اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الأمور بمقاصدها للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الأمور بمقاصدها - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
أمر الله تعالى بالتفقه في الدين وحث عليه، ولا يمكن أن تجد فقيهاً متمكناً لا يعرف القواعد الفقهية التي تضبط له فروع الفقه ومسائله. ومن القواعد الفقهية قاعدة: الأمور بمقاصدها، والتي تُعنى بالنيات، فلا تعتبر الأفعال أو تترتب عليها النتائج إلا بها، وهي تبين أنه قد تتحد الأعمال وبالنيات تختلف أحكامها، وللنية ثمرات، منها: التمييز بين العادات والعبادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض، وقلب العادات إلى عبادات.
أدلة قاعدة الأمور بمقاصدها
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.الإخوة الكرام! نفتتح اليوم بإذن الله كتاب القواعد الفقهية لفضيلة الشيخ/ محمد بن بكر بن إسماعيل ، ثم نتكلم عن أحكام المواريث، فنقسم الدرس بين القواعد الفقهية، وبين مهمات في أحكام المواريث.انتهينا من المقدمة والكلام على القواعد الفقهية وأهميتها، وأنه لا يمكن أن تجد فقيهاً متقناً لعلم الفقه بدون أصول الفقه، وبدون القواعد الفقهية، إلا أن يكون صانعاً لها والفرق بينهما يبينه إتقان الأصول والقواعد، والتي تجعل من الرجل صانعاً للخفاف أو بائعاً لها.وقد فرقنا بينهما، وهذا التفريق ليس منا، بل من فحل من فحول الفقه وهو ابن رشد في بداية المجتهد، فهناك فارق بعيد بين المقلد الذي هو بائع الخفاف وبين المجتهد الذي هو صانع الخفاف، فقد نجد من ينتسب إلى الفقه الشافعي مثلاً فيحفظ كل فروعه، وتسأله في مسألة منه فإذا هو كالسيل الجرار، أما إذا سألته في مسألة مستحدثة؛ لأنه لا يدرس العلوم أو ليس بفقيه بحق فلا يستطيع الجواب، ويضرب أخماساً بأسداس؛ ولذلك صانع الخفاف: هو الذي يضبط المسائل، وإذا أتاه فرع لم يقرأه يرد الفرع على الأصل، وهذا مصداقاً لقول الإمام مالك : ليس العلم بكثرة المسائل، ولكن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء.نبدأ إن شاء الله بأول قاعدة، وهي أهم القواعد وهي: الأمور بمقاصدها، وأغلب هذه القواعد أدلتها من الكتاب والسنة.وأدلة هذه القاعدة كما يلي:أولاً: ما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات)، و(إنما) أسلوب حصر أي: قبول الأعمال بالنيات صحة أو بطلاناً، ومن أساليب الحصر: ثم وإن وإلا، وتقديم ماحقه التأخير، أو تأخير ما حقه التقديم، مثل قوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]. أي: نعبدك أنت وحدك أو نعبد إياك، فقدم المفعول على الفعل والفاعل، وإياك نستعين: فيها نفس المعنى.ومن أساليب الحصر: النفي والإثبات، مثل: لا إله إلا الله. ومعنى أسلوب الحصر: أن الحكم لا يتواجد إلا فيما ذكر، ويخرج كل ما كان غير هذا الذي ذكر.فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات)، والتقدير: قبول الأعمال وصحتها مرتبط بالنيات، فهذا أول دليل لهذه القاعدة العظيمة التي تشمل فروعاً كثيرة.وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه قال: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)، فقال في الجهاد -الذي هو عمل الجوارح- إنه لا بد أن يقترن بنية وفي الحديث الذي يذكر الجيش الذي يخسف بأوله وآخره، قالت عائشة يا رسول الله! إن فيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يخسف بهم ثم يبعثون على نياتهم)، فذكر أصل الأصول وهو النية. وهناك أحاديث فيها ضعف، ولكن يستأنس بها مع هذه الثوابت، منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نية المؤمن خير من عمله).ومنها: ما جاء في النسائي والدارمي بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (جاءه رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يقاتل شجاعة، يقاتل حمية، ويقاتل من أجل غنيمة، ما له؟ قال: لا شيء له، ثم ذكر له السؤال مرة ثانية فقال: لا شيء له، ثم ثالثة فقال: لا شيء له، إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً وابتغي به وجهه) ابتغاء وجه الله، وهذا أصل النية.ومنها: ما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـسعد : (إنك لن تنفق نفقة تبتغي -هذا وجه الشاهد- بها وجه الله إلا أجرت عليها)، أي ما أنفقت نفقة صغيرة ولا كبيرة.
