اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حديث كميل بن زياد للشيخ : أحمد فريد


حديث كميل بن زياد - (للشيخ : أحمد فريد)
إن خير الناس هم القرن الذين بعث فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وذو المناقب والفضائل العظيمة، الذي فجر الله على لسانه ينابيع الحكمة بكلمات الصدق والعلم، ومن جملة تلك الكلمات ما أوصى به كميل بن زياد، فقد جمع له في وصيته ما يحتاج إليه في دينه ودنياه، وحثه على طلب العلم وأوصاه بالعمل به، فرضي الله عنه وأرضاه.
وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لكميل بن زياد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً.ثم أما بعد:روى أبو نعيم في الحلية عن كميل بن زياد قال: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر جعل يتنفس ثم قال: يا كميل بن زياد ! القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه إن هاهنا علماً لو أصبت له حملة، بلى أصبته لقناً، غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً باللذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والادخار، وليس من دعاة الدين، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته، حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، آه آه شوقاً إلى أولئك، وأستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم.فهذا الأثر موقوف على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو من أحسن الآثار معنى، فيقول كميل بن زياد -وهو أحد التابعين-: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي، فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر -أي: صار بالصحراء- قال: يا كميل بن زياد ! القلوب أوعية، فخيرها أوعاها -يعني: أحفظها وأنصحها- احفظ عني ما أقول لك.وهذا يدل طالب العلم على أن الحفظ هو رأس مال طالب العلم، اجتهد في حفظ القرآن وما شاء الله عز وجل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأشعار المستحسنة في الزهد والترغيب في الآخرة، والتزهيد في الدنيا، ومن أقوال السلف ومن الكلمات الطيبة، والآثار الطيبة.(أحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني)، قيل: نسبة إلى الرب عز وجل، وقيل: نسبة إلى التربية، وقالوا: العالم الرباني هو الذي بلغ الذروة في العلم والعمل والتعليم، كما قال عز وجل: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ [المائدة:63].فالأحبار هم العلماء، والربانيون خواص العلماء، الذين وصلوا إلى الذروة في العلم والعمل والتعليم: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79].
 صفات العلماء الربانيين
ثم شرع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في بيان صفات العلماء الربانيين الذين يقومون بحق هذا الدين وبالدعوة إلى هذا الدين، فيقول: اللهم بك لن تخلوا الأرض من قائم لله بحججه لئلا تبطل حجج الله وبيناته.وفيه إشارة إلى الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).فلا بد أن تكون هناك طائفة من الأمة ترفع راية السنة، وتقيم الحجة على عباد الله، وهؤلاء لا يتركون الساحة خالية، بل الله عز وجل يوفق لهم من هو مثلهم، ومن يسير على دربهم، ومن يأخذ علمهم، ومن يتناول الراية منهم، فيقول علي رضي الله عنه: اللهم بك لن تخلوا الأرض من قائم لله بحججه لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدراً.فهم قليل، ولكنهم هم الأعظم عند الله قدراً: بهم يدفع الله عن حججه وبيناته، حتى يودعوها نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر.أي: علموا الدنيا وحقارتها وزوالها وعلموا الآخرة وبقائها: فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، فصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى.فهم مع الناس ينظرون إليهم ولا يرونهم، يسمعون كلامهم ولا يعونه، ولكنهم بقلوبهم يسبحون مع الأرواح العلوية حول العرش.فاستلانوا ما استوعر منه المترفون من طريق الدعوة إلى الله عز وجل لأن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فسلكوا طريق الدعوة وتحملوا الصعاب، وبذلوا لإعلاء دين الله عز وجل.ثم قال: استلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك هم خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، آه آه شوقاً إلى أولئك، وأستغفر الله لي ولك، إن شئت فقم.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حديث كميل بن زياد للشيخ : أحمد فريد

http://audio.islamweb.net