اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الشعراء [192 - 209] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة الشعراء [192 - 209] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
من سنن الله عز وجل في خلقه أنه إذا أرسل إليهم رسولاً يدعوهم إلى توحيده فكذبوه أن يهلكلهم، ويجعلهم عبرة لمن يأتي خلفهم، ولما كذب مشركو قريش وأهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجهم الله بأن جعل من علمائهم من يعترف بحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذكره في الكتب السابقة، فلا عذر لهم إن نزل بهم العذاب وأتاهم ما يوعدون.
سنة الله في إرسال الرسل وإهلاك من كذبهم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله عز وجل في سورة الشعراء: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:192-204].ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة قصص السابقين ممن أرسل إليهم رسله، وهداهم بدعوته سبحانه إلى الحق، فأبى أكثرهم إلا الإعراض عن رسل الله، والتكذيب بدعوتهم، فإذا به سبحانه يرينا فيهم الآيات، ويختم كل قصة من هذه القصص بقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:8].
 إهلاك قوم لوط وقوم شعيب
لقد ذكر الله عز وجل قوم لوط الذين أتوا الفواحش العظيمة، واستهانوا برسولهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأرادوا طرده ورجمه، فابتلاهم الله سبحانه بأن عذبهم وأهلكهم، قال الله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم:53-55]، وختم هنا في هذه السورة بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9].ثم ذكر قوم شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم أهل مدين الذين طلبوا من نبيهم أن يرسل عليهم كسفاً من السماء، أي: قطعاً من السماء، فإذا بالله ينزل عليهم عذابه من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون، فجاءتهم ظلة من فوقهم أظلتهم فظنوا أن فيها الرياح الطيبة والبرودة، وقد قاسوا من الحر سبعة أيام، فاستظلوا بهذا الظل جميعهم، فلما تتاموا تحته إذا بصيحة من السماء ورجفة من الأرض، وإذا بالظلة تمطر عليهم عذاباً وناراً وسموماً، فأهلكهم الله سبحانه، وختم في المرة الأخيرة بقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9].وقد كرر الله عز وجل وراء كل آية من آيات هذه السورة قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9]، فكان مجموع تكرارها ثمان مرات، والمعنى: أن الله عزيز غالب، وعزته وجبروته سبحانه وتعالى على الكافرين، حيث دمرهم أجمعين، ورحمته ورأفته وحنانه على المؤمنين، فجمع سبحانه بين الصفتين: عزيز وبهذه العزة أهلك الكافرين، ورحيم وبهذه الرحمة أنجى المؤمنين، وقد جمع لنا هذا كله في هذا الكتاب العزيز المنزل من عنده.
القرآن منزل من عند الله على رسوله بواسطة جبريل
حسن الختام لهذه السورة الكريمة العظيمة هو قول الله عز وجل لنا: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:192]، فبعد أن قص علينا هذه القصص العظيمة، وأرانا هذه الآيات، عرفنا أن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو كلام رب العالمين سبحانه.وقد عرف أهل الكتاب ذلك؛ لأن هذه القصص ما كان يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، وقد كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعون منه بعض هذه القصص فيتعجبون؛ بسبب إحاطته بتفاصيلها على الرغم من أنه لم يخرج خارج مكة صلى الله عليه وسلم ليتعلم علماً، ولم يجالس أحداً من أهل الكتاب، وقد يذكر تفصيلات دقيقة لا يعرفها الكثيرون من أهل الكتاب، فيقول الله عز وجل لهؤلاء ليسكتهم: لا تعجبوا: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:192] أي: إن هذا القرآن جاء من عند رب العالمين سبحانه، فقد نزله تنزيلاً، ولم يأت من عند أحد غيره.قال الله عز وجل: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:193] أي: أن هذا القرآن نزله ربنا سبحانه على نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الروح الأمين، ووصفه الله عز وجل بهذه الصفة؛ لأنه روح خلقها الله سبحانه وتعالى، وهو أمين كما أن الرسل من أهل الأرض أمناء، فكل رسول منهم يقول لقومه: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:107]، فكذلك هذا الروح الأمين رسول من رب العالمين إلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وهو أمين بشهادة رب العالمين سبحانه هذه.