اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - الحلم والأناة والرفق [2] للشيخ : أحمد حطيبة


شرح رياض الصالحين - الحلم والأناة والرفق [2] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
إن الحلم والرفق بالناس لهما أجر عظيم، وفضلهما عند الله كبير، فهما سببان لمحبة الله عز وجل ومغفرته سبحانه وتعالى، إذ إن فيهما التيسير على الخلق والرحمة والشفقة بهم.وهما يعبران عن بساطة الإنسان وسماحته، وحسن خلقه بين الناس، ودليلان على صفاء قلب صاحبهما ونقائه.
فضل الرفق والأناة

 شرح حديث: (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار...)
روى الترمذي وقال: حديث حسن. وفي إسناده رجل لم يوثقه سوى ابن حبان ، فإسناده فيه ضعف. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا خبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل) .فالنار تحرم على هؤلاء من المؤمنين، فالمؤمن إلف مألوف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف) والإنسان المؤمن هين لين سهل، والله عز وجل ذكر عباد الرحمن فقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63] وهوناً أي: بلين وبتواضع وبخشوع وبأدب.قال تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] والجاهلون: أهل الجهل والسخط والباطل، فإذا خاطبوهم ردوا عليهم بكلام لين، وقد لا يردون عليهم ولا يجاوبونهم، وإذا ردوا عليهم فلا تخرج منهم لفظة قبيحة أبداً وإنما يقولون لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. فليس لنا دخل بكم، ولن نرد عليكم فيما تقولونه، ولا يقولون إلا الكلام الطيب، فقلوبهم أوعية للشيء الطيب، وكل إناء ينضح بما فيه، فقلوبهم ممتلئة بالخير، فإذا تكلمت ألسنتهم تكلمت بهذا الخير الذي أشربته قلوبهم، فالنار تحرم على هؤلاء، وعلى كل قريب من الناس. والمؤمن ليس بعيداً عن الناس، وإنما هو قريب منهم، وشر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، أي: أن شر الخلق هو الإنسان الذي يتركه الناس لأن لسانه طويل، ولأنه مؤذ، فهذا من شر الناس. وعكسه المؤمن فهو خير الناس، وهو إلف يؤلف بسهولة، فإذا تكلمت معه أحسست أنك تعرفه منذ زمان، وأن بينك وبينه مودة، فالمؤمن إلف مألوف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف.
فضل العفو والإعراض عن الجاهلين

 معنى قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل)
قال تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85]. فأمره بالصفح الجميل، وأمره أيضاً بالصبر الجميل فأما الصبر الجميل فهو الصبر الذي لا شكوى فيه إلا إلى الله عز وجل، وليس فيه شكوى للخلق، وأما الصفح الجميل فهو صفح لا إنتقام فيه ولا معاتبة. أي: إذا صفحت فلا تعاتب. فعلمه ربه أكمل الخلق وأعلاه، قال تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85] فلا تعاقب ولا تعاتب، فلا معاقبة ولا معاتبة.وقال الله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] والإنسان المؤمن يتفكر في هذه الآية من سورة النور، وفيمن نزلت ؟ قال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22]. وقد كان هذا الخطاب لسيدنا أبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد أوذي أذىً شديداً جداً، وقد كان في نبي الله صلى الله عليه وسلم، وفي ابنته عائشة رضي الله عنها، وكانت صدمته في ابن خالته الذي تكلم على ابنته، مع أنه أحسن إلى ابن خالته هذا مسطح ، ومع ذلك فإن مسطحاً هو الذي رمى ابنة أبي بكر السيدة عائشة أم المؤمنين بحديث الإفك، وردد ما قاله المنافقون، فأقسم أبو بكر الصديق ألا ينفق عليه، فكأنه قال له: إنني طول عمرك أصرف عليك ثم أنت الآن تتكلم على ابنتي، فلن أصرف عليك مرة ثانية، وأقسم على ذلك. فنرلت هذه الآية تعاتب أهل الفضل، وتعاتب أبا بكر فإن أبا بكر منزلتة عظيمة جداً عند الله عز وجل، والله لا يريد لـأبي بكر أن ينزل عن هذه المنزلة، فإن إيمانه لو وزن بإيمان الأمة وليس فيها النبي صلى الله عليه وسلم لرجح عليها ولوزنها، فقال له ربه: أنت الذي تفعل هذا ألا تريد الله يغفر لك؟ فقال أبو بكر : بلى، أريد أن يغفر لي ربي، ورجع مرة ثانية ينفق على مسطح من دون عتاب ولا غيره، وقال: لا أقطع عنه النفقة أبداً. فقالت الآية لـأبي بكر : وَلا يَأْتَلِ [النور:22] أي: لا تحلف مرة أخرى على قطع الخير، أي: لا يتألى ولا يقسم ولا يحلف.قال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ [النور:22] فعاتبه ومدحه، فقال له: أنت يا أبا بكر من أصحاب الفضل، فما الذي جعلك تحلف على هذا الشيء؟ فبدأ بالمعاتبة فقال له: لا تفعل هذا الشيء، ثم مدحه بأنه من أهل الفضل.قال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النور:22] فلا بد أن ينفقوا مرة أخرى، ويرجعوا إلى النفقة عليهم. قال تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22] وليجعل المسلم هذه الآية أمامه، وكلما غضب يتذكرها ويتفكر فيها، وإذا أراد الانتقام تذكرها. قال تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] أي: فلا تنظر لهذا الذي فعل فيك هذا الشيء، ولكن انظر إلى نفسك مع الله عز وجل، فإذا أردت أن يغفر الله لك فاغفر وسامح، واترك الناس على ما أساءوا إليك، وأحسن أنت إليهم حتى تأخذ الأجر من الله، ويعاملك الله عز وجل بالإحسان يوم القيامة.قال سبحانه: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]. وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43]. والصبر يكون على مضض وعلى غيظ، ولكن على الإنسان أن يصبر ويتجاوز ويسامح، حتى يصل إلى هذه المرتبة العظيمة، وهذا من عزم الأمور، ولا يقوى عليها إلا أصحاب العزيمة، فإذا كان عندك عزيمة وصبر وقوة إيمان فأنت داخل في هذه الآية: إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43] .
أذى الناس لرسول الله وصفحه عنهم

 النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب أحداً
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله). المعنى: أنه لم يضربها كنوع من التعذيب أو التأديب، وإلا فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه لكز عائشة مرة حين خرج يستغفر لأهل البقيع بأمر الله عز وجل في نصف الليل، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم غارت وظنته سيذهب إلى بيت بعض نسائه، فخرجت وراءه، فلما وصل إلى البقيع استغفر لأهل البقيع ثم رجع، فرجعت، وكان يراها أمامه مثل الخيال، فلما دخل بيته كانت قد سبقته، فدخل فوجدها تنهد ويرتفع صدرها، فقال: (مالكِ؟) فاعترفت بالأمر. قال: (فأنتِ الخيال الذي رأيت؟ فوكزها في صدرها) فهذا ليس ضرباً ولكنه معاتبة منه صلوات الله وسلامه عليه، وهي التي تقول: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط)، فهذه الوكزة ليست من الضرب في شيء، وإنما هي معاتبة منه صلى الله عليه وسلم.قالت: (ولا امرأة) أي: من نسائه (ولا خادماً) يخدمه صلى الله عليه وسلم، (إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه) . يعني: أن الذي كان يعمل فيه شيئاً لم يكن ينتقم منه لنفسه أبداً. (إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى).
عفو النبي عن الأعرابي الذي جبذه بردائه حتى أثر في عاتقه
وفي حديث الأعرابي عن أنس رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه الأعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة) وهذا من حماقته وغباء قلبه. قال أنس : (فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك) وهذه الرواية في الصحيحين. وفي رواية أخرى: (لا من مال أبيك. قال: فالتفت إليه، فضحك صلى الله عليه وسلم، ثم أمر له بعطاء). ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه ضحك ولم يكن الموقف موقف ضحك، ولكنه لو غضب وتغيظ فقد يقوم أحد من المسلمين ويضرب هذا الإنسان أو يقتله، فلذلك ضحك ليهدأ المسلمون الموجودون كلهم فيسكتون، ويظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرفه، وأنه كان بينه وبينه شيء، فسكتوا لهذا الشيء.
 ليس الشديد بالصرعة
وعن أبي هريرة كما في الصحيحين أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة). الصرعة فعلة وتطلق على فاعل الشيء. فالصرعة: أي المصارع الذي يصرع الناس، ومثله أن يقال: فلان ضحكة، أي: إنسان يستهزأ به، فهو ضحكة يسخر به بين الناس. ومثله قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1] فالهمزة الإنسان الذي يهمن في الغير ويطعن فيه، ليضحك عليه الناس. واللمزة: الإنسان الذي يتكلم على غيره. فالهمزة يتكلم أمامه، واللمزة يتكلم من ورائه ويلمز فيه، فاللمزة كأنه فاعل اللمز، والهمزة كأنه فاعل الهمز، والضحكة كأنه فاعل الضحك، والصرعة كأنه فاعل المصارعة وكل هؤلاء يطلق عليهم هذه الصيغة (فعلة). فهنا قال: (ليس الشديد بالصرعة) يعني: ليس الشديد الذي يصرع الأبطال، (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) فالذي يصرع غيره شديد وقوي، ولكنه ليس هو الذي له الشدة وله الأجر عند الله عز وجل، وليس هو الموصوف عنده أنه شديد في دينه، وإنما الشديد في دينه هو الذي يملك نفسه عند الغضب. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم والحلم وحسن الخلق، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - الحلم والأناة والرفق [2] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net