اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحوال السعداء يوم القيامة للشيخ : سعيد بن مسفر


أحوال السعداء يوم القيامة - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن السعداء يوم القيامة في أمان الله وظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ ذلك بإنهم استسلموا لله وخضعوا وانقادوا له، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان، فجميع تصرفاتهم على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة لا تنال بجمع مال، ولا جاه، ولا شرف، ولا قصور، ولا زوجة، ولا غيرها من متاع الدنيا الزائل، إنما تنال بطاعة الله سبحانه وتعالى، وتكمل هذه السعادة عندما يرضى الله سبحانه وتعالى عن العبد.
أحوال الناس يوم القيامة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الإخوة في الله: حتى لا ينخدع الإنسان لا بد من بيان أن هذه الدار دار كسب وتحصيل، وأن الجزاء الذي يحصل عليه الإنسان في الآخرة إنما يكون على ضوء ما كسبه وحصله في هذه الدار، فهذه الدنيا مزرعة وحصادها في الآخرة، ومن يزرع خيراً يجد خيراً، ومن يزرع شراً يجد شراً.ومن رحمة الله عزَّ وجلَّ أن جعل الآخرة وما أعد فيها من النعيم حصاداً للكسب الذي يستطيع كل إنسان أن يعمله، فلو أن الآخرة تنال بالمناصب لحازها أقوام وحرم منها آخرون. ولو أن الآخرة تنال بالأموال لاستحوذ واستولى عليها الأثرياء والتجار.ولو أنها تُحْجَز بالجاه والسلطة والقوة والعضلات والطول والعرض لحرم منها الفقراء والضعفاء والمرضى؛ ولكن من رحمة الله عزَّ وجلَّ أن جعل الآخرة يُحصل عليها بأسهل طريق، وبأقل قدرة وهو: العمل الصالح، وهذا بإمكان كل أحد أن يعمله.فلا ينفع الإنسان هناك جاه، يقول الله عزَّ وجلَّ عن أهل النار وهم يستلمون كتبهم بشمائلهم: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29]، ولا ينتفع الإنسان هناك بمال يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] ولا ينتفع الإنسان هناك بثناء الناس عليه، والله لو أثنى عليك أهل الأرض كلهم، وذمك الله فلن ينفعوك بشيء، ولو ذمك أهل الأرض كلهم وأثنى عليك الله ما ضروك بشـيء.فيجب أن تركز اهتمامك على العمل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا يا آل محمد فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً -ويقول:- يا فاطمة! لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني أنتم بالأحساب) فلا يغني حسب يوم القيامة: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ [المؤمنون:101] أبو جهل القرشي، وأبو لهب عم الرسـول صلى الله عليه وسلم فحمة من فحم جهنم.وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، هؤلاء من ملوك الآخرة، وقد كانوا يباعون بيع الرقيق؛ لكن أعلى قدرهم الإسلام، وأولئك أحرار وصناديد ومن خيار العرب؛ لكن أوضعهم وأنزل قدرهم الكفر والعياذ بالله.فاحرص يا أخي على العمل، والله لا ينفعك بعد هذه الدار إلا العمل الصالح، التعامل معك هناك سيكون على ضوء عملك هنا، يقول الله عزَّ وجلَّ: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].وأحوال الناس يوم القيامة تنقسم إلى ثلاثة أحوال:1/ أحوال أهل النار من الكفار، أعاذنا الله وإياكم من طريقتهم وشأنهم.2/ أحوال العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن لهم توحيد؛ لكنهم خلطوا هذا التوحيد بمعاصٍ وسيئات وبذنوب وكبائر؛ لكنهم ضمن دائرة الإسلام، وما خرجوا من الدائرة.3/ وأحوال السعداء -جعلنا الله وإياكم منهم- الذين استسلموا لله، وخضعوا وانقادوا، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان، وبرمجوا جميع أوقاتهم وليلهم ونهارهم، وبيوتهم ومزارعهم ومعاملهم وأسواقهم، وجميع تصرفاتهم كلها على ضوء الكتاب والسنة.ولا يعني هذا أنهم ملائكة لا يخطئون! لا. بل قد تزل بهم القدم؛ ولكن إذا أخطئوا تابوا واستغفروا؛ لأن الله تبارك وتعالى غفور رحيم، يقول عزَّ وجلَّ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31].ويقول: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] واللمم: ذنوب وصغائر يُلِمُّ بها العبد المكلف من غير إصرار ولا تعمد؛ لكن تجده وهو ماشٍِ تقع عليه مثل الغبار الذي يلطخ سيارتك؛ لكن تمسحه مباشرة، لا تنزل بنفسك وتأخذ تراباً وتضعه على الزجاج، وتقول: هذا غبار، لا. بل شيء عارض، نظرة أو خطرة أو كلمة أو زلة مرت منك كل هذه تجتنبها لكنك تقع فيها، قال عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] ثم قال عزَّ وجلَّ: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:32] واللمم بسيط، والله عزَّ وجلَّ يغفره إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].وقد سبق الكلام على أحوال أهل النار، وأحوال العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآن سيكون الكلام عن أحوال السعداء جعلنا الله وإياكم منهم.