وهذا القرآن نزله الله تنزيلاً، وتنزيلاً: مصدر من نزل، فهو تنزيل من عند رب العالمين، وهذا فيه إثبات لعلو الله تعالى.وفي هذه الآية قراءات: قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم وهم يقرءونها: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:193]، وباقي القراء يقرءونها بالتضعيف: ( نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ) أي: نزل الله عز وجل بهذا القرآن من السماء، أما نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:193] على القراءة الأولى فهو جبريل عليه السلام. وقد أنزل الله القرآن كله إلى بيت العزة في السماء في ليلة القدر، ثم نزل من بيت العزة إلى الأرض بأمر الله سبحانه لجبريل أن ينزل بآية كذا في الوقت الفلاني، وسورة كذا في الوقت الفلاني، وبكلمة من سورة كذا في الوقت الفلاني، فينزل القرآن بحسب ما يحتاج إليه الناس، فهم يحتاجون إلى أحكام ومواعظ، فينزل الله سبحانه جبريل بما يحتاجونه. قال الله تعالى: عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:194] أي: نزل هذا القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم وليس على أحد سواه، فوعاه قلبه صلوات الله وسلامه عليه وحفظه، فلما كان صلى الله عليه وسلم يطلب من جبريل أن يزوره أكثر مما يزوره، وينزل عليه بالقرآن أكثر مما ينزل عليه من قبل أخبره الله سبحانه وتعالى في القرآن عن ضابط نزول جبريل عليه فقال: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] أي: أن ربك لم ينسك، ومَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3]، ولكن ينزل بقدر، وكل شيء عنده بمقدار، فيعلم سبحانه متى ينزل هذه السورة، ومتى ينزل هذا الحكم، ومتى ينزل هذه الآية، فكل شيء بقدر عند رب العالمين سبحانه.وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ مع جبريل عندما يأتيه بالقرآن؛ حتى لا ينسى، فإذا بالله يعلمه أدب السماع، وذلك بأن ينصت ولا يتكلم، قال سبحانه: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17] أي: نحن الذين نحفِّظك، ونحن الذين ننسيك ما نريد من ذلك، قال الله عز وجل: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106]، فالله هو الذي يحفظ نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاج إلى معالجة الحفظ، بل يستمع لما يقوله جبريل ولا يحرك به لسانه: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:15-18] أي: إذا قرأه جبريل عليه السلام عليك، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19] أي: نحن نبين لك هذا العلم العظيم، وما عليك إلا أن تصغي وتعطينا قلبك وأذنك، ونحن نملؤهما من علمنا. قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:193-194] فهو منذر، وهو بشير أيضاً، كما قال سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فاطر:24]، والنذارة والبشارة إخبار، ولكن البشارة إخبار بما يسر، وقد يكون فيها ما يسوء، ولكن الغالب أنها إخبار بما يسر. والنذارة: الإخبار بما يخيف، وهو التوعد والوعيد، فهنا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالاثنين: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24]، فأرسلناك بهذا الحق الذي نزل من السماء بشيراً لمن آمن أن له الجنة، ونذيراً لمن كفر بالله أن عليه العذاب يوم القيامة. قوله: لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:194] أي: تخوف وتتوعد هؤلاء المشركين الكفار الذين أبوا إلا العصيان تتوعدهم بالنار في الآخرة، وبالقتل في الدنيا، ولذلك لما كان أهل مكة يؤذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويسخروا منه كان يقف لهم عند الكعبة صلوات الله وسلامه عليه ويقول: (ألا تسمعون: والله لقد جئتكم بالذبح)، فيقومون من أماكنهم خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم، فبعد أن استهانوا واستهزءوا به وهو يطوف بالبيت إذا بهم يلينون له، ومنه يخافون، ويقولون: (انصرف أبا القاسم فلست بالسفيه). فجاء صلى الله عليه وسلم ليبشر المؤمنين، وينذر العصاة والمشركين بهذا القرآن العظيم بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]. وقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:192] أي: هذا الكتاب من عند رب العالمين: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء:193] أي: جاء به جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، فألقاه عليه فحفظه النبي صلى الله عليه وسلم، فأدخله الله قلبه عليه الصلاة والسلام.