 توابع مهمة لقاعدة الأمور بمقاصدها
هذه توابع مهمة جداً لهذه القاعدة منها:أولاً: إذا قلنا بالتعريف الفقهي: أن أعمال المكلف صحة وبطلاناً إثابة أو رداً تترتب على النية، و: (إنما الأعمال بالنيات). فلو انتفى شيء من هذه القيود التي بانتفائها لا يوجد الحكم، كما قعدنا قاعدة سابقة، فلو وجدت النية التي رأس الأمر عليها دون العمل لا يترتب عليها الآثار الشرعية، وبالمثال يتضح المقال: رجل تزوج امرأة، كغراب البين التي كانت دائماً تقول للرجل الذي يقول: لا بد أن تتساوى المرأة مع الرجل في الميراث، وحكموا عليه في المحكمة بالردة، وقالت: هذا زوجي يقيم الليل، والحمد لله أن ربنا رزقه بهذه المرأة، وهذا أول عقاب في الدنيا، فما يدخل إلا وتنظر له نظرة وحش كاسر، ولا يسمع إلا جعجعة أو لا يرى إلا وليداً تصفعه على وجهه، وكان ضعيف الشخصية، كلما يدخل يقول: ربنا نجني منها، فإذا نظر إليها قال: طالق ألف مرة أو سبعين مرة، وكل يوم من ضيقه منها يتحدث مع نفسه: هي طالق، طلقتها اليوم، سأطلقها غداً، طالق ألف مرة، طالق مليون مرة، لكنه من جبنه لا يستطيع أن يتلفظ. وهو إذا تلفظ لا بد أن تتزوج زوجاً غيره فيبتلى بها لتحل له، وذهب هذا الرجل الضعيف إلى الرجل الفقيه غير المقعد فقال له: إني أبغض هذه المرأة وكلما دخلت عليها ورأيت وجهها العبوس قلت في قلبي: طالق، ولا أستطيع أن أصرح بها، وقلت: طالق طالق طالق قال: يا بني! القاعدة عند العلماء: الأمور بمقاصدها، وقد نويت طلاقها، وإنما الأعمال بالنيات. وأنت قد طلقتها ألف مرة، فقد عصيت الله بتسعمائة وتسعين مرة، وبثلاث قد بانت منك بينونة كبرى، ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، وهؤلاء الفقهاء هم الذين تعج الأسواق بهم، فارتاب الرجل في قوله، وقال: لعلي أنظر إلى فقيه مقعد ومؤصل، فرجع للفقيه المقعد المؤصل فأخبره، فقال: من قال لك ذلك؟ قال الفقيه الفلاني قال: هذه ترجع إلى القاعدة التي قعدها، وهي قاعدة صحيحة، لكن تطبيقه لها كان تطبيقاً فاحشاً خطأ، إذ أن القاعدة: الأعمال بالنيات، وأنت لم تعمل، ولم تتكلم، ويلوح في الأفق أمامي دليل يريح قلبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم أو تعمل).إذاً: أناط المسألة بالعمل، فإذاً: ارجع فهي زوجتك، إلا أن تطلقها بلسانك.فهنا خرجت القاعدة وما طبقناها تطبيقاً دقيقاً، وعلمنا: أن الأعمال الظاهرة ترتبط بهذه النيات، هذه واحدة.