اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحج [39 - 40] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة الحج [39 - 40] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
لما أعز الله الإسلام فانتشر في بقاع الأرض، أمر الله المسلمين بالدفاع عن الدين والقيام بأمره والاجتناب لنواهيه، وإذا أراد المسلمون النصر من الله لابد أن يأخذوا بأسبابه حتى ينتصروا، ولولا هذا الدفاع والجهاد لما قامت للدين قائمة.
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا...)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.قال الله عز وجل في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:39-41].يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه قد أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وهذه أول آية نزلت في القتال، فالله سبحانه وتعالى كان يصبر المؤمنين وهم في مكة وينهاهم عن القتال، وكانوا يتمنون أن يقاتلوا، ولكن وضعهم في مكة كان ضعيفاً لا يقدرون أن يقاتلوا الكفار، ولو فعلوا لعل الهزيمة تكون أقرب إليهم، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى صبرهم وأمرهم أن يصبروا، وأمرهم أن يجاهدوا بالقول، بأن يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، وكان يأمرهم بالعفو ويأمرهم بالصفح عن الكفار، وعما يفعلونه معهم شيئاً فشيئاً، حتى يعتاد المسلمون على الصبر، ثم بعد ذلك لما هاجروا إلى المدينة أذن الله عز وجل لهم أن يقاتلوا في سبيله سبحانه.قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39].(أُذن): أي جاء الإذن من الله عز وجل والإعلام منه سبحانه، وفيها قراءتان، نصف القراء يقرءون: (أُذن) والنصف الآخر يقرءون: (أَذِن)، يعني: الله سبحانه وتعالى أذن للمؤمنين.(أُذن) على البناء للمجهول، والآذن هو الله سبحانه وتعالى، يعني: أعلمهم وأمرهم أن يجاهدوا في سبيله سبحانه وتعالى، فقرأ: (أُذن) نافع وأبو جعفر المدنيان، وقرأها البصريان: أبو عمرو ويعقوب ، وقرأها عاصم من الكوفيين، وباقي القراء يقرءونها: (أَذِن) يعني: الله سبحانه وتعالى.قوله تعالى: (للذين يقاتَلون) وأيضاً القراءة الأخرى: (للذين يقاتِلون) وهم المؤمنون، قاتلهم الكفار فقاتلوا ودفعوا عن أنفسهم، فقرأها: (يُقاتَلون) نافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم ، وباقي القراء يقرءونها: (للذين يقاتِلون بأنهم ظلموا).فالمؤمنون مقاتِلون ومقاتَلون، يقاتلون في سبيل الله ويدفعون عن أنفسهم، فقد جاءهم الكفار ليقاتلوهم، وجاءهم الكفار ليفتنوهم عن دينهم، فقاتل المؤمنون، وأذن الله عز وجل لهم في هذا القتال بعدما منعهم فترة طويلة، وكانوا يتمنون أن يجاهدوا في سبيله ويقاتلوا الكفار، ويقولون: لولا نزلت سورة، لولا نزلت سورة، فكان سبحانه وتعالى يصبرهم على ذلك، اصبروا حتى يأتي أمر الله سبحانه، فأتى أمره وأذن لهم بأن يقاتلوا في سبيل الله سبحانه.
