اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الزمر [67 - 68] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة الزمر [67 - 68] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
أخبر الله في كتابه بالنفختين اللتين تكونان يوم القيامة، فيصعق في الأولى من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ويقوم الخلق في الثانية، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن بين النفختين أربعين، واختلف العلماء في بيان من استثناهم الله من الصعق.
تفسير قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره...)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.قال الله عز وجل في سورة الزمر: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:67-70] .هذه الآيات من آخر سورة الزمر يذكر الله عز وجل فيها ما يكون من أحداث يوم القيامة، النفخ في الصور، والجزاء والبعث من القبور، فريق في الجنة وفريق في السعير.قال سبحانه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67] أي: ما عبدوه حق عبادته، وما عظموه حق تعظيمه، وما أعطوا لله سبحانه ما يجب عليهم وما ينبغي له سبحانه تبارك وتعالى.وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] فهذا الإنسان الذي يتطاول على الخلق، ويستكبر على الخالق سبحانه وتعالى، ويسير في الأرض يظن نفسه عالياً مرتفعاً قوياً عظيماً شاباً غنياً له مال وله عيال وعنده رجال يظن في نفسه ذلك، من يكون؟ حتى ولو حاز ما في الأرض جميعها.فالأرض جميعاً في قبضة الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، يقبضها بيمينه سبحانه، ويطوي السماوات أيضاً بيمينه سبحانه وتعالى، ويقول: (أنا الجبار، أين ملوك الأرض؟) وحين يقبض الله عز وجل الخلق،ينفخ في الصور نفخة الموت فيموت كل من شاء الله سبحانه وتعالى ويقضي الله عز وجل بالفناء على جميع خلقه. قال الله سبحانه: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27] الذي يبقى هو الله سبحانه وتعالى، وكل من سواه يفنى، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]. فهؤلاء الذين يستكبرون في هذه الدنيا لم يعرفوا الله سبحانه، ولو عرفوا الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولو عرفوه بقدرته وكماله وعظمته سبحانه؛ لقدروه حق قدره، ولعبدوه حق عبادته، لكنهم وإن عرفوا في الظاهر لم تدخل المعرفة إلى القلوب ليكون فيها الإيمان واليقين والخوف من الله سبحانه، فالمؤمنون يخافون من الله سبحانه، ويعرفون قدر الله سبحانه وتعالى، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4] أي: المؤمنون حق الإيمان الذين استحقوا هذا الاسم هم المصدقون المستيقنون الذين يخافون من الله، وإنما من أدوات القصر، أي: الموصوفون بهذه الصفات هم المؤمنون، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ )[الأنفال:2] أي: دخل الخوف والرهبة من الله عز وجل في قلوبهم، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا )[الأنفال:2] أي: إذا سمع أحدهم القرآن العظيم ازداد إيماناً فوق إيمانه، ويقيناً فوق يقينه، وخوفاً من الله، وطمعاً فيما عند الله فوق ما كان موجوداً فيه، فهؤلاء هم المؤمنون الذين يعرفون قدر الله وقدرة الله سبحانه وتعالى فيعظمونه ويعبدونه العبادة التي تنبغي له سبحانه.قال سبحانه: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67] أي: في قبضته سبحانه وتعالى يقبض الأرض جميعها، والسماوات يقبضها ويطويها كطي السجل للكتب، قال سبحانه: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104] يوجد في الكتاب صفحات مفتوحة كذلك السماوات بعضها فوق بعض فيطويها الله سبحانه كما يطوى الكتاب بجلدته، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104] بدأ الخلق الأول من لا شيء، وسيعيده الله سبحانه بعدما فني، وليست الإعادة بالصعبة على الله سبحانه، وهو الذي بدأ الخلق أول مرة فالإعادة أهون عليه سبحانه وتعالى.قال: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67] يذكر عن نفسه أنه المستحق للتنزيه والتقديس والتسبيح سبحانه ما أعظمه! ومعنى سبحان الله أي أنزه الله سبحانه عن أي نقص، أو أي عيب، أو أي شيء، فالله سبحانه منزه ومقدس عن أن يشابهه شيء أو يماثله شيء سبحانه وتعالى.وَتَعَالَى [الزمر:67] أي: تمجد سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].
 

تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض...)
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الزمر:68] أي: يوم القيامة، فتحدث الصعقة، وقد ذكر لنا نفختين في كتابه سبحانه وتعالى، النفخة الأولى يموت منها جميع الخلائق، والنفخة الثانية يقومون مفزوعين من قبورهم، قال سبحانه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الزمر:68] فصعق أي مات. مَنْ فِي السَّمَوَاتِ [الزمر:68] أي: سكان السماوات وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الزمر:68] أي: سكان الأرض، ويبقى من استثنى الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه: إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر:68] ومن هؤلاء الذين استثناهم الله سبحانه وتعالى؟ الله أعلم بهم. ولذلك يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه حين وقعت خصومه بين صحابي وبين رجل من اليهود وسنذكرها: (ينفخ في الصور فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى باطش بالعرش -أي: ممسك بالعرش- فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله سبحانه وتعالى).فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يدري هل موسى ممن استثناهم الله سبحانه من هذا الصعق لكونه صعق قبل ذلك لما أراد أن يرى الله سبحانه وتعالى وقال: قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] وفي آخر الآية: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف:143] هل جوزي بهذه فلم يصعق يوم القيامة أو أنه أفاق قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدري فكيف بنا نحن؟ فنحن لا ندري بهؤلاء الذين استثناهم الله سبحانه بقوله: (إلا من شاء الله).
 الزمن الذي بين النفختين
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بين النفختين أربعون) .وإسرافيل هو الملك الموكل بذلك، ينفخ نفخة فيصعق جميع الخلق، ثم ينفخ النفخة الآخرة فيفيق جميع الخلق، يقول أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين النفختين أربعون). أي: بين النفخة الأولى والنفخة الثانية أربعون. قالوا: أربعون يوماً؟ قال: أبيت. يعني: ما قالها النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدري، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أربعون لعله قصد يوماً، لعله قصد شهراً، لعله قصد سنة، أنا لا أدري.قالوا: (أربعون شهراً؟ قال: أبيت. قال السائل: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب). عجب الذنب هو آخر فقرة من العمود الفقري للإنسان، وهو آخر ما يبقى من الإنسان، فيبلى جميع الإنسان وتبقى هذه العظمة الصغيرة ينبت منها الإنسان مثل الحبة التي تضعها في الأرض فتنبت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومنه يركب الخلق يوم القيامة).إذاً بين النفختين أربعون لا ندري أربعون يوماً أو شهراً أو سنة.وجاء في حديث آخر عند أبي داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصور قرن ينفخ فيه). إذاً إسرافيل ينفخ في الصور، وما هو الصور الذي ينفخ فيه؟ قال: قرن. يعني: بوق يضعه على فمه وينفخ فيه فيسمع الناس صوته فيصعقون على ما سيأتي في حديثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو وفيه كيفية ذلك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الزمر [67 - 68] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net