اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - فوائد أحاديث الشفاعة [3] للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - فوائد أحاديث الشفاعة [3] - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
قد يمر المرء بحالة ضعف في الإيمان، فيرتكب معصية، ويضعف أمام وساوس الشيطان، ولكن الله يعلم منه أنه لا يحب الكفر، بل يحب الإيمان، فأنزل الله من النصوص ما يدل على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان أو مسلم، وخالف في ذلك قوم من المبتدعة، فكفروا الناس بالمعاصي، وشفاعة رسول الله للعصاة ترد قول هؤلاء المبتدعة، فهو صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة، ونعمة من الله مسداة.
حكم أهل الكبائر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.ثم أما بعد:ما زلنا مع حديث الشفاعة، وفي الكلام عن المقام المحمود العظيم الذي شرف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، في حين أن كل نبي يقول: نفسي نفسي، ويحيلها على غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا لها، أنا لها)، وفي بعض الروايات يقول: (أمتي أمتي)، وذلك رحمة وشفقة منه صلى الله عليه وسلم كما سنبين، ومن الأحاديث التي أوردها المصنف: ما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة). إن من الفوائد العظيمة في حديث الشفاعة: حكم أهل الكبائر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وفي بعض الروايات: (أنه يستأذن على ربه كثيراً، وكلما دخل على الله استأذن عليه، فسجد فحمد الله بمحامد يعلمه الله إياها ما كان يعلمها وهو في الدنيا، فيحمد الله بها، ويثني عليه بها، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيقول صلى الله عليه وسلم: أمتي أمتي، ثم يأمره الله أن يذهب فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، أو من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، يعني: من أصحاب الكبائر وغيرهم، لكن الأصرح منه قوله عليه الصلاة والسلام: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).فهذه الآية تبين لنا المعتقد الصحيح لأهل السنة والجماعة، الذين يعتقدون أن أهل المعاصي والكبائر ليسوا كفاراً، وأنهم ليسوا مخلدين في نار جهنم أبداً، بل هم في مشيئة الله جل في علاه، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم بذنوبهم، ثم مآلهم بعد ذلك إلى الخلود في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
 رحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين
إن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأهل الإيمان بلغت مبلغها، وأروع ما يضرب في ذلك: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فإنه ترك دعوة مستجابة واختبأها لأمته، ولذلك فهو يقول يوم القيامة: (أمتي أمتي)، يبكي فيأتيه جبريل مبشراً ويقول: (إن الله يقول: يا محمد! إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).ومن شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة: أنه كان إذا وجد الأمر الشديد ينزل بهذه الأمة يقول: (أبشروا أنتم ثلث أهل الجنة)، ثم قال: (أبشروا أنتم ثلثي أهل الجنة)، حتى كبر عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مبشراً زيادة بأن الله سيحثو حثوات بيده سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة، فكبر عمر رضي الله عنه وأرضاه، وكبر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.ومن رحمة النبي بأمته: تذللـه وتضرعه وخضوعه لله إذ يقول: (أمتي أمتي)، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.وقد ظهرت رحمته بالجاهل قبل المتعلم: فهذا الرجل الذي قام يبول في ناحية المسجد، والمسجد يذكر فيه الله جل في علاه، ويذكر فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلى فيه لله، ولكن هذا الأعرابي بال أمام الناس في المسجد، كاشفاً عن عورته، فقام الصحابة وأرادوا أن يفتكوا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، وهذا هو وجه الشاهد في رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الرجل يبول وتنتشر نجاسته في المسجد، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزرموه)، أي: لا تقطعوا عليه بوله، ثم علمه النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المساجد ما بنيت إلا لذكر الله، فقال الرجل بعدما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهره: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حجرت واسعاً).ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة: (أن الأعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ بمجامع ثوبه حتى أثر في صفحة عنق النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أعطني، ليس من مالك ولا من مال أبيك)، يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم بكل شدة وجفاء، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم له، ويأمر له بعطاء، فيقول للناس: أنا كالذي يربي الإبل ويعرف كيف يسيرها في معنى قوله صلى الله عليه وسلم.وقد جاءه رجل يريد عطية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أعطيتك ورضيت فقل: رضيت)، لأنه تكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم بشدة وبغلظة، وكاد الصحابة أن يفتكوا به، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أرضيت؟ قال: رضيت، قال: إن أصحابي ينظرون إليك نظرة أخرى)، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: (سأقوم في الناس، وأقول لك أرضيت؟ فقل: رضيت)، يعني: حتى لا ينتهره الصحابة رضوان الله عليهم فقال: رضيت، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال للرجل: (أرضيت؟ قال: ما رضيت -أمام الصحابة- ومع ذلك رحمه النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه مرة ثانية وثالثة وبعد أن أعطاه قال: أرضيت؟ قال: رضيت، قال: إذا قلت لك أمام أصحابي: رضيت تقول رضيت؟ قال: نعم، فقام أصحابه فقال: أعطيت الرجل فرضي، أرضيت؟ فقال: رضيت، فسكت الصحابة عنه).ومن أروع ما يدل على رحمته: قوله الذي يستحق أن يكتب بماء الذهب: (اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وكلما سجد قال: يا رب! أمتي أمتي)، حتى إن الله جل وعلا بعث له من يبشره ويسليه ويقول له: (إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)، هذه آخر فائدة من هذا الحديث العظيم، وهو حديث الشفاعة، أسأل الله جل في علاه أن يديم علينا هذا الخير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - فوائد أحاديث الشفاعة [3] للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net