاله، فلا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثم صاحب المكان، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم سبب التأثيم بقوله: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) والقرى هو طعام الضيف.
البشارة بالخير والتهنئة
أورد الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير، واستحباب التبشير يعني: أن يحب المسلم لأخيه الخير، فإذا وجد شيئاً يسر به أخوه المسلم يسبق إليه ويقول له: حصل كذا. فلو أن شخصاً دخل الامتحان وظهرت النتائج وعرفنا أنه نجح فإنه يستحب للواحد منا أن يسبق إليه قائلاً: أبشرك بأنك نجحت اليوم. فإنه بذلك يفرح ويستبشر بوجودك وبكلامك. فالمراد هنا البشارة بالخير، والإنسان يفرح عندما يقول له شخص: جزاك الله خيراً؛ حيث فعلت الشيء الفلاني. أو: أهنئك بكذا. فإذا جاء العيد فهنأته به، أو جاءته مناسبة من المناسبات السعيدة - كأن ولد له مولود - فإنه يفرح عندما يحس أن الناس بجواره يهنئونه على ذلك، فالدين جاء ليحثنا على ذلك، فهنئ أخاك إذا حصل له ما يسره.
 استحباب تبشير المحتضر برحمة الله تعالى وتذكيره بصالح عمله
ومن الأحاديث في البشارة ما ذكره ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو في سياقة الموت، وعمرو بن العاص رضي الله تبارك وتعالى عنه كان من الأذكياء ومن الفطناء في الجاهلية وفي الإسلام.ولولا ذكاؤه ما أرسله الكفار إلى النجاشي ليأتي بالمسلمين المهاجرين هنالك، وقد كاد للمسلمين كيداً حتى إن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة الذي كان معه خشي عليهم، وقال: إن بيننا وبينهم أرحاماً، فالشر الذي غلب عليه في الجاهلية جعله يريد أن يوقع بين النجاشي وبين المسلمين، وكاد يفعل، لولا أن الله سبحانه تبارك وتعالى منع حصول ذلك بإيمان النجاشي أما البطارقة فرفضوا ما يقوله المسلمون، وذلك أن عمرواً قال: هؤلاء يقولون: إن عيسى ليس الإله. فابعث إليهم واسألهم. فلما أتى بهم وسألهم خاف المسلمون، ومع خوفهم لم يقولوا إلا الحق، فقالوا: المسيح عيسى بن مريم عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول. فقالوا كما قال الله عز وجل وقال النبي صلى الله عليه وسلم، فصدقهم النجاشي ، ونخرت البطارقة، ولم يعجبهم ذلك، فقال: وإن نخرتم، هو عيسى بن مريم كما قال هؤلاء، وإن هؤلاء على الحق.ثم رجع عمرو بن العاص، وبعد سنين مَنَّ الله عز وجل عليه فأسلم، وبعدما أسلم شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ولأخيه بالإيمان فقال: (عمرو بن العاص وأخوه مؤمنان)، وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تولى إمارات، وكان أميراً رضي الله تبارك وتعالى عنه، ثم بعد ذلك جاءته الوفاة، فلما حضرته الوفاة بكى طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه! أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا. فهنا يستحب إذا كان الإنسان في سياقة الموت أن يبشره من حوله، حتى يقدم على ربه وهو يحسن الظن به سبحانه وتعالى.فـعبد الله بن عمرو بن العاص كان يبشر أباه بقوله: أليس النبي صلى الله عليه وسلم بشرك بكذا، وبشرك بكذا. قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. أي: أفضل شيء أعددناه لهذا اليوم كلمة التوحيد، والشهادة لله عز وجل بأنه الإله وحده.ثم قال: إني قد كنت على أطباق ثلاث يذكر عن نفسه أن أحواله كانت ثلاثة أحوال: قال: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني - يعني: في الجاهلية -، ولا شيء أحب إلي من أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فانظر إليه في الجاهلية! كان يتمنى أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه، فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو ؟ قال: قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قال: قلت: أن يغفر لي أي: إني عملت مصائب من قبل، فشرطي لأبايعك على الإسلام أن يغفر الله تعالى لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)، وهنا فرح بذلك وبايع النبي صلى الله عليه وسلم.قال: وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني من إجلاله.فانظر إلى حب النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبهم، وإجلال النبي صلى الله عليه وسلم! فكان لا يستطيع النظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يطيق هذا الشيء، وهو من هو رضي الله تبارك وتعالى عنه في جاهليته وإسلامه؟قال: فلو سئلت أن أصفه ما أطقت. أي: لو أن أحداً قال: صف لي النبي صلى الله عليه وسلم فإني لا أطيق أن أصفه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك من شدة حيائه وإجلاله له، فما كان يطيل النظر في وجهه عليه الصلاة والسلام.قال: لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. إذاً: ما الذي حصل؟قال: ثم ولينا أشياء - يعني الإمارة ومفاسدها - ما أدري ما حالي فيها! أي: عملنا أشياء ونحن أمراء اجتهاداً، وظننا ذلك الصواب، فقد يكون هو الصواب وقد لا يكون هو الصواب، والآن جاء وقت الندم، فما أدري ما حالي فيها.قال: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور يعني: لا تتركوني وتذهبوا بسرعة، ولكن اصبروا، وقفوا عند القبر وادعوا لي قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، أي: بمقدار ذبحكم جملاً وتقسيمكم لحمه، قال: حتى أستأنس بكم، وأنظر ما أراجع به رسل ربي.ومن السنة أن الإنسان يقف على قبر المتوفى زمناً قل أو كثر يدعو فيه لهذا المتوفى، ويكون الدعاء في السر، لا كما يصنع اليوم عند المقابر، حيث تجد أحدهم يدعو والناس يؤمنون حوله؛ إذ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وإنما كان يقوم النبي صلى الله عليه وسلم على القبر ويقول: (سلوا لأخيكم التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل)، ولو كان يدعو والصحابة يؤمنون لورد عنه أنه كان يقول: اللهم ثبته وهم يقولون: آمين. ولكن هذا لم يرد.والغرض من الحديث بيان أن المؤمن يحب البشارة وتعجبه، ولو عند الوفاة، فهي تثبته وتطمئنه.نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المحسنين.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.وصل - اللهم - وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - إكرام الضيف واستحباب التبشير والتهنئة بالخير للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net