 القرآن نزل باللسان العربي
قال الله تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195] أي: أن هذا الإنذار بلسان عربي مبين؛ لأن لسان النبي صلى الله عليه وسلم لسان عربي، فالقرآن نزل بلسان العرب، فلو أن القرآن نزل بلسان أعجمي، أو جاء الرسول أعجمي والقرآن عربي لقالوا: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت:44]، فسوف يتحيرون في هذا الأمر، وينكرون كون الكلام عربياً ولسان رسولنا أعجمياً، أو العكس من ذلك، فالله سبحانه وتعالى أخبر أن الرسول عربي، وأن القرآن عربي: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195] والمنطوق به هنا هو أن هذا القرآن بلسان عربي مبين، وفيه إشارة إلى أن هناك كتباً أخرى لم تكن باللسان العربي، فالكتب التي كانت قبل ذلك كانت بألسنة قومها من سريانية وغيرها، لكن القرآن نزل باللسان العربي الذي ينطق به هؤلاء، ويعجزهم الله عز وجل به.
ذكر النبي الكريم والقرآن العظيم في الكتب السابقة
قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196]، فالضمير في (إنه) قد يعود إلى القرآن الذي ذكر قبل ذلك، أو إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا حق وذاك حق. والزبر: جمع زبور، وهي الكتب، والمزبور بمعنى المكتوب، والزبْر الكتابة والتنقيش، فزبر الأولين: هي كتب الأولين السابقة كالتوراة والإنجيل، وقد أخبر الله عز وجل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الكتاب الذي يأتي به. وقد عرف أهل الكتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عبد الله ورسوله، وأنه سماه المتوكل، وأنه ليس بفظ ولا غليظ، فقول الله عز وجل لرسوله في كتابه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:45-46] قد ورد مثله عند أهل التوراة، كما قال ابن سلام وكعب الأحبار : نجد ذلك عندنا في التوراة: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق. أرسلناك لنهدي بك قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً)، فهذا كله عند أهل التوراة، وقد أخبر بذلك من أسلم منهم بعد ذلك كـعبد الله بن سلام وكعب الأحبار رضي الله عنهما.فهنا ربنا يخبرنا أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجود عند أهل التوراة وعند أهل الإنجيل: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء:196].كما أخبر الله عز وجل أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:157]، فالرسول صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، ولكن أهل التوراة والإنجيل يأتون بالتوراة والإنجيل ويقولون: لا يوجد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن التوراة والإنجيل لم تكن بلسان العرب، فقد نزلت باللغة القديمة التي كانت شائعة عندهم وهي اللغة السريانية، ثم ترجموها بعد ذلك وحرفوها فألغوا منها ما أرادوا، فألغوا ذكر محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك من يطلع على الكتب القديمة بلغتها يجد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيها. وقد أخبرني أحد إخواننا الدكاترة الذين كانوا يحضرون رسالة الدكتوراة في اللغات القديمة أنه ذهب إلى الفاتيكان لإتمام دراسة الدكتوراة، وهنالك اطلع على مخطوطة للتوراة، فوجد فيها ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه بلغتهم، ولكن المترجم منها إلى الإنجليزية أو العربية أو الإسبانية أو الفرنسية ليس فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.ونحن لا يعنينا أن نجد هذا في كتبهم أو لا نجده؛ لأننا نصدق كلام رب العالمين، فربنا يقول: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:157]، فأخبرنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وأنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ [الأعراف:157].