ثانياً: استثناء، وذلك أنا قعدنا: إن هذه الأحكام في القواعد أحكام أغلبية، فانظروا إلى هذا الاستثناء وهو: إلغاء مسألة النية في الظاهر الذي لا يحتاج لتأويل، وقلنا هذا في باب الطلاق أو النكاح لحفظ الفروج؛ لأن هذه المسألة من أهم المسائل، والفروج حقها عند الله عظيم، فلحفظ الفروج قال علماؤنا: الظاهر في الطلاق أو النكاح أنه لا يحتاج لنية، فإذا دخل رجل على امرأته فقبلها، وجلس معها يسايرها، ووجد منها الخير كله، فأحبها كثيراً، وبعدما أحبها وتكلم معها قال: أنت طالق يا حبيبتي، وهو يمازحها طبعاً مزاحاً أسود، فلما قال: أنت طالق بكت المرأة، فقال: ما يبكيك، هذا مزاح ولا يقع فقالت: لا بد أن ترجع للفقيه، فرجع للفقيه أو المأذون الشرعي، فقال: قلت لها طالق ولم أنو الطلاق، فقال: يا بني! (إنما الأعمال بالنيات)، والأمور بمقاصدها، ارجع لامرأتك فهي امرأتك، وليست بطالق، فلما رجع إلى الفقيه المقعد قال له: نعم، الأمور بمقاصدها، لكن: جاءني استثناء، أو جاءتني آية ظاهرة جداً، أو جاءني حديث ظاهر جداً، أما الآية فقال الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ [البقرة:230]، وهذه عامة مطلقة، ويبقى المطلق على إطلاقه ما لم يأت المقيد يقيده، ويبقى العام على عمومه ما لم يأت مخصص، فقال: فَإِنْ طَلَّقَهَا ، ولم يفتقر الأمر إلى نية، وأما الحديث فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وهو حديث مختلف فيه لكن هناك من صححه-: (ثلاث جدهن وهزلهن جد)، إذاً: حتى ولو كنت مازحاً فقد ألغي الحديث المزح.وهنا القاعدة صحيحة، لكنه -أي: الفقيه غير المقعد- لم يطلع اطلاعاً واسعاً حتى يأتيك بالحكم الصحيح، فأنت الآن وإن كنت مازحاً فقد طلقت امرأتك.فإذا طلقتها وأنت مازح فقد أحللتها من الوثاق إلا في حالة واحدة، وهي: إذا احتفت القرائن، وبينت لنا أنك جاهل عن هذه النية، أو قلت هذا الكلام وأنت لا تريده، ولولا أن هذا حدث في زمن الصحابة ما قلنا به، والذي جعلنا نقول بذلك: أن القرائن المحتفة إذا جاءت وقوت عدم إرادة الطلاق قلنا به.ففي زمن عمر بن الخطاب عندما جاءت المرأة تقول لزوجها -وكانت تبغضه وتريد أن تنفك منه- ما أرضى بك حتى تتغزل فيَّ فقال: أنت قمر أنت شمس أنت حسناء، قالت: لا، والله ما أرضى إلا أن تقول أنت خلية طالق فقال: أنت قمر خلية طالق، فهنا الكلام ظاهر جداً أنه يتغزل ولا يريد الطلاق بحال من الأحوال، فهو قال: أنت قمر أنت شمس، قالت: هذا الغزل لا أريده، قال: لقنيني قالت: قل -وكان غراً لا يعلم أن هذا طلاق-: خلية طالق، قال: أنت قمر خلية طالق.فهنا القرائن المحتفة أثبتت عدم إرادته الطلاق جزماً، فلما ذهب إلى عمر -الفقيه- قال له عمر بن الخطاب : ارجع فأوجعها ضرباً فإنها امرأتك، وليست بطالق.إذاً: فهذه مستثناه، وهذا الاستثناء إذا احتفت به قرائن تثبت الجزم في إرادة الطلاق فيقع، أو تثبت الجزم في عدم إرادة الطلاق فلا يقع.فهنا فرق بين النية وبين اللفظ، فاللفظ الصريح أقامه الله مقام النية، فلا يحتاج إلى تأويل، ولا يحتاج إلى نيات، قال الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، وأيضاً بين النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد).