اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتاب للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتاب - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
يعتبر الكتاب العزيز أصل الأصول، فهو المرجع الذي ترجع إليه أدلة الأحكام كلها، وقد بحثه العلماء في مؤلفاتهم، وخاصة في علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، وذكروا مسائل كثيرة تتعلق به، ومنها: تعريفه، وحكم القراءة الشاذة، والنسخ فيه، وغير ذلك المسائل الأخرى.
أصل الأصول (الكتاب)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.ثم أما بعد:فكما بينا الأحكام الخمسة ضمن الأحكام الوضعية، فنتكلم -بمشيئة الله تعالى- عن الأدلة لهذه الأحكام، فأصل الأصول والمرجع الذي ترجع له أدلة هذه الأحكام هو: الكتاب، والسنة، والكتاب هو أصل الأصول.
 تعريف القرآن الكريم
القرآن: هو: كلام الله المعجز، المتعبد بتلاوته، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بالتواتر. قوله: (كلام الله) الله جل وعلا تكلم به بصوت وحرف وسمعه جبريل الرسول الملكي من الله جل وعلا، ثم نزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان جبريل إذا تلا القرآن على رسول الله أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيردد ما قاله جبريل، خشية النسيان، فنهاه الله عن ذلك فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:16-18]، فكان جبريل يسمعه من الله عز وجل، وينزل به على محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كلام الله، وهذا فيه رد رد على المعتزلة، وفي الظاهر أيضاً رد على الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة يقولون: هو كلام الله، لكن الأشاعرة قولهم في القرآن أخبث من قول المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: كلام الله مخلوق، ونحن نقول: لا، كلام الله صفة من صفاته، تكلم الله بالقرآن بصوت مسموع وحرف. قوله: (المعجز) أي: الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله، أي: نزل هذا القرآن على البلغاء منهم، فقد كانوا أفصح الناس وأبلغهم، حتى إن شاعرهم جلس من طلوع الشمس ينثر شعراً إلى غروب الشمس، وكان عنده ضعف في نطقه بالراء، فإذا تكلم ونطق بحرف الراء فالناس سيستنكرون منه هذا الحرف، فأتى بأكثر من مائة وعشرين بيتاً من الشعر ليس فيه حرف الراء من الفصاحة والبلاغة، كانوا بلغاء وفصحاء، ومع ذلك لم يأتوا بمثل هذا القرآن.قال الله تعالى معجزاً إياهم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]. وأيضاً الله جل وعلا أعجزهم أيما إعجاز فقال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور:34] ثم أعجزهم بعشر سور من مثله، ثم أعجزهم بسورة فقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، ولم يستطيعوا أن يأتوا بحرف واحد، مع أن الله أعجزهم أكثر بالحروف المقطعة، وكأنه يقول لهم: هذا القرآن من هذه الحروف التي تتكلمون بها، فالمعجز: هو الذي أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، ولذلك كان هذا رداً على طه حسين وأمثاله من الزنادقة الذين يلمحون بأن القرآن من كلام محمد أو من الشعر الجاهلي والعياذ بالله! وهذا كفر مبين. فالله جل وعلا يبين أن هذا الكلام هو كلامه، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، فهو كلام الله المعجز. قوله: (المتعبد بتلاوته) هذا قيد ليخرج به الحديث القدسي؛ لأنه أقرب إلى القرآن، فالقرآن لفظاً ومعنىً من الله جل وعلا، والحديث القدسي معناه من الله ولفظه من النبي صلى الله عليه وسلم.ويمكن أن نقول: الحديث القدسي عام في اللفظ والمعنى، لكن أكثر المعنى موكول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج بالمتعبد بتلاوته: الحديث القدسي، ومعنى: المتعبد بتلاوته: أن الإنسان لابد أن يأتي بنفس الألفاظ، فمثلاً: الفاتحة لا يمكن لأحد أن يصلي بالفاتحة بمعناها دون لفظها، لابد من نفس اللفظ، لأنه لفظ توقيفي، كما يوجد خلاف بين المحدثين: هل الحديث يمكن أن ترويه بالمعنى أو لا؟ والراجح أنه ممكن أن تروي الحديث القدسي بالمعنى ولك الأجر، لكنك غير متعبد بتلاوته.قوله: (المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) هذا فيه دلالة على أن محمداً هو الذي اختص بهذه الخصيصة، وفيه بيان أن القرآن هو أكبر المعجزات التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (المنقول إلينا بالتواتر) يخرج لنا الآحاد من الأحاديث القدسية التي نقلت لنا عن طريق التواتر.
