اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - حق الجار والوصية به للشيخ : أحمد حطيبة


شرح رياض الصالحين - حق الجار والوصية به - (للشيخ : أحمد حطيبة)
أوصانا ديننا الإسلامي بالجار وأوجب علينا الإحسان إليه بالطعام وغيره، وعدم أذيته، وحرم علينا التطلع إلى عوراته.كما أوجب علينا طاعة الوالدين والإحسان إليهما، وخفض جناح الذل لهما، وأمرنا بالإحسان إلى الأقارب وحرم علينا قطيعتهم.
الأمر بالإحسان إلى الجيران
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.قال الإمام النووي رحمه الله: [باب حق الجار والوصية به.قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36].وعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، متفق عليه.وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر ، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، رواه مسلم .وفي رواية له عن أبي ذر قال: (إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف)].والجار هو المجاور في السكن أو المكان، ومنه المجاورة في الاعتكاف بمعنى: المجاور في المسجد في فترة الاعتكاف.والجار له حق على جاره، والإسلام يوصي بالجار وصية عظيمة سواء كان ذلك في القرآن أو في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.ففي القرآن، قال الله عز وجل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36] فبدأ بعبادة الله سبحانه وتوحيده ثم ذكر أصحاب الحقوق فقال: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى [النساء:36]، أيْ: أحسنوا إلى الوالدين إحساناً وإلى ذوي القربى وهم أرحام الإنسان وعصباته، ثم قال: وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء:36]، فبعد ما وصى الله بالوالدين وبالقرابات، وصى باليتامى والمساكين وهم أهل الحاجة، ثم وصى بالجار.
 خير الجيران عند الله تعالى
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره). رواه الترمذي وقال: حديث حسن.خير الأصحاب خيرهم لصاحبه، وجاء في الحديث الآخر: (ما تحاب الرجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه). إذا كان الرجلان متحابين في الله عز وجل، فأحبهما إلى الله عز وجل الذي يحب صاحبه أكثر. فهنا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، فلا يصاحبه لأجل الدنيا أو يريد أن ينتفع منه أكثر نفعاً، ولكن يحبه في الله تبارك وتعالى، وكلما ازدادت المحبة كان أقرب إلى الله.وقوله صلى الله عليه وسلم: (وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره).فالدين يعلمك إن تعمل العمل ولا تنتظر المكافأة عليه من الناس؛ لأنك إذا انتظرت المكافأة من الناس فإنهم سيتعبون منك، فاعمل لله تبارك وتعالى، ولا تنتظر أجراً ولا مدحاً ولا شكراً من الناس؛ لكن انتظر الأجر من الله عز وجل.والمعاملة مع الناس متعبة ومع الله مريحة جداً، فالمسلم يتعامل مع الله، فيحب في الله لأجل أن يحبه الله عز وجل.ويكرم جاره لكي يكون أفضل عند الله تبارك وتعالى، فلا يكرمه لأجل أن يبادله بالإكرام.والجار إذا تغاضى عن جاره ونظر للأجر والثواب عند الله عز وجل وأن الأجر على قدر العمل والمشقة فإنه سيستريح من الجار ومن الناس لأنه انتظر من الله عز وجل خيره وبره ورحمته سبحانه.والمؤمنون يتفاوتون في درجات الجنة، فبعضهم أعلى درجة من البعض الآخر، لأنهم كانوا أحسن خلقاً ويكرمون الجيران وكانوا خير الأصحاب.وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون في ذلك، فقد جاء الحديث أن رجلاً أراد أن يصلح جدرا حائطه فاعترضته نخلة كانت لجاره، ولا يتم إصلاح الجدار إلا بإزالتها، فذهب إلى جاره يستأذنه بإزالتها فرفض، ثم عرض عليه أن يبيع له هذه النخلة فرفض، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: (أعطها له ولك نخلة في الجنة، فقال: لا أريد، فسمع أبو الدحداح رضي الله تبارك وتعالى عنه ذلك، فقال: أنا أشتريها منه يا رسول الله، فذهب إلى الرجل وساومه على أن يعطيه حائطه ثمن هذه النخلة، وكان في هذا الحائط ستمائة نخلة، فوافق الرجل.فذهب أبو الدحداح إلى امرأته وأولاده وقد كانوا في الحائط فناداهم بأن يخرجوا من الحائط)، أي: فإنه قد باعه بنخلة في الجنة، فأخذ زوجته وأولاده وترك الحائط لهذا الإنسان وصارت له نخلة في الجنة، والنخلة في الجنة شيء عظيم جداً، ولكن هذا الجار بخل، ولذلك ساء خلقه ولم يستجب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لكن أبا الدحداح رضي الله عنه عرف وعد النبي صلى الله عليه وسلم وما في الجنة من أشياء عظيمة، فلما مات أبو الدحداح ومشى النبي صلى الله عليه وسلم في جنازته فقال: (كم من عذق رداح لـأبي الدحداح ) ، والعذق هو العرجون.أي: كم من نخيل كثير لهذا الرجل العظيم أبي الدحداح مقابل ما فعله، وكان هيناً عليه أن يفعل ذلك؛ لأنه رباه النبي صلى الله عليه وسلم على حب الله عز وجل، وعلى حب رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى إكرام المسلمين؛ فرضي الله تبارك وتعالى عنه.إذاً: خير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره، والإنسان يكرم جاره ولا ينتظر منه جزاءً ولا شكوراً، لكي ينال الفضل من الله تبارك وتعالى.
الأمر بالإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام

 الأولى بالصدقة
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، فلما نزلت هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، قام أبو طلحة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله).أبو طلحة الأنصاري زوج أم سليم وهي أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، والبر كلمة تجمع وجوه الإحسان كلها، ومعنى قوله تعالى: حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا [آل عمران:92] يعني: من بعض ما تحبون، وما قال لنا: حتى تنفقوا ما تحبون أي: جميع ما تحبون.فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بخ بخ! ذاك مال رابح، ذلك مال رابح! وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فهذه نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم: أن يقسمها في الأقربين، فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه، فهذا يدل على استحباب الصدقة على الأقارب.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - حق الجار والوصية به للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net