 

من أحوال السعداء في الآخرة: أنهم لا يخافون ولا يفزعون
السعداء يوم القيامة لهم حالة، وهذا الكلام كله في عرصات القيامة لم نأتِ إلى الجنة ولا إلى النار، نحن لا نزال في يوم القيامة.. يوم الوقوف.. اليوم الذي طوله خمسون ألف سنة، منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ألف وأربعمائة وإحدى عشرة سنة، أي: واحد على خمسين من يوم القيامة.يوم القيامة يوم طويل، لا يعلم طوله إلا الله عزَّ وجلَّ، خمسون ألف سنة من أيام الآخرة، وليست من أيام الدنيا، واليوم من أيام الآخرة بألف سنة وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] واضرب ألفاً في خمسين ألف، فهل تضيِّع هذا اليوم كله بالمعاصي .. خمسون سنة ليست عند الله إلا مثل واحد على عشرين من يومٍ من أيام الآخرة.في ذلك اليوم للناس من السعداء والموفقين والأتقياء لهم حال ولهم أحوال متعددة. الحالة الأولى من أحوالهم: أنهم لا يخافون ولا يفزعون حين يفزع الناس، يقوم المؤمن من قبره وهو آمن كأنه رائحٌ وداخلٌ الجنة.الناس في الدنيا تعودوا أن يحصل لهم هلع وفزع وخوف واضطراب لأي شيء من متغيرات الحياة، فإذا هبت ريح عاصفة وحملت الأشجار وقلعتها، وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟! إذا نزلت أمطار عاتية وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟! إذا حصلت حوادث سيارات، وإذا حدثت نكبات، ووقع زلـزال أو خسف أو حروب وغزو وضرب، كيف سيكون حال الناس؟!سيكونون في حالة عظيمة من الخوف؛ ولكن يوم القيامة تدمر السماوات والأرض كلها -ليس فقط حدثاً بسيطاً- بل كل الدنيا تتغير معالمها، إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:1-4].إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:1-3] كل هذه تتغير؛ ولكن أهل الإيمان وهم يرون هذه الأحداث تتغير لا يخافون، عندهم أمن وطمأنينة في قلوبهم، لماذا ؟ لأنهم أولياء الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] هم أولياء الله في الدنيا، فصار الله ولياً لهم في الآخرة، كانوا كما يريد الله في الدنيا، فكان الله لهم كما يريدون في الآخرة. عملوا بطاعة الله استعداداً لذلك اليوم، فيؤمِّنهم الله في ذلك اليوم، حينما يُبَعْثَر الناس من القبور تستقبلهم الملائكة وترحب بهم، وتطمئن قلوبهم، وتهدئ من روعهم، وتقول لهم: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:49].يقـول الله عزَّ وجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَـقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْـنَى أُولَئِـكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] أي: عن النار لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء:102-103] والله يسميه الأكبر؛ لكن أهل الإيمان لا يحزنهم، مهما كان الفزع لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] الملائكة تطمئنهم، وتقول لهم: لا تخافوا: هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] أي: إن الله يدخلكم فيه الجنة، ليس هناك خوف عليكم، الله أكبر!والفزع هو: شدة الهلع والخوف الذي يحصل للعباد حينما يُبَعْثَرون من قبورهم، تصور وأنت تسير وإذا بالقبور تهتز، والناس يخرجون من القبور شاخصةً أبصارهم، عراةً.. حفاةً.. غُرْلاً.. بُهْماً.. غير مختونين.. والشمس تدنو من الرءوس، والعرق يسيل على قدر أعمال العباد، والأمر متغير؛ لكنّ أهل الإيمان مطمئنون، لا خوف عليهم اليوم ولا هم يحزنون.في ذلك اليوم ينادي منادي الرحمن أولياء الرحمن: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:68-69].ويقول الله عزَّ وجلَّ: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:62-64].