 من أسباب النصر
قال: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] فالله سبحانه وتعالى قادر على نصرهم وهم في مكة، وقادر على نصرهم وهم في المدينة، وقادر على نصرهم في كل مكان، ولكنه لم ينصرهم على الكفار وهم في مكة، ولم يظهر هذا الدين، ولم يذل الكفار في مكة؛ لأن النصر له أسباب، والأمر ليس مع المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينتصروا، ولكنها تربية للمؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم وجهاد وبذل وتضحية وسنة يسنونها لمن بعدهم، فلذلك لو أن هؤلاء نزلت الملائكة معهم وقاتلت معهم في كل قتال، لأتى الذين من بعدهم يقولون: لا نقدر على القتال، هؤلاء كانت الملائكة تنزل معهم في كل غزوة، هؤلاء كانوا ينتصرون في كل حرب، هؤلاء لم يعانوا، ونحن نعاني ونحن نقاتل ونحن لا تنزل معنا الملائكة، فلا نستطيع؛ فيتركون الجهاد في سبيل الله، ولكن الله عز وجل جعل هؤلاء مع النبي صلى الله عليه وسلم يقاتِلون ويقاتَلون، يغلِبون ويُغلبون، يقتلون ويُقتلون، الحرب دول تدور عليهم مرة ويكون لهم النصر مرة، فربنا سبحانه وتعالى جعلهم الأسوة الحسنة، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، فانتصر النبي صلى الله عليه وسلم في غزوات وفي غزوات أخر لم ينتصروا، فالله عز وجل له حكمة بالغة كما ذكرنا في الحديث عن غزوة أحد قبل ذلك.فهنا أذن الله عز وجل لهؤلاء الذين يقاتلون في سبيله بأنهم مظلومون، وأن الله عز وجل سينصرهم سبحانه، ولكن بشروط النصر، قال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] وقال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].. وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].كذلك إذا نصرك الله عز وجل فاعلم أن النصر من عند الله وليس من عندك، وأن التوفيق منه، قال سبحانه: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، وأنك إذا أخذت بأسباب القوة ورميت الكفار فاعلم أن الله قال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، فالذي يسدد رميتك والذي يصوبها والذي يوصلها إلى الكافر هو الله سبحانه وتعالى.ومن أسباب النصر اليقين، والأخذ بأسباب القوة، من الاستعداد النفسي والبدني واستعداد بالسلاح للكفار، والتوكل على الله، والإخلاص له سبحانه، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حصلها المسلمون نصرهم الله سبحانه وتعالى، وإذا لم يحصلها المسلمون لا ينتظرون نصراً من الله سبحانه؛ لأنهم لم يأخذوا بالأسباب.إذاً: الله على نصر المؤمنين قدير، ولكن لم ينصرهم في مكة، ولم يفرض عليهم الجهاد سبحانه وتعالى؛ لأن أسباب النصر لم تكن معهم، وليس معهم عدد يصلح للقتال، ولا معهم عُدد تمكنهم من ذلك، ولا تميزوا عن الكفار فكلهم في مكان واحد، وكانوا وما زالوا محتاجين لتربية يربيهم النبي صلى الله عليه وسلم على أمر الله سبحانه، حتى إذا استطاعوا أن يقاوموا الكفار فرض الله عز وجل عليهم القتال، وقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39].
تفسير قوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق...)
قال سبحانه: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40].هؤلاء المظلومون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، تركوا الديار وفيها الأموال وفيها أهلوهم الذين رفضوا أن يأتوا معهم، وتركوا هناك في مكة كل ما يحبون، وهاجروا إلى المدينة مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وخرجوا وقد آذاهم الكفار أشد الأذى، خرجوا بغير حق، بل أخرجوا بغير حق.قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا [الحج:40] أي: أخرجوا بسبب أنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، والاستثناء منقطع والمعنى هنا: أخرجوا بغير حق، ولكن أخرجوا؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، فليس حقاً من الكفار أن يخرجوا هؤلاء؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكنه هذا هو الظاهر منهم، فلذلك هذا استثناء منقطع هنا، قال سبحانه: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40] يعني: ولكن لكونهم يقولون: لا إله إلا الله، فأخرجهم الكفار. رَبُّنَا خالقنا. اللَّهُ الذي نعبده سبحانه وتعالى.والكفار قسموا الأمر جزأين: (ربنا) الذي يخلق ويرزق ويفعل وكذا، والآلهة نعبدها غير هذا الرب؛ لأن الآلهة توصل إلى الرب، فكأنهم قالوا: ربنا يخلق ويرزق هذا شأنه سبحانه، ونحن نعبد الأصنام من دون الله، أما المؤمنون قالوا: لا، الله هو الذي يخلق وهو الذي يستحق أن يعبد، فالرب هو الله واحد لا شريك له سبحانه وتعالى.