إذا: فحتى لو مازحها فقد ألغيت النية وبقي اللفظ الظاهر، وهذه الحكمة لحفظ الفروج ولئلا يتلاعب أحد، فيأتي رجل ويطلق امرأته مرة ومرتين وثلاثاً، ولكنه يعشقها، ولا يريد أن ينفك عنها، لا والله كنت مازحاً وما نويت الطلاق،ولو قلنا بهذا القول لفتحنا باباً كبيراً، وشراً مستطيراً على الناس، لكن حفاظاً على هذه الفروج قلنا: أنزل الله الظاهر منزلة الباطن فلا نحتج بهذه القاعدة، فهذا كل ما يرتبط بهذه القاعدة العظيمة من صور.
النية ومتعلقاتها
للنية مباحث عظيمة وجليلة وواسعة جداً أوجزها لكم في نقاط، أولاً: تعريف النية لغة وشرعاً، الثاني: فائدة وثمرة النية، الثالث: النية وقاعدة الاندراج.
 التداخل والاندراج في النية
تداخل العبادات أو قاعدة الاندراج كانت للصحابة، فكان عملهم قليل ونواياهم كثيرة، فكانوا فقهاء بل تجار نية مع الله جل في علاه، يأتي الواحد منهم المسجد بعشرين نية، يأتي بنية صلاة الفرض، وأن يسقط عنه الفرض، وبنية مدارسة العلم، وبنية تعليم الجاهل، وبنية التعاون على البر والتقوى، وبنية الجلوس في المسجد ليستغفر له الملك، وبنية مساعدة الفقير، وبنية وصول الخير لغيره، فله أكثر من نية في عمل واحد، وليجمع هذه النيات فتكون له هذه الأجور، فميزة وثمرة النيات: أنها يمكن أن تتداخل العبادات فيها، بنية واحدة، فيكون لك أكثر من عمل.قاعدة الاندراج لها ضوابط، وهذه الضوابط في العبادات تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: عبادات مقصودة لذاتها.فالمقصودة لذاتها مثل صلاة الفروض، كالظهر والعصر والفجر والمغرب والعشاء، فهذه مقصودة لذاتها، وأيضاً كالسنن والرواتب، فهي مقصودة لذاتها وليست مطلقة، وكسنة الفجر والظهر والمغرب والعشاء.القسم الثاني: المطلوب الفعل فقط، أو ليست مقصودة لذاتها، كتحية المسجد، فصلاة تحية المسجد مطلقة، وصلاة سنة الوضوء، وصلاة الاستخارة، ولا تحسبن أنه يجب عليك أن تصلي ركعتين، بل لو صليت الفرض سقطت عنك تحية المسجد، ولو صليت صلاة استخارة سقطت عنك تحية المسجد، فهي غير مقصودة لذاتها، والمقصود شغل البقعة بالصلاة مطلقاً فقط.فالسنن المطلقة غير مقصودة لذاتها، فصلاة الاستخارة غير مقصودة لذاتها، وسنة الوضوء غير مقصودة لذاتها، والمطلوب الفعل فقط. أما القسم الأول فلا تشريك ولا تداخل فيه بحال من الأحوال، فكل عبادة مقصودة لذاتها، ولا تقبل التشريك، فلا يصح لقائم يصلي صلاة المغرب أن ينوي صلاة المغرب مع قيام الليل، فيقرأ طويلاً، أو يقرأ بالأعراف، ويقول: أنوي نيتين، وتسقط عني فريضة المغرب، ووقت الليل قد دخل فهذا من قيام الليل، فيجعلها من قيام الليل ويجعلها صلاة المغرب، فنقول له: بطلت صلاتك؛ لأنك لم تفردها بالنية، والأمور بمقاصدها، ولا يصح لك أن تشرك النية في هذه الصلاة؛ لأنها عبادة مقصودة لذاتها.