اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة محمد الآية [18] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة محمد الآية [18] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهور علامات صغرى وكبرى قبل قيام الساعة، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الناس عند اقتراب الساعة ورؤيتهم لعلاماتها لا يزدادون على الدنيا إلا حرصاً، ولا من الله إلا بعداً، فينبغي على المسلم أن يشتد حذره وخوفه من الله، وعندما يشاهد هذه العلامات يزداد حرصاً على الآخرة، ويزداد إقبالاً على الطاعة.
تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ...)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.وقفنا في سورة محمد صلى الله عليه وسلم عند قول الله عز وجل: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد:18].يخبر الله عز وجل أن الساعة قريب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه، قال سبحانه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا [النازعات:42-43]، علم الساعة عند الله سبحانه وتعالى ففيم أنت من ذكر هذه الساعة؟ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا [النازعات:44] أي: منتهى علم هذه الساعة إليه سبحانه، فهو الذي يعلم منتهى هذه الساعة وما يكون فيها، وأخبر أن الساعة قريب، وأنها إذا جاءت أذن الله عز وجل أنه لابد أن تكون، فأخبر بقوله: لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:63] وأخبر الله سبحانه أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1] أي: قد أمر الله وقد كان من أمر الساعة ما يريده الله سبحانه، فلابد أن تكون. قال سبحانه هنا: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أي: جاءت العلامات الصغرى للساعة، وتليها بعد ذلك العلامات الكبرى للساعة، ومن العلامات الصغرى ما ذكرناه قبل ذلك.ورد حديث للنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا فيه أن الساعة قريبة، ومع ذلك الناس ليس على بالهم أمر الساعة، فروى الإمام الحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأيضاً رواه الطبراني قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً) يعني: كلما جاءت أشراط الساعة لم يتعظ الناس، وكلما اقترب أمر الساعة ازداد الناس حرصاً على الدنيا وليس على الآخرة، وكان المفترض في الإنسان أنه كلما ذكر بآية من الآيات وعلامة من العلامات رجع وتاب وأناب إلى الله عز وجل، ولكن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كلما رأوا شيئاً من هذه العلامات ازدادوا حرصاً على الدنيا وتكالباً على الدنيا، وهذا الذي تراه، فتجد الناس يشيعون الجنائز وبعض المشيعين لعلهم لا يصلون، وإنما يبقون خارج المسجد في سياراتهم ويشربون سجائر ويضحكون، والميت يصلى عليه داخل المسجد! وهو إنما حضر مجاملة لأهل الميت، ويذهب معهم إلى المقابر نوعاً من المجاملة للأحياء، أما الميت فليس على بالهم، وذكر الموت ليس على بالهم، مع أن ذكر الموت موعظة من أعظم المواعظ، فهؤلاء يرون الموتى أمامهم فلا يزدادون على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً، وكلما كان الإنسان في غفلة كان بعيداً عن الله، وكلما بعد عن الله سبحانه استحق عقوبة الله سبحانه.
 

شرح حديث: (لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات)
من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الساعة هذا الحديث الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشر آيات) وهذه العلامات الكبرى للساعة عشر آيات، وأخبر في حديث: (أنها كنظام عقد انفرط) العقد هو السلك الذي ينضم فيه الخرزات، فهذا العقد إذا انفرط وانقطع تساقطت الخرزات منه خرزة خرزة، فكأنه يخبر أن علامات الساعة الكبرى إذا جاءت فإن الساعة تطلع بسرعة وراء هذه العلامات. يقول: (إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشر آيات: الدخان، والدجال ، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا) هذه العلامات الكبرى للساعة، حين تظهر هذه العلامات وخاصة طلوع الشمس من مغربها يقول ربنا سبحانه: لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، ويذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية مع ذكره هذه العلامات، فمن العلامات الكبرى التي تكون قرب الساعة: الدخان، دخان يملأ الدنيا، ويكون شديداً على الكافر، ويكون على المؤمن كالزكمة في أنفه، والدجال الذي يدعو الناس إلى نفسه بأن يعبدوه فيتبعه اليهود والمنافقون، ويرى المؤمن مكتوباً على جبينه: كافر، أيضاً الدابة، وهي دابة تكلم الناس: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82] كما مر في سورة النمل، فالله سبحانه وتعالى يخبرنا عن هذه الدابة أنها تكلم الناس: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82]، والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن الدابة تسم الناس، فهي تجري وراء كل إنسان وتسمه على جبينه: هذا كافر وهذا مؤمن، وانتهى الأمر على ذلك، المؤمن يعيش يناديه الناس: يا مؤمن! اذهب يا مؤمن، تعال يا مؤمن، هات كذا، والكافر يناديه الناس: يا كافر! اعمل كذا، يا كافر هات كذا، ويختم على ذلك الكافر، فهو كافر لا ينتفع بموعظة ولا بشيء، ويظل على ذلك حتى يموت.يقول هنا في الحديث: (وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق) يعني: الأرض تخسف بمن عليها، (وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب) يعني: تحصل زلازل عظيمة جداً ويخسف بالناس في هذه المواضع الثلاث.قوله: (ونزول عيسى، وفتح يأجوج ومأجوج) إذا خرج الدجال ينزل المسيح عيسى بن مريم من السماء فيقتله، ويحقق العدالة على الأرض التي يريدها الله سبحانه وتعالى، ويحكم بهذا القرآن العظيم، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل الجزية أي: لا يقبل إلا الإسلام فقط، فيصير الناس مؤمنين طيبين. يقول هنا صلى الله عليه وسلم: (ونار تخرج من قعر عدن) من عدن تخرج نار تسوق الناس إلى أرض المحشر يعني: من عدن من اليمن إلى بلاد الشام، من الجنوب إلى الشمال، نار تسوق الناس ولا يقدرون أن يطفئوا هذه النار مهما أوتوا من قوة ومن آلات ومياه وغيرها، لا يقدرون على إطفائها إنما يفرون منها وهي وراءهم تجري معهم ليل نهار من اليمن إلى أن يصلوا إلى بلاد الشام.