 معنى قوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره)
ثم يأتي وعد الله سبحانه: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40]، هذا وعد من الله سبحانه وتعالى، وقال: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، فالذي ينصر الله الله ينصره، والذي ينصر غير الله فليبحث عن النصر عند غير الله سبحانه؛ لأنه لا يستحق نصراً من الله سبحانه وتعالى.لذلك الذي ينظر في أحوال المسلمين، وينظر لماذا المسلمون في هزيمة دائماً، ولماذا هم في ذل دائماً، ولماذا هم كلما يدخلون في شيء يصابون بالخيبة والحرمان والذل فيها، فالسبب لأنهم لم يكونوا ينصرون الله سبحانه وتعالى، والذي ينتصر، يقول: أريد الأرض، وأريد الحرية، يقصد الديمقراطية.. والعلمانية، أما دين الله فلا أحد يدافع عنه؛ لأنهم لو تكلموا عن دين الله يؤذيهم الكفار؛ لأن الكافر يريد الديمقراطية، والديمقراطية تعني: حكم الشعب نفسه بنفسه، والإسلام: حكم الله للخلق، وهنا لا يتفق أبداً دين مع ديمقراطية على المعنى الذي هو فيه، وكثير من المسلمين يفهمون معنى الديمقراطية على أنها حرية، وبعد ذلك يفهم أن الحرية أن يتجرد عن كل شيء، وأن يتحرر حتى من الدين، لا أحد يتدخل به، كل إنسان في حاله، والذي يعصي الله ليس لأحد شأن بالمعصية طالما أنه لم يخالف القانون، فيبعد عن الطاعة، ويمشي عرياناً ويرتدي ما يريد طالما أنه في خط القانون، والقانون: ما حكم به الناس بعضهم بعضاً، أما الدين فهو شرع الله سبحانه وحكم الله سبحانه، ولا يتفق أبداً دين مع ديمقراطية في أصل مسماها؛ لأن هذا حكم الناس لأنفسهم، وحكم الشعب لنفسه، وتشريع الشعب لنفسه، والإسلام دين الله عز وجل وحكم الله سبحانه، قال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وقال أيضاً: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران:83]، وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، فالدين دين الإسلام، دين الاستسلام لله رب العالمين سبحانه. ويخطئ المسلم حين يظن أن الإسلام هو الديمقراطية؛ لأنه لم يفهم معنى الديمقراطية، الديمقراطية عند أهلها: أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وأن يشرع الشعب لنفسه، فله مجلس تشريعي، ولا يتدخل بالديانة، فالعلمانية شيء بعيد عن الدين، يعني: اللادينية، فهنا لا تأتي بتشريع من السماء وتقول: نحن نحكم أنفسنا بأنفسنا، والدين هو الصلاة والصوم ونبتعد عن أي شيء آخر! فقوله تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ [محمد:7] أي: تنصروا دين الله سبحانه وتعالى، لا تنصرون مذاهب، ولا تنصرون ديانات، ولا تنصرون شيئاً غير ما أمر الله عز وجل بنصره وهو دين الله سبحانه، فنصر الله عز وجل للمؤمنين بأن يتوكلوا على الله، ولا يتوكلوا على المشرق ولا على المغرب، وأن ينصروا دين الله ولا ينصروا شيئاً سواه، فإذا نصروا دين الله وأقاموا شرع الله سبحانه وتعالى، نصرهم الله سبحانه، فالكثير في وقت الحروب يقولون: نريد أن نقيم دين الله، نحن المسلمون ونحن كذا، وعندما ينصرهم الله فإن أول شيء يقولونه: العلمانية والديمقراطية، ويتقربون للشرق وللغرب، ويبتعدون عن ربهم سبحانه وتعالى! فهل ينتظر هؤلاء أن ينصرهم الله سبحانه؟! هم لم يطلبوا النصر من الله، ولم يستنصروا به سبحانه، وإنما استنصروا بالمشرق والمغرب، لذلك المؤمن الذي يريد أن يعرف دين الله لابد أن يدرس القرآن ويدرس السنة، ويعرف كيف أن هذا الدين دين عال لا شيء يوازيه، ولا شيء معه، ولكن الدين وحده هو الذي يقيم آخرتك والذي يقيم لك دنياك.قال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، نسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحج [39 - 40] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net