 حيل اليهود في إخفاء الحق الذي يعرفونه
إن الله عز وجل يخبرنا هنا بقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: دعك من هؤلاء الجهلة الذين لا يقرءون ولا يكتبون، ولذلك لما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة في مدراسهم وهم جالسون في كنيستهم سألهم عن الرجم -وقد أتوه برجل وامرأة قد زنيا-: (أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا)، فأما أهل العلم منهم فيعرفون، وأما الأغلبية منهم فجهلة لا يقرءون؛ لأن كتابهم بلغة غير لغتهم، وهم لا يقرءون لا بلغتهم ولا بلغة غيرهم، وإنما يعتمدون على من يقرأ في التوراة، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم الرجم مما لم يحرفوه في التوراة، فإنهم قد حرفوا أشياء لكن حكم الرجم هذا لم يحرفوه، قال تعالى: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] أي: هاتوا التوراة واتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يضع يده على الآية التي فيها الرجم ويقرأ ما قبلها وما بعدها؛ حتى لا يراها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا برجل ممن معه يقول: ارفع يدك واقرأ الذي تحت يدك، فرفع يده فقرأها، فبهت القوم لما سمعوا ذلك.وهذا من إفكهم وكذبهم على الله سبحانه، فقارئهم يضع يده على آية في كتاب الله وهو من كبرائهم، فإذا كان قارئ التوراة يفعل ذلك فكيف بباقي هؤلاء أولاد القردة والخنازير لعنة الله عليهم؟!فالله عز وجل يخبرنا أن علماءهم يعرفون ذلك تماماً فيقول: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: أن يعلموا أن هذا القرآن كلام رب العالمين، وأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله.قال سبحانه: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ [الشعراء:198] أي: هذا الوحي وهذا القرآن العظيم، عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ [الشعراء:198] كما يدعون، فقد كانوا يدعون أن غلاماً أعجمياً هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون: إن رجلاً اسمه رحمن موجود في اليمامة هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنهم كذابون في ذلك، وأن ما ادعوه غير موجود، فيقول الله سبحانه -يخاطب عقولهم لو كانوا يفهمون-: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:198-199] أي: إذا كان بالغة العربية فلا يريدون أن يؤمنوا، أو باللغة الأعجمية فسيقولون: نحن لا نفهم ماذا يقول، فلا يؤمنون به.
طبع الله على قلوب المجرمين فلا يؤمنون حتى يروا العذاب
قال الله عز وجل: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:200] أي: كأمثال هؤلاء المجرمين سلكنا في قلوبهم الكفر والتكذيب والجدل بالباطل، كما تقول: سلكت الخيط في الخرز، أي: أدخلته بداخلها، فأنت عندما تخرز السبحة والعقد فإنك تدخل الخيط في الثقوب الموجودة فيها، وكأن هذا الكفر انسلك بداخل قلوب هؤلاء، فلا يخرج من قلوبهم.قال الله تعالى: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الشعراء:201] أي: لا يؤمنون ولا يصدقون إلا أن يروا عذاباً كعذاب الأمم السابقة، وفي هذه الحالة يندمون حين لا ينفع الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم، فلا ينفعهم شيء إذا آمنوا حين يأتيهم العذاب. قال سبحانه: فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الشعراء:202] أي: فإذا جاءهم العذاب فإنه يأتيهم فجأة فينزل عليهم وهم لا يشعرون، فإذا جاء العذاب يقولون: هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ [الشعراء:203] أي: يطلبون النظرة، وطالما أنهم يطلبون الانتظار فلماذا لم يسلموا ويتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم؟!