 لا يجمع الله بين أمنين ولا خوفين
وفي الحديث الذي يرويه أبو نعيم في الحلية : عن شداد بن أوس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث صحيح؛ صححه الألباني في السلسلة-: (يقول الله عزَّ وجلَّ: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع عليه خوفين، إن هو أَمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنته يوم أجمع فيه عبادي) أتريدها كلها سواءً ؟! لا. لا يصلح، خِف من الله هنا تأمن من الله هناك.أما أنك لا تخاف الله هنا، فسوف يخوِّفك الله عزَّ وجلَّ هناك، ثم أجرِ مقارنة، فلا بد من واحدة تجري على رأسك، ليس لك مهرب، ما دُمتَ غُلِبْت فلا بد من أن تخاف هنا أو تخاف هناك، أو تأمن هنا، أو تأمن هناك، فما هو الأفضل لك والأسلم؟ أن تخاف ستين أو سبعين سنة وتأمن أبد الآبدين؛ أم أن تأمن ستين أو سبعين سنة، وتشرب وتأكل، وتنكح وتزني وتفجر، وتنام وتتمشَّى، ثم يخوفك الله أبد الآبدين؟ ما هو المنطق والعقل؟ المنطق والعقل إذا تَدَخَّلا سيقولان: لا والله، خَفْ سبعين سنة أو ثمانين سنة أو مائة سنة، ولا تخف الأبد كله.الناس الآن واقعون مع أنفسهم في دراستهم، تجد الطالب الواقعي يجتهد ست سنوات ابتدائي، وست سنوات متوسط وثانوي، وأربع سنوات جامعة من أجل أن يأخذ الشهادة الجامعية ويتوظف، ليعيش في هذه السن التي بذل فيها الدراسة ( 6 + 6 = 12 + 4 = 16 ) سنة، يريد أن يعيش حياة كريمة بعد التخرج، كم مدتها؟ أربعين أو خمسين أو ستين سنة، ثم يموت.فالذي يأمن الله هنا يخوِّفه الله هناك، والذي يخاف الله هنا يؤمِّنه الله هناك، وكلما كان العبد أكثر إيماناً وإخلاصاً وتقوى كلما كان أكثر أمناً يوم القيامة، فأهل التوحيد هم أحسن طبقة، الذين ما خلطوا إيمانهم بشرك، يقول الله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] الذين آمنوا ولم يلبسوا، أي: ولم يخلطوا، أو لم يغلِّفوا إيمانهم بشيء من الظلم؛ وهذه الآية عندما نزلت قال الصحابة: (يا رسول الله! وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: الظلم: الشرك، أما سمعتم قول الله عزَّ وجلَّ: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم [لقمان:13]) فالشرك ظلم، فالذي يلبس إيمانه بشرك هذا ليس بمؤمن، يخرج من التوحيد؛ لكن إذا وحَّد ولم يلبس إيمانه بشيء من الشرك فـ: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].هذا أول حال من أحوال يوم القيامة، وهو: الأمن.والأمن مطلب رئيس من مطالب البشر حتى يستريحوا، فلو أعطيت جميع لذائذ الدنيا وأنت خائف فإنك لا تريدها، أليس كذلك ؟ ! لا تريد حياة إلا وفيها أمن، إذا طرق الباب عليك طارق، وعرفت أنه يريد منك سرقة أو قتلاً أو تخويفاً، أو شيئاً وأنت تأكل أو تشرب أو تنام، فإن النوم يذهب منك، والأكل لن تهنأ به، والعافية لم تعد تأتيك، وتبقى في قلق، لماذا؟ من الخوف! فهذا الخوف ينزعه الله منك يوم القيامة وتُبْعَث آمناً: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40]. أتريد أن تأتي آمناً يوم القيامة؟ خَفْ مِن الله في هذه الدنيا، في حالتين:عند ورود أمره عليك.وعند ورود نهيه عليك.إذا ورد عليك أمر الله فخَف من الله، ونفِّذ أمره، وإذا ورد نهيه عليك فخف من الله عزَّ وجلَّ وانْتَهِ عما نهاك، فإذا عملت هذين الأمرين فأنت خائف من الله، أما إذا تركت الأوامر، ووقعت في النواهي، وادعيت أنك تخاف الله فهذا خوف الكذابين، ولا ينفعك، فالذي يخاف من الشيء يبتعد عنه، والذي يخاف من المعاصي يرفضها، والذي يخاف من العذاب لا يسير في طريقه، وكذلك المؤمن الذي يريد أن يأتي آمناً يوم القيامة لا يقع في شيء مما يخوفه الله عزَّ وجلَّ به يوم القيامة.
من أحوال السعداء في الآخرة: أن الله يظلهم في ظله
السعداء الذين يظلهم الله في ظله: الحالة الثانية من حالات أهل السعادة الأتقياء -جعلنا الله وإياكم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين منهم- أنهم يظلهم الله في ظل عرشه مع الأمن، أي: هم آمنون والشمس تغلي، فالأمن يحتاج إلى نوع من الراحة، فالله أراحهم بأن أظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، حين يكون الناس في الموقف العظيم في الوقت الطويل، أنت الآن عندما تقف ساعة أو ربع ساعة في طابور، أو في انتظار موظف، أو في مراجعة، تشعر بأن ركبتَيك قد آلمتاك، وربما تكون في ظل، ولهذا تحتاج إلى أن ترتاح، فتبحث عن كراسٍ، وتقول: ضعوا للمراجعين كراسٍ، كيف لنا أن نظل واقفين؟ لكن يوم القيامة لا تنتظر ساعة ولا ساعتين ولا يوماً ولا سنة ولا ألف سنة، بل هو خمسون ألف سنة، وكل يوم من هذه الأيام بألف سنة، والناس كلهم وقوف. اسمه: يوم الموقف، لا يوجد أحدٌ جالساً، من الذي يجلس يوم القيامة؟! لا يوجد جلوس، بل وقوف، موقف عظيم، ثم إن مع الموقف وهج شديد، وحرارة متناهية تصهر أدمغة الناس وتغلي منها رءوس العباد، كما يغلي اللحم في القدور، لا توجد مظلة ولا يوجد أحدٌ يمنعك منها، ثم إنهم يذوقون من العذاب والألم ما تنوء بتحمله الجبال الراسيات، ويكون فريق من أهل الإيمان -اللهم اجعلنا منهم يا رب- هانئين مرتاحين في ظل عرش الرحمن، لا يعانون من الكربات والأهوال شيئاً، هؤلاء هم أصحاب الهمة العالية، والعزيمة الصادقة، والموقف الجاد، الذين تمثلت هممهم وعقائدهم وجديتهم في التزامهم الصادق بعقيدة الإسلام، وبقيم وبعبادات وبسلوك الإسلام.
