اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأحقاف الآية [15] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة الأحقاف الآية [15] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
لقد قرن الله عز وجل طاعة الوالدين بعبادته سبحانه، وهذا يدل على عظم حقهما، فيجب على الابن أن يراعي حقوقهما؛ فإن لهما الفضل بعد الله عز وجل عليه، فهما سبب في وجوده، وأعظم الحق يكون للأم ثم للأب؛ لأن الأم قد عانت في الحمل والولادة والرضاعة معاناة شديدة، وكذلك الأب فقد قام بواجب الإنفاق والرعاية تجاه ولده، فينبغي على الابن طاعة الوالدين والإحسان إليهما وبرهما في حياتهما وبعد مماتها.
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً ...)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.قال الله عز وجل في سورة الأحقاف: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15].ذكر الله هذه الآية من سورة الأحقاف بعدما ذكر سبحانه وتعالى الإيمان والاستقامة فقال: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [الأحقاف:13]، فذكر هنا الوصية بالوالدين، والوصية بالوالدين تكررت في كتاب الله عز وجل في مواضع كثيرة، كقوله سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [النساء:36]، وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ [لقمان:14].وقوله: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8].
 بيان سبب نزول قوله تعالى: (ووصينا الإنسان)
وجاء في الأثر: أن الذي دعا بهذا الدعاء هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فنزلت فيه رضي الله تبارك وتعالى عنه هذه الآية، وقيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص.وقيل: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الوحيد من المهاجرين والأنصار الذي أسلم، وأسلم أبواه، وأسلم أولاده، وأما الباقون فبعضهم أبوه كافر، وبعضهم أمه كافرة، والذي اجتمع له ذلك هو أبا بكر الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولما جيء بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفتح قال: (لو كنتم تركتم الشيخ حتى آتيه) صلوات الله وسلامه عليه؛ وذلك لأنه كان شيخاً كبيراً رضي الله تبارك وتعالى عنه.وأما سعد بن أبي وقاص فقد كانت أمه كافرة، وكانت تحب سعداً جداً، فلما أسلم امتنعت عن الطعام والشراب، وقالت: أليس دينك يوصيك بالوالدين؟ فأنا لن آكل ولن أشرب حتى أموت، فيقال عنك: يا قاتل أمك! ومكثت على ذلك أياماً وليالي لا تأكل ولا تشرب حتى كانوا يفتحون فمها بالقوة ويجعلون فيه الشراب حتى تعيش، فلما فعلت ذلك أثر هذا في نفس سعد رضي الله تبارك وتعالى عنه، واحتار ما الذي يصنع؟ فهو يذكر قول الله سبحانه وتعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ، ثم يذكر قوله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [لقمان:15]، فلذلك سعد قال لأمه: يا أمي! كلي أو لا تأكلي، أما أنا فلن أترك الدين، فعلمت أنه يستحيل أن يرجع، فرجعت إلى طعامها وشرابها. ذكر هذه القصة أو شيئاً منها الإمام مسلم.وذكر سعد رضي الله عنه: أنه نزلت فيه آيات من القرآن منها هذه الآية، قال: (حلفت أم سعد ألا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، وقالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: فمكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له: عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد ، فأنزل الله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي [العنكبوت:8] ، وفيها: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]، فأمره بحسن المصاحبة ومنعه من أن يؤذيها، ولكن لا يطاوعها على ما أرادته من الكفر). والله أعلم.نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأحقاف الآية [15] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net