 حيل اليهود في إخفاء الحق الذي يعرفونه
إن الله عز وجل يخبرنا هنا بقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: دعك من هؤلاء الجهلة الذين لا يقرءون ولا يكتبون، ولذلك لما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة في مدراسهم وهم جالسون في كنيستهم سألهم عن الرجم -وقد أتوه برجل وامرأة قد زنيا-: (أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا)، فأما أهل العلم منهم فيعرفون، وأما الأغلبية منهم فجهلة لا يقرءون؛ لأن كتابهم بلغة غير لغتهم، وهم لا يقرءون لا بلغتهم ولا بلغة غيرهم، وإنما يعتمدون على من يقرأ في التوراة، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم الرجم مما لم يحرفوه في التوراة، فإنهم قد حرفوا أشياء لكن حكم الرجم هذا لم يحرفوه، قال تعالى: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] أي: هاتوا التوراة واتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يضع يده على الآية التي فيها الرجم ويقرأ ما قبلها وما بعدها؛ حتى لا يراها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا برجل ممن معه يقول: ارفع يدك واقرأ الذي تحت يدك، فرفع يده فقرأها، فبهت القوم لما سمعوا ذلك.وهذا من إفكهم وكذبهم على الله سبحانه، فقارئهم يضع يده على آية في كتاب الله وهو من كبرائهم، فإذا كان قارئ التوراة يفعل ذلك فكيف بباقي هؤلاء أولاد القردة والخنازير لعنة الله عليهم؟!فالله عز وجل يخبرنا أن علماءهم يعرفون ذلك تماماً فيقول: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: أن يعلموا أن هذا القرآن كلام رب العالمين، وأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله.قال سبحانه: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ [الشعراء:198] أي: هذا الوحي وهذا القرآن العظيم، عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ [الشعراء:198] كما يدعون، فقد كانوا يدعون أن غلاماً أعجمياً هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون: إن رجلاً اسمه رحمن موجود في اليمامة هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنهم كذابون في ذلك، وأن ما ادعوه غير موجود، فيقول الله سبحانه -يخاطب عقولهم لو كانوا يفهمون-: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:198-199] أي: إذا كان بالغة العربية فلا يريدون أن يؤمنوا، أو باللغة الأعجمية فسيقولون: نحن لا نفهم ماذا يقول، فلا يؤمنون به.
استعجال الكافرين للعذاب
يقول الله تعالى: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] أي: إنهم يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم العذاب، وليس عذاب البشر إنما هو عذاب رب العالمين سبحانه، فقد كانوا جهلة، ومن جهلهم: أنهم يقولون: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16] أي: يا الله! نريد العذاب الآن قبل يوم القيامة، وهذا دليل على جهل هؤلاء، فالعاقل لا يطلب من ربه هذا الشيء، وقد أعمى الله أبصارهم بل بصائرهم فلم يفقهوا ولم يفهموا حتى ما يقولون، فالدعاء الذين يدعونه لم يفهموه، ولعلنا سمعنا أن دعاءهم في يوم بدر هو: اللهم أهلك أقطعنا للرحم، أي: الذي يقطع الرحم، يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] أي: أنا أريد أن أصل الرحم الذي بيني وبينكم، وهم يقولون: هو أقطعنا للرحم، صلوات الله وسلامه عليه. ومن دعائهم كذلك قولهم -كما حكى الله عنهم-: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، فيدعون بدعاء لا يقوله إلا إنسان غافل غبي لا يفهم ما يقول، فبدلاً من أن يقولوا: أرشدنا إلى الحق واهدنا إليه، يقولون: إذا كان هذا حق فأنزل علينا عذاباً من عندك.قال الله سبحانه عن هؤلاء: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ [الشعراء:204-206] أي: لو تركناهم يتمتعون ويأكلون ويشربون ويلبسون ويتزوجون سنين طويلة، وفي النهاية جاءهم الموت: ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ [الشعراء:206]، فهل أغنى عنهم هذا المتاع الذي تمتعوه؟ وهل أغنى عنهم طعامهم وشرابهم وقصورهم وبيوتهم؟ فلو كانت تغني لأغنت عن السابقين، ولكن: مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:207].