 

شرح حديث: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها...)
أيضاً من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الذي في صحيح مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض) يعني: جمع لي الأرض، ثم قال: (فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) يعني: ما جمعه الله عز وجل لي ورأيته لابد وأن يكون، لأن الله لا يخلف الميعاد سبحانه، ثم قال: (وإني أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) يعني: أعطى أمته، وإلا فهو قد مات صلى الله عليه وسلم قبل أن ينال من الدنيا شيئاً من كنوزها عليه الصلاة والسلام، وإنما يفتح الله لهذه الأمة ويعطيها ويمكن لها في الأرض، ثم قال: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) يعني: أنه صلى الله عليه وسلم دعا ربه سبحانه ألا يهلك المسلمين بسنة عامة، يعني: جميع المسلمين وإلا ففي بلاد المسلمين حصلت مجاعات خلال القرون السابقة، كانت تجيء على أهل مصر مجاعة كانوا يأكلون الكلاب ويأكلون لحوم الميتة، والذي يقرأ في التاريخ يعرف كيف أننا أصبحنا في نعم من الله سبحانه وتعالى، ففي بلادنا هذه يذكر الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء وغيرهما من الكتب وغيره من العلماء أنه حصلت مجاعات في هذه البلاد كان الناس يأكلون فيها كل شيء، ووصل ثمن حفنة القمح بمثلها من الذهب، كانوا يخرجون الدر والياقوت حتى يأخذوا مكانه قمحاً بنفس المقدار! وهذه المجاعات أكل فيها الناس الكلاب وأكلوا كل شيء، حتى كان الرجل يموت فلا يصلون بجثته إلى المقابر إلا وقد تخاطف الناس الجثة وأكلوها، ويذكر علماء التاريخ من ذلك أنه في مجاعة من هذه المجاعات خرج قاضي البلد على بغلة له ومعه حراسه، وتركوا البغلة في مكان، وذهب القاضي للقضاء، فالناس سرقوا البغلة وأكلوها، نسأل الله العفو والعافية! فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا ربه ألا يهلك المؤمنين بسنة عامة يعني: ألا يعمهم عذاب من عند الله عز وجل ويمنع عنهم المطر ويمنع عنهم الخير ويموت الجميع، فليس يحدث هذا الشيء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دعا ربه بألا يكون ذلك، ولكن قد يحدث في بعض البلدان ذلك.ودعا صلى الله عليه وسلم: (ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) وربنا سبحانه أجاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها) يعني: ليس يكون ذلك ما داموا متمسكين بكتاب الله عز وجل، وما داموا متآلفين متحابين فيما بينهم، ثم قال له ربه: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً) يعني: أن يقاتل المسلمون بعضهم بعضاً، طمعاً في الدنيا وحباً للملك، إذا حصل ذلك سأسلط عليهم أعداءهم، وهذا هو الحاصل في المسلمين، لما بغى المسلمون بعضهم على بعض، وتركوا كتاب الله عز وجل وراء ظهورهم، وتنازعوا وتناحروا على الدنيا؛ إذا بالله عز وجل يتركهم، فيتسلط عليهم أعداؤهم، وهذا الوعد الحق من أشراط الساعة. إذاً: الله لا يرفع عن هذه الأمة العذاب العام، وإنما يجعل بأسهم بينهم إذا هم نسوا دين الله عز وجل، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم إلا إذا تسلط بعضهم على بعض، حينها يسلط عليهم أعداءهم.
 بقاء الطائفة المنصورة على الحق إلى قيام الساعة
يقول صلى الله عليه وسلم: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) فهذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق، والوعد الصدق الذي يخبر به، فالله سبحانه لا ينطمس نوره عن الدنيا بالكلية، لا يكون أبداً، لابد وأن تكون طائفة في كل زمان تعرف الحق الذي يريده الله سبحانه، وتدعو الناس إليه، حتى تقوم الساعة وهم على ذلك متمسكين بدين الله عز وجل.نسأل الله أن يجعلنا من هذه الطائفة المنصورة، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفر والمشركين.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة محمد الآية [18] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net