اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القصص [83 - 88] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة القصص [83 - 88] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
يحث الله عباده المؤمنين على المسارعة إلى فعل الخيرات والأعمال الصالحة، فهو سبحانه يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجازي بالسيئة مثلها، ثم يمتن الله على نبيه بالنبوة، حيث إنه لم يخطر بباله أنه سينال النبوة ويعطى الرسالة، فهذا شيء عظيم، ومرتبة كبيرة ذات شرف، ونهاه عن أن يصدق الكافرين، أو يستسلم لصدهم عن سبيل الله، ولا يدعو مع الله إلهاً آخر ما دام أنه علم الدين الحق، وأوتي القرآن، وبعث بالنبوة.
تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض..)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: قال الله عز وجل في وسورة القصص: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:83-88].هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى فيها عن الدار الآخرة، وكيف أنه يجعلها لمن لا يريد علواً في الأرض ولا فساداً، وأن العاقبة الحسنة والجنة العظيمة لمن اتقى الله سبحانه وتعالى.والمناسبة من هذه الآيات أن قبلها قصة فرعون، فذكر الله عز وجل أنه علا في الأرض، واستكبر على من معه فقال: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا [القصص:4]، كذلك تشبه به قارون الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم، فعلا فرعون وهامان وقارون ، فالله عز وجل يقول: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا [القصص:83] أي: لا يطلبون العلو ولا الاستكبار، فأرانا عاقبة الظالمين.فما الذي صنعه فرعون وهامان وجنودهما؟ قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8]، كانوا أصحاب خطيئة، كفروا بالله تبارك وتعالى، وتظاهروا في كفرهم على نبيهم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأرانا الله عز وجل كيف أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأهلكهم وأغرقهم، وجعلهم عبرة وآية للناس، فهؤلاء استكبروا بملكهم ووزاراتهم وجنودهم، وهذا قارون كان من قوم مستضعفين في الأرض، قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [القصص:5-6].ولكن قارون كان من قوم موسى فتعجل البغي والعلو، ولم ينتظر وعد الله وهو الذي كان يقرأ التوراة ويجيد تلاوتها، ولكن الكبر كان في القلب، فمهما نزل من مطر على أرض كانت غير صالحة، أو كانت الأرض صالحة والبذور التي فيها غير طيبة، فإنها تنبت نباتاً غير حسن، والأرض الطيبة يخرج نباتها بإذن ربها، وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف:58].فهذا الإنسان كان خبيثاً في نفسه، فيه علو وكبر في قلبه، فضحه الله وكشف ما فيه وأظهره، فابتلاه بالمال كما ابتلى فرعون بالملك، وابتلى هامان بالوزارة، ففتح عليه من نعمة المال الكثير، فإذا به لا يراعي حق الله سبحانه وتعالى في ماله، وتشبه بفرعون في علوه وفساده، وكاد للنبي موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإذا بالله عز وجل يجعله آية للناس حتى يعتبروا، قال تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ [القصص:81].فالله عز وجل أخبر عن الأمم السابقة فقال: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت:40] إلى أن قال: وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت:40]، فهذان الاثنان هما المذكوران في هذه السورة، ذكرهما الله عز وجل بالتفصيل.عقب الله عز وجل هذه الآيات في نهاية قصة قارون كيف أن المستضعفين الذين تمنوا مكان قارون وماله رأوا آية بأعينهم: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [القصص:82].فتعجبوا من أمر أنفسهم لتهورهم في أمانيهم، حيث تمنوا أن يكون لهم مثل قارون ، فالإنسان يربع على نفسه، ولا يترك لنفسه هواها وعنانها فيتفكر فيما يشاء، ويتمنى ما يشاء، فإذا نظر إلى أهل الفساد لا يتمنى ما مع أهل الفساد؛ لأن العاقبة السيئة على هؤلاء تكون في الدنيا بالخزي، وفي الآخرة بالعذاب العظيم.تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا [القصص:83]، روى الإمام البخاري في صحيحه: (أن امرأة كانت تحمل رضيعها على يدها، فمر بها إنسان ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فإذا بالله ينطق الغلام ويقول: اللهم لا تجعلني مثله، فتتعجب المرأة، ثم يمر أناس بامرأة يضربونها ويقولون: سرقت، وهي تقسم أنها لم تفعل، فتقول: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فيقول: اللهم اجعلني مثلها).مر هذا الإنسان العظيم صاحب المنصب فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، وهو يمص ثديها، فتركه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، لأن هذا الرجل العظيم من المتكبرين ونهايته إلى النار، وهذه المرأة مظلومة، يقولون لها: سرقت ولم تسرق، زنيت ولم تزن، فهي مظلومة فقيرة، فلها عند الله الجنة، فقال: اللهم اجعلني مثلها.فهذا صبي أنطقه الله عز وجل ليري العباد كيف يكون الأمر، فليس كل شيء تراه تفرح به، فإنه قد يضرك في الدنيا العاجلة، ويضرك في الآخرة أكثر، فالمؤمن يرضى ولا يصرف بصره إلى ما متع الله عز وجل به الناس، فيحسد الغير ويكمد نفسه، فهو يرى نفسه مظلوماً، فهذه آخرة الظالمين، فاعتبر هؤلاء وقالوا: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا [القصص:82].لولا أن من الله عز وجل على هؤلاء المؤمنين لخسف بهم، وهذه قراءة حفص عن عاصم ، وقراءة باقي القراء: (لخُسِف بنا)، أي: لفُعل بنا كما فعل بهذا الإنسان: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [القصص:82]، الشأن أنه لا يفلح الكافرون، أو أنهم يتندمون على ذلك ويتوجعون لأنفسهم فيما تمنوه.فيختم الله عز وجل بهذه الآية العبرة، ويجمع هذا كله في القصة كلها، والآن خذوا هذه الموعظة، تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ [القصص:83]، هذه الدار العظيمة في الآخرة وهي الجنة نجعلها للذين لا يريدون علواً -استكباراً- في الأرض، ولا فساداً، لا يريدون أن يكونوا ملوكاً أو وزراء أو رؤساء، لا يريدون أن يكونوا أصحاب غنى فاحش، ولكن يرضون في الدنيا بالقليل كما رضي النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكنياً، واحشرني في زمرة المساكين) ، صلوات الله وسلامه عليه.قال: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا [القصص:83]، ليسوا من المفسدين بترفهم، وليسوا من المفسدين بخطيئاتهم وأفعالهم القبيحة، وَالْعَاقِبَةُ [القصص:83] يعني: الحسنة بالجنة، لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].
 

تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها..)
قال تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [القصص:84]، يقول الله عز وجل مبيناً لنا: إذا أتيت بحسنة فالله يعطيك ما هو أفضل منها، فمن جاء بالحسنة فله خير منها، وعرفنا أن الحسنة تضاعف إلى عشر أمثالها.. إلى سبعمائة ضعف.وأعظم الحسنات مطلقاً قول: لا إله إلا الله.إذا قلنا: لا إله إلا الله، فلا يوجد خير منها، ويكون التفسير على ذلك: من جاء بلا إله إلا الله فيعقبه الخير بسببها، فله الخير العظيم من هذه الكلمة عند رب العالمين سبحانه، فالله ما خلق الخلق إلا لعبادته سبحانه وتعالى، فكلمة التوحيد من أعظم ما يكون.وإذا كانت الحسنات غير كلمة التوحيد فله الحسنة مضاعفة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى.قوله: (ومن جاء بالسيئة) وهذا محمول على عكس معنى الحسنة، فإذا كانت الحسنات هي الأعمال الصالحات، فيكون معنى السيئات: الأعمال الغير الصالحة، وإذا كانت الحسنة لا إله إلا الله فالسيئة التي هي أكبر الكبائر: الكفر بالله والشرك به سبحانه.فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [القصص:84].لا يظلمهم الله عز وجل، ولكن الذي عملوه في الدنيا ينالون الجزاء عليه في الآخرة.