أو كرجل قام يصلي الفجر فقال هذه صلاة الفجر أصليها حتى تطلع الشمس وأنا أقرأ، أو تقارب، وأصلي معها مع الضحى مثلاً، نقول له: لا تصح صلاتك؛ لأنك شركت ولا تشريك في النية للفرض؛ لأن هذه العبادة مقصودة لذاتها.أما القسم الثاني: وهو عبادات غير مقصودة لذاتها: فالمراد الفعل فقط، مثاله: رجل توضأ ودخل المسجد، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذه مطلقة، فإذا قام فتوضأ، وكان من عادته أنه يفعل ما فعله بلال أي: ما توضأ وضوءاً إلا وصلى، فقال: هذه الصلاة سنة الوضوء، فصلاها بنية سنة الوضوء، فتدخل معها تحية المسجد، وإن لم يدخلها ونوى سنة الوضوء فقط سقطت عنه صلاة تحية المسجد؛ إذ المطلوب فقط أن تشغل البقعة بالصلاة، ولو دخلت ووجدت الإمام يصلي الظهر وأنت لم تصل تحية المسجد وصليت خلفه الظهر، فقد سقطت عنك تحية المسجد، فتبين أنها ليست مطلوبة لذاتها، والمطلوب: هو شغل البقعة بالصلاة، وقد صليت الصلاة وإن كانت سنة الوضوء، ولكن نقول لك: كن فقيهاً وصلها بنية سنة الوضوء وأدخل معها نية تحية المسجد.وكذلك: رجل دهمه أمر مهم يريد أن يفصل فيه فقال: الفصل جاء من النبي، فأفوض أمري لله وأستخير, فتوضأ وأراد أن يستخير، وكان من عادته أن يصلي للوضوء فقال: أصلي داخل المسجد كي تحفني الملائكة، فدخل المسجد فلما نظر وقعد قال: قد درست بأن النيات يمكن أن تتداخل، وقد توضأت فأصلي بهذا الوضوء سنة الوضوء، وبنية تحية المسجد، وبنية الاستخارة، فصلى بهذه النوايا الثلاثة، فجمع هذه الأجور كلها بعمل واحد، وصح له ذلك. إذاً: العبادات المطلقة الغير مقصودة لذاتها يصح أن تتداخل، أما العبادات المقصودة لذاتها، فلا يصح أن تتداخل، وبالتطبيق سيتضح لك ما أقول: رجل قام يصلي صلاة الغداة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل مما طلعت عليه الشمس)، وقال هاتين الركعتين بنية سنة الفجر، ونية الركعتين اللتين كان يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم بعد الوتر وهو جالس بعد قيام الليل، فصلاهما بنيتين: نية سنة الفجر، ونية قيام الليل، وخطوات القاعدة: أن ننظر إلى هذه الصلاة التي هي مقصودة لذاتها، إذاً: فالحكم أنه لا تداخل، ونقول له: لا يصح فعلك بل لابد أن تفردها بنية.ورجل بعدما صلى المغرب قال: ألتمس هذه السارية فأصلي سنة المغرب، وأنوي معها قيام الليل، فلا يصح؛ لأن سنة المغرب مقصودة لذاتها، مع أن بعض العلماء قال: ممكن أن تدخل في قيام الليل؛ لأن الثانية نافلة، لكن الصحيح الراجح: أن كل عبادة مقصودة لذاتها لا تداخل للنيات فيها.ورجل قام يصلي تحية المسجد فقال: أنا أصلي تحية المسجد، وسنة الظهر، وسنة الوضوء، وصلاة الاستخارة، فأتى بأربع نيات، فلا يصح فعله؛ لأنه أدخل فيها سنة الظهر، وهي مقصودة لذاتها، ولو نوى ثلاثاً: الاستخارة وسنة الوضوء وتحية المسجد لصح ذلك.