اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة لفوائد أحاديث الرؤية للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة لفوائد أحاديث الرؤية - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
لقد أكرم الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وفضله على سائر خلقه، وحادثة الإسراء والمعراج أقوى شاهد على ذلك، فقد عُرج به إلى سدرة المنتهى، وكلمه ربه وفرض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، وحصل له من المعجزات ما يدل على صدق نبوته، فقد رأى الجنة ونعيمها، ورأى النار وجحيمها، وأيده الله بمعجزات عند عودته حين كذبه قومه، وهذا مبسوط في كتب السير، وقد اختلف العلماء في رؤيته لربه على ثلاثة أقول، والصحيح الراجح: أنه لم يره، ولن يرى أحد ربه في الدنيا.
وقفات مع أحاديث إثبات الرؤية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع هذا الكتاب الكريم كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل) لإمام الأئمة ابن خزيمة, فقد اشتد الكرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكالبت عليه قريش ومن معها ومن يناصرها، واشتد تألم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجعه بعد ما مات عمه أبو طالب ، وبعد ما ماتت خديجة ، واشتدت عصا قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمى العلماء هذا العام عام الحزن، فذهب الرسول الله صلى الله عليه وسلم يستنصر لنفسه ويستنصر لدينه ويستنصر لدعوته، فذهب إلى الطائف يطلب النصرة من ابن عبد يا ليل، وذهب إليه ليعرض عليه دعوته، فكان الرد قاسياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قالت عائشة في الصحيح: إنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أشد الأيام التي مرت عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوم أن عرضت نفسي على الطائف) , فلما ذهب وعرض نفسه عليهم صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي رفضوه واحتقروه، بل وأذلوه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وبعثوا الأطفال خلفه بالحجارة، ولم يكتفوا بهذا بل بعثوا الرسل إلى قريش يخبرونهم بما فعل محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يستنصر أهل الطائف عليهم حتى ينصروا دعوته، فازدادوا حقداً وحسداً وبغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضاً لدعوته، حتى إنه ما استطاع أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم مهموماً مغموماً، وجاءه ملك الجبال كما وردت الآثار في ذلك يستأذنه أن يطبق عليهم الجبلين أو الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) فأبى على الملك ذلك, حتى ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ومن شهامة أهل الكفر ومروءتهم وهو ما نفتقده حتى في أهل الإسلام الآن, وذلك حين جاء إلى - المطعم- بعدما استجار به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل مكة فأشهر المطعم سيفه وأخذ أولاده كل منهم يستل سيفه ويقول: إن محمداً في جواري، وحذر قريشاً من الاقتراب منه؛ ولذلك حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتح الله عليه مكة وأسر من أسر منهم قال: (لوا كان المطعم حياً فكلمني في هؤلاء النتنة لتركتهم من أجل). وهذا شاهد آخر يبين لك شهامة ومروءة ورجولة أهل الكفر مع أنهم أهل كفر، ولكن علوا بهذه السمات وهذه الصفات, ولما تآمر أبو جهل -عليه من الله ما يستحق في قبره مع الفتية- على قتل محمد صلى الله عليه وسلم طال عليهم الزمن وما خرج رسول الله قال الفتية: نرتقي البيت ثم ندخل على محمد فنقتله، فقال فرعون هذه الأمة: جئنا لنقتل محمداً وما جئنا لنروع بنات محمد! فهذه من الشهامة والمروءة، والمقصود: وإن كانت هذه الشهامة والمروءة لم تنفعهم، لكن كانت عندهم صفات وسمات يتمناها أهل الإسلام الآن. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد الكرب به واشتد عليه الحزن والهم، فأراد الله جل في علاه أن يروح عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فكانت الرحلة المباركة الميمونة رحلة الإسراء والمعراج.
 اختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في حادثة الإسراء والمعراج
لقد استنبط منها العلماء استنباطا اختلفوا فيه وهو عندما تردد النبي صلى الله عليه وسلم بين موسى وبين الله وهو يكلمه من وراء حجاب, هل رأى محمد ربه بعينه أم لا؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: النفي مطلقاً، فلم يره لا بقلبه ولا ببصره، وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأرضاها. واستدلت على قولها بقول الله تبارك وتعالى لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، وقالت: قال الله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51].القول الثاني قول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه وهو: أنه رأى ربه بعينه , وهذه رؤية بصرية، فقد قال ابن عباس: والذي نفسي بيده قد رأى محمد ربه، وذلك عندما سئل أرأيت ربك؟ قال: (نور إني أراه) فقد أثبت هنا الرؤية البصرية.القول الثالث: وهو قول منسوب لـعائشة وسنده ضعيف ومنسوب لـابن عباس أيضا، وهو أنه رأى ربه بقلبه لا بعينه، والفرق بين هذا وذاك أنه رأى ربه بقلبه أي رؤية منامية، ولم يره بعينه. وأدلتهم على ذلك حديث أتى به المصنف وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني ربي في المنام في أحسن صورة، ثم سألني: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فما عرفت، فوضع يده على صدري فوجدت برد أنامله على صدري، فعلمت كل شيء، فقلت: يختصم الملأ الأعلى في الدرجات والكفارات).إذاً: النفي مطلقاً, والإثبات مطلقاً, والتفصيل وهو: أنه رآه بقلبه ولم يره بعينه, ونترك مسألة الرؤية القلبية، وننظر إلى القول بالرؤية البصرية وقول عائشة, فإن عائشة اشتد نكيرها على من يقول: إن الله رئي بالعين البصرية، وذلك لما قال لها مسروق : إن بعض الناس يقولون: إن محمداً رأى ربه، قالت: قد قف شعري لما تقولون، من أخبركم أن رسول الله قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية, تعني: الكذبة وهي تقصد الخطأ ولا تقصد الكذب الصريح, واستدلت بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، وهذا دليل في غير محله؛ لأن المعارض والمخالف له أن يقول: نحن نوافق أن الله لا يُدَرك، وأن الله قد أحاط بكل شيء ولا يحيط به شيء سبحانه جل في علاه، لأن معنى الإدراك: الإحاطة , ونحن لا نحيط بالله أبداً لا علماً ولا سمعاً ولا بصراً, والرؤية غير الإدراك, فهذا الدليل ليس في محله. واستدلت بآية أخرى وهي قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51] فقالت: إن محمداً لم يرَ ربه؛ لأن لا الله لا يكلم نبيناً إلا عن طري الوحي أو من وراء حجاب.لكي نقول: إن الله حقاً كلمه وكلمه من وراء حجاب، والكلام غير الرؤية، فلعله رأى ربه دون أن يكلمه، لكن لما كلمه كلمه من وراء حجاب , فتصبح الأدلة التي استدلت بها عائشة رضي الله عنها وأرضاها أدلة ليست من القوة بمكان في محلها. وأما ابن عباس فأدلته قوية فـعائشة تنفي وابن عباس، يثبت، والقاعدة عند علمائنا: أن المثبت مقدم على المنفي؛ لأن الذي ينفي ليس معه علم، والذي يثبت معه زيادة علم، وزيادة العلم تتقدم على غيره، وهناك حديث آخر يصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه في مسند أحمد , فقد روى أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي) وهذا فصل للنزاع؛ لأن هذا تصريح، لكننا لا نخوض في هذا أيضاً، وأقول: إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على الراجح من أقوال أهل العلم: أنه لم يرَ ربه, والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا).وأصوليا كما قررنا في الأصول: أن الخطاب للأمة خطاب لسيد الأمة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا كذا فهو صلى الله عليه وسلم لا يفعل، إلا أن يدل الدليل بالتصريح أن هذه خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب، فلن يرى ربه ربه حتى يموت بأبي هو وأمي. وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: (لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] وحتى لو كانت الآية على بابها في التأبيد فهي في التأبيد الدنيوي لا الأخروي، فالصحيح الراجح في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربه في هذه الدنيا. والرد على أدلة من قال: إن النبي محمداً رأى ربه: هو أن ابن عباس لم يصرح بأنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبح الدليل في الرفع محتملاً، والمقطوع به يقدم على المظنون؛ لأن الاحتمال ظن، والمقطوع به: أنه قال لن تروا ربكم، وقد قال ابن عباس : أتعجبون أن يجعل الله جل وعلا لإبراهيم الخلة، ولموسى الكلام، ولمحمد الرؤية. ونحن لا نوافقه على ذلك، إذ جعل لمحمد الكلام وجعل لمحمد أيضا الخلة فقد اتخذ الله محمد خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وقد كلم الله جل وعلا الرسول صلى الله عليه وسلم كما كلم موسى عليه السلام، وهذا دليل على فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيادته على الخلق أجمعين, فهذا بالنسبة لكلام ابن عباس فالرد على هذا: أن نقول: له الخلة وله الكلام، وأما الرؤية فلا يختص بها أحد، ولا يرى أحد ربه في الدنيا. ثانياً: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رأيت ربي) وهو حديث ضعيف؛ لأن قتادة مدلس، والذي يكفينا تدليس قتادة هو شعبة، والحديث من طريق حماد بن سلمة وهو ثقة ثبت لكنه ليس كـشعبة فلا نأمن من تدليس قتادة وإن كان السند مسلسلاً بالثقات، فالسند فيه: حماد بن سلمة ثقة ثبت قتادة ثقة ثبت، وعكرمة الكلام فيه غير معتبر، وهو ثقة ثبت، وابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، فهو حديث مسلسل بالثقات، لكن التدليس يجعلنا نتوقف فيه، ويكون المقطوع به هو حديث: (لن تروا ربكم حتى تموتوا), والذي يقول: بل رأى محمد ربه، بقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13] نقول: هذه الآية يقصد الله بها جبريل عليه الصلاة والسلام، كما قالت عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته وهيئته مرتين بستمائة جناح، المرة الأولى: عندما قال: زملوني زملوني، والمرة الثانية: عندما عرج به صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي.ومن الأدلة على أنه لم ير ربه ببصره: ما جاء في حديث الترمذي : (أتاني ربي في أحسن صورة)، فالراجح والصحيح: أنه لم ير ربه في الدنيا، ولن يرى أحد ربه في الدنيا. وأما في الآخرة فقد بينا أن الوجوه تصبح ناضرة؛ لأنها إلى ربها ناظرة, نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن ينظر إلى وجهه الكريم، ويتمتع بذلك وينعم به.وصل اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة لفوائد أحاديث الرؤية للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net