 

تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ...)
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85]. هذه الآية هي الخامسة والثمانون من هذه السورة، وليست الآية مكية ولا مدنية، يعني: لا نزلت في مكة ولا في المدينة، وإن كان الغالب أن يقال: إن السور المكية هي التي نزلت في العهد المكي، فتكون هذه في العهد المكي؛ لأنها نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم في أثناء هجرته إلى المدينة.وذلك أنه لما هاجر خرج إلى أماكن لا يعرفها، فاحتاج إلى دليل يدله على الطريق، فكان معه أبو بكر الصديق ، ومعهما رجل من بني الديل هادياً خريتاً، فسلك بهم طرقاً لا يعرفونها، حتى وصل بهم إلى المدينة، فلما أفلتوا من الكفار مر على طريق يعرفونها بالجحفة، وكأنه صلى الله عليه وسلم تحسر على مكة؛ لأنه يحبها، فالتفت وهو يقول: (إنك لأحب البلاد إلي، ولو لا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)، صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله عز وجل عليه هذه الآية يبشره ويطمئنه أنه سيرجع إليها يوماً من الأيام.إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [القصص:85]، أنزل عليك هذا القرآن وفرض عليك تلاوته وتحصيله.لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85]، سيرجعك مرة ثانية إلى هذه البلدة التي خرجت منها، وهذا وعد الله، ولا يخلف الله الميعاد.فالله عز وجل أرجعه إليها بعد خروجه منها بثمان سنوات صلوات الله وسلامه عليه.قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [القصص:85]، قل لهؤلاء الكفار الذين ذهبوا يسألون ويتحرون، وألغوا عقولهم وصدقوا اليهود وغيرهم، فسألوهم: أنحن على الهدى أم هو على الهدى؟! فإذا باليهود وقد أضلهم الله يقولون: أنتم أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51]، قالوا لهم ذلك كذباً، فالله عز وجل يقول: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [القصص:85]، من معه الهداية من الله سبحانه، ومن الذي هو في ضلال بين واضح وفي تيه، وفي بعد عن الحق.
 

تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب..)
قال تعالى: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ [القصص:86].فهو ما كان يرجو ذلك، ولا خطر على باله عليه الصلاة والسلام أنه سيكون رسولاً، ولكن غيره تمنوا هذا الشيء، فعرفوا أنه سيبعث في هذا الزمان رسول -ويعرف ذلك اليهود- فإذا بهم يتمنون لقاءه وينتظرون بعثته، وبعضهم يلقب نفسه بالراهب، ويذهب ليتعبد من أجل أن تنزل عليه الرسالة، ولكن الرسالة ليست كسباً من الإنسان، وإنما هي وهب من الله سبحانه تبارك وتعالى، فقال له: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا [القصص:86]، أنت لم تكن في يوم من الأيام يخطر على بالك أن تكون رسولاً، إنما الذي كان على باله صلى الله عليه وسلم أن يعبد الله، فكان يتوجه إلى غار حراء في الليالي ذوات العدد يتحنث، ويتعبد لله عز وجل في هذا الغار، حتى جاءه الوحي فجأة وبغتة من غير أن يكون على باله.قال تعالى: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ [القصص:86] كأنه يأتي من بعيد، أي: من السماء من عند رب العالمين، فتتلقاه أنت، فقال: يُلْقَى إِلَيْكَ [القصص:86]، ولم يقل: عليك، وإنما قال إليك، وفرق بين أن (يلقى عليك)، وأن (يلقى إليك)، فيلقى عليك فيكون صعباً عليك تلقيه، ولكن (يلقى إليك) كأنه يعطى إليك بهدوء، فتأخذه وتتلقاه مرحباً وحافظاً له، ومقيماً له، ومحباً له، ولست مع هذا الإلقاء معرضاً، أو لا يكون إلقاءً عنيفاً، وإنما يكون لطيفاً عليك.قال سبحانه: إِلَّا رَحْمَةً [القصص:86] فهذا يناسب قوله سبحانه: يُلْقَى إِلَيْكَ [القصص:86]، فلو قال: (عليك) فإنه لا يناسب الرحمة، وإنما يقول هنا: يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً [القصص:86] يعني: ولكن كان رحمة من ربك أن نزله عليك فألقاه إليك.فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا [القصص:86] أي: معيناً لِلْكَافِرِينَ [القصص:86]، فنهاه، وحاشا له أن يكون معيناً للكافرين، ولكن هذا خطاب له ولأمته بالتبع: لا تعاونوا الكافرين في كفرهم.