 من السعداء: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه
السابع: صاحب القلب الرقيق، صاحب القلب الخائف من الله، الذي إذا ذكر عظمة الله وقوة الله، وذكر عذاب الله عزَّ وجلَّ فاضت عيناه، وبكى وخشع من هذا الموقف الجليل.(ورجل ذكر الله خالياً) أي: لوحده، ليس مع الناس؛ لأنه إذا كان مع الناس ربما يدخل في نفسه شيء، لماذا؟ لأن الناس تُهَيِّجُه، ربما ينبسط من نظرة الناس؛ لكن بينه وبين الله، عندما لا يراه أحد، ولا أحد يهيَّجه إلا نفسه، ولكن هيجه خوفه من الله ففاضت عيناه، وتقاطرت وسالت القطرات من عينيه على خديه، ولا يراه إلا الله، فيسجله الله بتلك القطرات من ضمن أصحاب المظلة الربانية. أيها الإخوة في الله: هؤلاء هم الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.وأيضاً وردت أحاديث أخرى في أن المتحابين في الله يظلهم الله عزَّ وجلَّ في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.وأيضاً ورد حديث في صحيح مسلم أنَّ: (مَن أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) شخص عليه دين لآخر، فجاء صاحب الدَّين إليه وقد أزف الموعد فقال له: هاتِ النقود.فقال: والله لا أملك شيئاً.قال: لا يهمك، كم تريد مهلةً؟قال: أريد سنة.قال: لك سنة.أنْظَرَه وأمْهَلَه؛ لكي يأتي بحقه، لم يذهب يشتكي بالحقوق ويشده، ويقول: ضعوه في السجن حتى يسلم، أريد حقي الآن، بل قال: ما دام أن الله مُوَسِّعٌ عليَّ، وهذا أخي في الإسلام فأنا أصبر عليه؛ لكن أرجوك أن تهتم يا أخي بحقي. فأعطاه سنة.أو قال له أيضاً: عندك عشرة آلاف! أتدري؟!قال: نعم.قال: أعطني خمسة آلاف، ولك سنة، وخمسة آلاف الله يعينك عليها، (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله).وجاء في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن نفَّس عن غريمه -أي: في أجل- أو محا عنه -أي: ترك له- كان في ظل عرش الله يوم القيامة). هذه الحالة الثانية.الحالة الأولى: الأمن.الحالة الثانية: الظل، يظل الله عزَّ وجلَّ المؤمن في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
من الأعمال التي تنال بها السعادة
السعداء يوم القيامة هم الذين يعيشون في أمن وطمأنينة وسعادة بلا خوف ولا هم ولا فزع،الذين يسيرون في حاجات الناس في الدنيا ويقضونها، ليس له شغل إلا البحث عن مطالب الناس، وأغراض الناس، وحوائج الناس، ويسعى فيها، ويساهم في حلها ابتغاء وجه الله، يقول الله عزَّ وجلَّ: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114].ومِن أعظم ما يفرِّج كربات العبد يوم القيامة: سَعْيُ العبد في فك كربات الناس في هذه الدار، والتيسير عليهم، وإقالة عثراتهم، ففي صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).ما دمتَ في عون أخيك فالله في عونك، وبالمفهوم المخالف: إذا كنتَ ضد إخوانك المسلمين فالله ضدك.ومن الناس من لا يتمنى أن يكون في عون الناس، بل يتمنى أن يكون شوكة وعائقاً في سبيل مصالح الناس والعياذ بالله.وروى البخاري أيضاً: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).