حكم القراءة الشاذة
وهنا مسائل تختص بأول أصل من الأصول في الأدلة، ومنها: المسألة الأولى: حكم القراءة الشاذة، هذه المسألة تتعلق بأصل الأصول وهو القرآن، والقراءة الشاذة: هي القراءة التي نقلت إلينا بغير التواتر، فتسمى عند العلماء قراءة شاذة.ومثال هذا القراءات: الزيادة في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فهذه قراءة شاذة؛ لأنها لم تنقل إلينا بالتواتر. وقد اختلف العلماء في حكم القراءة الشاذة بعدما اتفقوا أنها ليست من القرآن، وعلى هذا فلا تأخذ هذه القراءات حكم القرآن، أي: لا يتعبد بتلاوتها.جمهور أهل العلم يرون أن القراءة الشاذة ليست بحجة. وذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية والجمهور من الأحناف إلى أنها حجة ويعمل بها في الأحكام، وهذا له أثره في الخلاف الفقهي.من الأدلة التي استدل بها الجمهور:أولاً: أنها افتقدت شرطاً من شروط القرآن. وهو: التواتر، فلا تأخذ حكم القرآن، والقرآن هو الحجة وغيره ليس بحجة.ثانياً: أنها لم تضف لا للمشرع، ولا لنقل الشرع على الراجح أصولياً، ومعنى: (لم تضف إلى المشرع) أي: الله، ومعنى: (لم تضف إلى ناقل الشرع) على الراجح من أقوال أهل العلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك: أن الذي أقرأها لا يقول: إنها من القرآن، وكذلك لا يقول: قال الله تعالى، ولا يقول: إنها من قول النبي صلى الله عليه وسلم.وأما حجة جمهور الحنابلة والأحناف وبعض الشافعية فقالوا: تنزل القراءة الشاذة منزلة الحديث الحسن، فحكمها حكم الحديث المرفوع، والحديث المرفوع حجة في الأحكام. والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم هو: قول الجمهور: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة؛ لأنها فقدت شرط القرآن، والقرآن هو الحجة، فهو يأتينا بالتواتر، فإذا فقد شرط التواتر فليس من القرآن، وكذلك الذي يقرأ بها لا يقول: قال رسول الله كذا، فكيف ننزلها منزلة الحديث الحسن؟! فالصحيح الراجح: أن القراءة الشاذة ليست بحجة في الأحكام، ويظهر هذا الخلاف بالمثال، قال الله تعالى: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ [المائدة:89]، ثم قال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]، ثم قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89] قرأها ابن مسعود : (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فانظر إلى المثال هنا، ابن مسعود يقرؤها: (متتابعات) والقراءات العشر لم يأت فيها هذا اللفظ، فالقراءة هنا قراءة شاذة، إذاً: الذي فقد الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة مآله في الكفارة إلى صيام ثلاثة أيام ولا يلزمه فيها التتابع، فممكن أن يصوم الثلاثة الأيام متفرقات، فهذا قول الجمهور؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود : (ثلاثة أيام متتابعات) هذه قراءة شاذة.وطالما هي قراءة شاذة إذاً: لا حجة فيها، فنقول: يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام متفرقات، أو يصوم متتابعات وهذا أولى له، لكن إن فرق الأيام لا نلزمه بالتتابع. أما الحنابلة والأحناف فيلزمون من يكفر عن يمينه بالتتابع؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود وإن كانت شاذة فهي حجة، وكيف تكون حجة؟ قالوا: تنزل منزلة الحديث الحسن، والحديث الحسن ولو كان آحاداً فهو حجة فيلزم العمل به، ونحن لا نوافقهم على هذا الإنزال، ونقول: طالما فقد شرط التواتر فلا حجة فيه.