إذاً: العبادات المقصودة لذاتها لا تتداخل نياتها، والعبادات المطلقة يمكن أن تتداخل النية فيها، وهي التي يدخل فيها قاعدة الاندراج. وهناك ضابط آخر يضبط المقصود بذاته أو مطلق الفعل، ومثال ذلك: رجل كان يأخذ بقول الشافعي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من بكر وابتكر وغسل واغتسل)، فأخذ بأسباب الغسل، ومن أسباب الغسل: جماع أهله، فجامع أهله، ثم دخل ليغتسل بعدما جامع أهله وكان فقيهاً حنبلياً؛ لأنه يرى: بأن غسل الجمعة واجب على كل محتلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب)، والصحيح الراجح: أنه مستحب وليس واجب؛ لما في صحيح مسلم -وهو أسطع من شمس النهار- وفيه: (من توضأ وذهب إلى الجمعة ماشياً، وقرب من الإمام فأنصت، ولم يلغ كانت له كفارة إلى الجمعة الثانية)، فقوله: (من توضأ)، هذا صريح غير مؤول، ولا يحتمل أي شيء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب)، يحتمل أشياء كثيرة جداً، والمقصود: أنها سنة وليست بواجب، فدخل الحنبلي يغتسل وقال: الآن أنا دائر بين أن أنوي نية غسل الجمعة وأدرجه مع غسل الجنابة، فكان فقيهاً نيراً، وقال: اغتسلت هذا الغسل للجمعة وللجنابة وخرج فصلى، فصلاته صحيحة.فنجد: بأن غسل الجنابة مقصود بذاته لرفع الجنابة، أو لرفع الحدث، أما غسل الجمعة فليس مقصوداً لذاته، بل مقصود لغيره؛ والغير قد يكون العرق مع الاجتماع، فينفر منك أخوك من هذه الرائحة، فأصبح مقصوداً لغيره، فلما كان مقصوداً لغيره قال العلماء: الذين يتبنون مسألة الوجوب يندرج؛ لأن الأدنى الذي هو غير مقصود لذاته يندرج تحت الأعلى الذي هو مقصود لذاته، لكن الزهري قال: إن هذا واجب وإن كان غير مقصود لذاته لكنه واجب، والثاني أيضاً مقصود لذاته وهو واجب، والقاعدة عندنا: أن الواجبات لا تقبل التشريك، فكان قوله أشبه بالتقعيد والتأصيل، وعلى قول الزهري : عليه غسلين: غسل الجنابة، وغسل الجمعة، فإن قلنا: الراجح قول الزهري، نقول له: قد رفعت جنابتك بغسل الجنابة وصحت صلاتك، لكنك أثمت لتركك غسل الجمعة، وهذا تخريج على قول الزهري ، الذي هو أشبه ما يكون بالتقعيد والتأصيل.إذاً: توسعنا في مسألة وقاعدة الاندراج وتداخل النوايا، وقلنا: العبادات تنقسم إلى مقصود بذاته وغير مقصود بذاته، فما كان غير مقصود بذاته بل المقصود منه الفعل فقط فتندرج تحته النوايا، أي: ممكن أن تتداخل فيه النوايا، أما المقصود لذاته فلا يمكن أن تتداخل فيه النوايا، ولا يقبل تشريكاً.وهذا آخر الكلام على مسألة الأمور بمقاصدها.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الأمور بمقاصدها للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net