 المحافظة على الوضوء
من الذين لهم وضع خاص يوم القيامة: أصحاب الوضوء جعلني الله وإياكم منهم.أهل الوضوء هؤلاء لا أحد يراهم إلا وهم مستعدون للصلاة، هؤلاء استجابوا لله، وأقاموا الصلاة، وأتوا بالوضوء كما أمرهم الله، وكما سن لهم نبيهم صلوات الله وسلامه عليه فهؤلاء يُدْعَون يوم القيامة بآثار وضوئهم غُرَّاً مُحَجَّلين.الغر: بياض في الناصية؛ أي: في الجبهة.والحجال: بياض في القوائم.أهل الإيمان يُعْرَفون يوم القيامة بالوضوء، غُرٌّ يُبَيِّض الله وجوهَهم بآثار الوضوء، ويُبَيِّض الله أقدامَهم وأيديهم بآثار الوضوء، والحديث في صحيح البخاري ، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن أمتي يُدْعَون يوم القيامة غُرَّاً مُحَجَّلين من آثار الوضوء).يقول ابن حجر في شرح هذا الحديث: غُرَّاً، أي: جمع أغر أو ذو غرة، وأصل الغرة: لُمْعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت للجمال ولطيب الذكر، يقال: يوم أغر، جبين أغر، دهر أغر، أي: ليس مظلماً؛ فكذلك المؤمن يوم القيامة وجهه وجهٌ أغر.كيف ولماذا غُرَّاً؟ مِن آثار الوضوء.وأيضاً هذه اللُّمعة في جبين أو في جبهة الفرس أو الحصان نوع من الجمال، عندما ترى حصاناً أدهم أو أبيض، وبجانبه حصان أدهم؛ لكن في جبهته لمعة بيضاء، أما تعطيه جمالاً؟ بلى تعطيه.وكذلك المؤمن يوم القيامة يُعطى جمالاً.ومُحَجَّلين: أيضاً من التحجيل، وهو بياض يكون في قـوائم الفـرس، والتحجيل للمؤمن حليةٌ وجمالٌ له وزينةٌ يوم القيامة، يقول عليه الصلاة والسلام: (تبلغ الحلية من المؤمن مبلغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته) وقد قيل: إنه من إدراج الراوي، وقيل: من الحديث، أي: يبالغ في إطالة الغرة؛ فإنه يأتي معروفاً بها يوم القيامة، وبهذه الغرة والحلية والجمال النوراني يتميز أصحـاب محمد صلى الله عليه وسلم، أهل سنته يوم القيامة، وبها يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من بين سائر الخلائق؛ لأن أمة الرسول ليست الأمة الوحيدة التي تبعث يوم القيامة، الأمم منذ آدم إلى يوم القيامة يبعثون كلهم، وتأتي أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيعرفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بآثار الوضوء وبالغرة في جبينهم، وبالتحجيل في قوائمهم، يقول عليه الصلاة والسلام، وقد مر يوماً على مقبرة -والحديث في صحيح مسلم - قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنَّا قد رأينا إخواننا فقال الصحابة: أوَلَسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحـابي، إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني، قالوا: كيف تعرف يا رسول الله من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غُرٌّ مُحَجَّلة بين ظَهْرَي خيول دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يَعْرِف خيـله ؟ ! قالـوا: بلى يا رسـول الله ! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غُرَّاً مُحَجَّلين من آثار الوضوء، وأنا فَرَطُهُم على الحوض) وفرطهم أي: السابق لهم، والفَرَط هو الذي يسبقك، يقول: أنا فَرَطُهُم أي: أنا أسْبقهم، وأتقدمهم، وأرحب بهم على الحوض يوم القيامة.ويروي أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي الدرداء قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له برفع رأسه يوم القيامة، فأنظُرُ إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، قال رجل: يا رسول الله! كيف تعرفهم من الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هُم غُرٌّ مُحَجَّلون من آثار الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، أعرفهم أنهم يؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم حين تسعى بين أيديهم ذراريهم) نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم مِمَّن يُؤَمَّن من الفزع الأكبر يوم القيامة، وممن يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
الأسئلة

  جمال طول رقاب المؤذنين
السؤال: بالإمكان أن توضح جمال طول الرقاب بالنسبة للمؤذنين؟الجواب: قد بيَّنتُ دون أن نتعرض لغير الجميل؛ لأن العبرة هي التقوى كما تعلم، جزاك الله خيراً.وأنا لا أتعرض لنوعٍِ من التجريح للذي ليس رقبتُه طويلة؛ لأن ربي هو الذي خلق الرقاب، لستُ أنا، ولا الشخصَ نفسَه الذي خلق رقبته؛ لكني أبيِّن أن طول الرقاب نعمة من نعم الله وجمال، فإذا منّ الله عليك بأن كانت رقبتك طويلة في الدنيا، وأيضاً رقبتك طويلة في الآخرة من الأذان فهذا جمالٌ، أما إذا لم يجعل الله عز وجل رقبتك طويلة، فما عليك إلا أن تصبر على خلق الله عز وجل، وليس معنى هذا: أن فيك عيباً أو قدحاً! لا. فإن الخالق لك هو الله، والذي يعيب الصنعة إنما يعيب الصانع.أسأل الله الإعانة والتوفيق.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحوال السعداء يوم القيامة للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net