 حيل اليهود في إخفاء الحق الذي يعرفونه
إن الله عز وجل يخبرنا هنا بقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: دعك من هؤلاء الجهلة الذين لا يقرءون ولا يكتبون، ولذلك لما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة في مدراسهم وهم جالسون في كنيستهم سألهم عن الرجم -وقد أتوه برجل وامرأة قد زنيا-: (أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا)، فأما أهل العلم منهم فيعرفون، وأما الأغلبية منهم فجهلة لا يقرءون؛ لأن كتابهم بلغة غير لغتهم، وهم لا يقرءون لا بلغتهم ولا بلغة غيرهم، وإنما يعتمدون على من يقرأ في التوراة، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم الرجم مما لم يحرفوه في التوراة، فإنهم قد حرفوا أشياء لكن حكم الرجم هذا لم يحرفوه، قال تعالى: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] أي: هاتوا التوراة واتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يضع يده على الآية التي فيها الرجم ويقرأ ما قبلها وما بعدها؛ حتى لا يراها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا برجل ممن معه يقول: ارفع يدك واقرأ الذي تحت يدك، فرفع يده فقرأها، فبهت القوم لما سمعوا ذلك.وهذا من إفكهم وكذبهم على الله سبحانه، فقارئهم يضع يده على آية في كتاب الله وهو من كبرائهم، فإذا كان قارئ التوراة يفعل ذلك فكيف بباقي هؤلاء أولاد القردة والخنازير لعنة الله عليهم؟!فالله عز وجل يخبرنا أن علماءهم يعرفون ذلك تماماً فيقول: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: أن يعلموا أن هذا القرآن كلام رب العالمين، وأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله.قال سبحانه: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ [الشعراء:198] أي: هذا الوحي وهذا القرآن العظيم، عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ [الشعراء:198] كما يدعون، فقد كانوا يدعون أن غلاماً أعجمياً هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون: إن رجلاً اسمه رحمن موجود في اليمامة هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنهم كذابون في ذلك، وأن ما ادعوه غير موجود، فيقول الله سبحانه -يخاطب عقولهم لو كانوا يفهمون-: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:198-199] أي: إذا كان بالغة العربية فلا يريدون أن يؤمنوا، أو باللغة الأعجمية فسيقولون: نحن لا نفهم ماذا يقول، فلا يؤمنون به.
الهلاك يكون بعد الإنذار
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208] أي: إننا أنذرنا السابقين فلما لم يستجيبوا جاءهم العذاب، وكذلك ننذر هؤلاء، وهذه ذكرى من الله رب العالمين: وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209]، وقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر، فقد أنذرهم الله وأعطى لهم الإعذار، فأرسل إليهم رسوله صلوات الله وسلامه عليه. فإن يؤمنوا فهو خيرٌ لهم، وإن يكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض.نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 حيل اليهود في إخفاء الحق الذي يعرفونه
إن الله عز وجل يخبرنا هنا بقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: دعك من هؤلاء الجهلة الذين لا يقرءون ولا يكتبون، ولذلك لما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة في مدراسهم وهم جالسون في كنيستهم سألهم عن الرجم -وقد أتوه برجل وامرأة قد زنيا-: (أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا)، فأما أهل العلم منهم فيعرفون، وأما الأغلبية منهم فجهلة لا يقرءون؛ لأن كتابهم بلغة غير لغتهم، وهم لا يقرءون لا بلغتهم ولا بلغة غيرهم، وإنما يعتمدون على من يقرأ في التوراة، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم الرجم مما لم يحرفوه في التوراة، فإنهم قد حرفوا أشياء لكن حكم الرجم هذا لم يحرفوه، قال تعالى: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] أي: هاتوا التوراة واتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يضع يده على الآية التي فيها الرجم ويقرأ ما قبلها وما بعدها؛ حتى لا يراها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا برجل ممن معه يقول: ارفع يدك واقرأ الذي تحت يدك، فرفع يده فقرأها، فبهت القوم لما سمعوا ذلك.وهذا من إفكهم وكذبهم على الله سبحانه، فقارئهم يضع يده على آية في كتاب الله وهو من كبرائهم، فإذا كان قارئ التوراة يفعل ذلك فكيف بباقي هؤلاء أولاد القردة والخنازير لعنة الله عليهم؟!فالله عز وجل يخبرنا أن علماءهم يعرفون ذلك تماماً فيقول: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] أي: أن يعلموا أن هذا القرآن كلام رب العالمين، وأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله.قال سبحانه: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ [الشعراء:198] أي: هذا الوحي وهذا القرآن العظيم، عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ [الشعراء:198] كما يدعون، فقد كانوا يدعون أن غلاماً أعجمياً هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون: إن رجلاً اسمه رحمن موجود في اليمامة هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنهم كذابون في ذلك، وأن ما ادعوه غير موجود، فيقول الله سبحانه -يخاطب عقولهم لو كانوا يفهمون-: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:198-199] أي: إذا كان بالغة العربية فلا يريدون أن يؤمنوا، أو باللغة الأعجمية فسيقولون: نحن لا نفهم ماذا يقول، فلا يؤمنون به.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الشعراء [192 - 209] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net