 

تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ...)
وَلا يَصُدُّنَّكَ [القصص:87] هؤلاء الكافرون عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ [القصص:87]، أي: وادع إلى التوحيد.قوله: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ [القصص:87]، يحذره ربه سبحانه وتعالى، وكانوا يكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله في سورة الإسراء: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:73-74].فإذاً: هنا المشركون جروا وراء النبي صلى الله عليه وسلم في كيدهم يريدون أن يميلوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن العصمة موجودة: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ [الإسراء:74] فبدأ بذكر العصمة، فإن الله ثبته على الحق فلا يزيغ أبداً، قال له سبحانه: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ [القصص:87]، ادع إلى التوحيد، (ولا تكونن من المشركين) خطاب له ولأمته.
 

تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر ...)
قال تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص:88].أي: احذر أن تتخذ إلهاً غير الله، وحاشا له -وهو المعصوم- أن يعبد غير الله، ولكن إذا كان هذا الوعيد يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى أن يخاف من وعيد الله سبحانه.قال: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ [القصص:88]، ولا بد من الوقوف هنا، فهذا يسمى وقفاً لازماً؛ لأنك لو وصلت أفسدت المعنى، إذاً: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص:88]، وتقف ثم تقول: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [القصص:88] فهذا تقرير منه أنه الإله الواحد، وفيها يجوز المد الطويل -لمن يمد مداً طويلاً- ويجوز القصر، وإن كان أصحاب القصر كـقالون وحفص وأبي عمرو وغيرهم يجوزون في ذلك المد، ويسمونه مد التعظيم، وذلك في كلمة (لا إله إلا الله)، فيمد فيها مداً متوسطاً، حتى ولو كان يقصر في غيرها، ويسمي هذا المد: بمد التعظيم لله سبحانه وتعالى.قال تعالى: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، وقال في سورة الرحمن: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، فعبر بالوجه، وليس معناه أن الوجه يبقى وحده، ولكن الوجه أعظم ما يكون فعبر به، فهو عبر بالبعض عن الكل.فالله سبحانه تبارك وتعالى عندما يقول: إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] معناه التعظيم، ونؤمن بالوجه لله عز وجل، فذكره هنا تعظيماً له، ولذلك يقول الثوري : سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] فقال: إلا جاهه، كما تقول: لفلان وجه في الناس، أي: جاه في الناس، وهذا ليس معناه النفي لوجه الله عز وجل، بل هذا فيه إثبات لوجه الله، ولكن المعنى أنه يعبر بهذا الشيء عن العظمة.فالمعنى: وجهه العظيم وذاته باقية وأما غيره كلهم فسيفنون.قال: لَهُ الْحُكْمُ [القصص:88] وحده لا شريك له، يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] وهذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب : (وإليه تَرجعون). نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وألا يجعلنا من المفسدين في الأرض، وأن يجعلنا من أهل الآخرة.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القصص [83 - 88] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net