اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنبياء [83 - 85] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة الأنبياء [83 - 85] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
قص الله عز وجل علينا في كتابه قصص أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وكذلك قص علينا نبينا صلى الله عليه وسلم قصصهم لتكون زاداً لنا في عبادتنا لله عز وجل، وفي الدعوة إليه، وفي الاقتداء بهم، فقد كانوا صلوات الله وسلامه عليهم لا تبطرهم النعم، ولا تيئسهم المصائب والابتلاءات، بل كانوا صابرين لأمر الله في جميع أمورهم وأحوالهم، ومن هؤلاء الأنبياء الذين قص الله علينا قصصهم أيوب عليه السلام، فقد ابتلي في جسده وماله وولده وأهله، فصبر لأمر الله، فرفعه الله في الدنيا والآخرة.
تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر ...)

 بيان أن من الأدب عدم نسبة الشر إلى الله
قال الله تبارك وتعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء:83]. وهذا فيه غاية الأدب، فهو لم يقل: مسستني بضر، أو أنزلت بي الضر، والله عز وجل هو الذي يخلق الخير والسقم والبلاء.والله سبحانه وتعالى ينزل على عبده ما يشاء سبحانه، ولكن من الأدب مع الله أن ينسب العبد النعمة والخير إليه سبحانه، وهو الفاعل لكل شيء سبحانه، فيقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الخير بيديك، والشر ليس إليك) فالخير من عند الله سبحانه، وهو الذي خلق الخير وغيره، ولكن الأدب مع الله سبحانه أن ينسب العبد البلاء إلى نفسه، كما قال إبراهيم: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:78-80] وهو الذي أمرضه، ولكنه تأدب مع الله سبحانه وتعالى، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:80] فلم ينسبه إلى الله، وإن كان الله عز وجل هو الذي يشفيه، وهو الذي يمرضه سبحانه وتعالى.وهنا سيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام قال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء:83] وهذه قراءة الجمهور. وقرأها حمزة : (أني مسنيْ الضر وأنت أرحم الراحمين). فبعد ثماني عشرة سنة طلب من ربه سبحانه أن يكشف عنه البلاء.مما جاء في الآثار: أن أصحاب أيوب عليه الصلاة والسلام جاءوا إليه فقالوا له: ذلك أنك أذنبت ذنباً لا يعلمه إلا الله عز وجل، قال: فكان أشد ما كان عليه سوء الظن، فسجد لله عز وجل ونادى ربه وقال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] فكشف الله عز وجل عنه ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ...)

 نعمة الله على أيوب بعد شفائه
قال تعالى: وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أولاداً آخرين. قال تعالى: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا [الأنبياء:84] فرحمناه وكشفنا ما به وأعطيناه، ورحمنا زوجته فأمرناه ألا يحنث وأن يضربها ضربة واحدة.قال تعالى: وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84] أي: حتى يتذكر كل إنسان عابد لله سبحانه رحمة رب العالمين الواسعة، وأنه الذي يستجيب لمن يدعوه كما قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:62]. لا إله إلا الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن أيوب: (إن أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام بينما كان يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثوه في ثوبه، فناداه ربه سبحانه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟) يعني: ألم أعطك أندر ذهب وأندر فضة، وحاشا لأيوب أن يكون طماعاً، وهو نبي معصوم، وإنما هو أدب الأنبياء. وقد قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) ولو أن إنساناً ذهب إلى إنسان غني وكبير وأعطاه شيئاً من الصدقة فقال له: لا أريد، لكان ردها قبيحاً، وحينئذ يشعر المعطي بالضيق لرفضه، وكلما ازداد قدره ومقامه كان الرفض أوجع له. ولله عز وجل المثل الأعلى، ولا شيء يناله سبحانه وتعالى من عبده، قال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37]، فلما أنزل الله على أيوب هذا الجراد من الذهب ابتلاء له، ونظراً لما يصنع قبل صدقة ربه عليه، فسأله الله ممتحناً له ومختبراً: (ألم أكن أغنيتك عن هذا؟ قال: بلى؛ ولكن لا غنى لي عن بركتك). فهنا منه تأدب في الأخذ وتأدب في الجواب صلوات الله وسلامه عليه، فذكره الله عز وجل في هذه الآيات وفي غيرها.
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ...)

 قصة بناء إبراهيم للبيت مع ابنه إسماعيل وقصة الذبح
فأتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام يوماً وقال لإسماعيل: (إن الله أمرني بأمر، قال: فامض إلى ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأفعل. قال: أمرني أن أرفع القواعد من البيت، فأعانه إسماعيل فرفعا القواعد من البيت، ثم رجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر الله عز وجل. وبعد فترة أوحى الله إليه رؤيا منامية: أن اذبح ولدك، وقد كان إبراهيم في كل حين ينظر إلى ابنه بأنه لم يربه وتركه في هذا المكان، فذهب إليه وقال: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102] فلم يقل له: هذه أضغاث أحلام وهرب منه، فهو يعلم أن أباه نبي من عند الله سبحانه، وأن هذا وحي من الله. فقال: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102] أي: أصبر لذلك. وعندما أراد أن يذبحه طلب منه إسماعيل أن يلقيه على وجهه حتى لا ينظر إليه وهو يذبحه. فلما كاد أن يذبحه نزل أمر الله عز وجل: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:104-107]. فكان بلاءً بيناً عظيماً للإثنين، لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وابنه إسماعيل، فكان إسماعيل صابراً، فذكره الله عز وجل من الصابرين.وكذلك إدريس على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكذلك ذو الكفل قال تعالى: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء:85] .فكل واحد من هؤلاء صبر لأوامر الله عز وجل، فمدحهم الله تبارك وتعالى.وقد رفع الله إدريس مكاناً علياً في السماء الرابعة، وقد قيل إنه كان قبل نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقيل: بل كان بعده، فالله أعلم. فالغرض: أنه ابتلاه الله سبحانه تبارك وتعالى، فصبر لأمر الله سبحانه، فرفعه الله بصبره مكاناً علياً.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنبياء [83 - 85] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net