وقراءة ابن مسعود تكون من اجتهاده وهو قول له، فإن كانت القراءة قولاً لـابن مسعود فلا نلزم به؛ لأن الحجة في القرآن وفي السنة، وقول الصحابي فيه اختلاف إذا لم يخالفه أحد، فإذا خالفه أحد فمن باب أولى ألا يؤخذ ولا يكون حجة؛ لأن كلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهنا: يشكل علينا حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها كانت تقول: (كان مما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، فنسخن إلى خمس رضعات مشبعات، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يتلى من القرآن). ابن حزم وأهل الظاهر وجمهور المالكية يقولون: إن الذي يحرم في الرضاع مصة أو مصتان أو ثلاث مصات، وحديث عائشة لا يؤخذ به؛ لأنه ليس بقرآن، ونحن نأخذ به فنقول: لا، خمس رضعات مشبعات يحرمن، أما يشكل علينا هذا؟ نقول: هذا ليس بقرآن فكيف يكون حجة؟ ونحن قعدنا قاعدة وقلنا: إما أن يكون قرآناً بالتواتر فهو حجة، وإما أن يكون حديثاً، وهذا ليس بقرآن ولا حديث، فكيف نحتج به؟ وعلماء جمهور الشافعية الذين يقولون: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة يحتجون بحديث عائشة على أن خمس رضعات مشبعات يحرمن فكيف يجاب عن هذا الإشكال؟الجواب: نقول: الحجة ليس في قول عائشة ، وإنما الحجة في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، ويلمح قول عائشة على أنه مات الرسول صلى الله عليه وسلم وهي مما يتلى، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر بذلك، فهو يعتبر في حكم الحديث المرفوع؛ لأن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم حجة، والسنة تنقسم إلى سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة إقرارية، وهذا من باب السنة الإقرارية، فهي إذا فقدت الشرط الأول الذي هو التواتر، فإن الشرط الثاني موجود، وهو: الإضافة إلى ناقل الشرع، وهو الإضافة إلى الله أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يشكل علينا حكم حديث عائشة رضي الله عها وأرضاها.
 تعريف القرآن الكريم
القرآن: هو: كلام الله المعجز، المتعبد بتلاوته، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بالتواتر. قوله: (كلام الله) الله جل وعلا تكلم به بصوت وحرف وسمعه جبريل الرسول الملكي من الله جل وعلا، ثم نزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان جبريل إذا تلا القرآن على رسول الله أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيردد ما قاله جبريل، خشية النسيان، فنهاه الله عن ذلك فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:16-18]، فكان جبريل يسمعه من الله عز وجل، وينزل به على محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كلام الله، وهذا فيه رد رد على المعتزلة، وفي الظاهر أيضاً رد على الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة يقولون: هو كلام الله، لكن الأشاعرة قولهم في القرآن أخبث من قول المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: كلام الله مخلوق، ونحن نقول: لا، كلام الله صفة من صفاته، تكلم الله بالقرآن بصوت مسموع وحرف. قوله: (المعجز) أي: الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله، أي: نزل هذا القرآن على البلغاء منهم، فقد كانوا أفصح الناس وأبلغهم، حتى إن شاعرهم جلس من طلوع الشمس ينثر شعراً إلى غروب الشمس، وكان عنده ضعف في نطقه بالراء، فإذا تكلم ونطق بحرف الراء فالناس سيستنكرون منه هذا الحرف، فأتى بأكثر من مائة وعشرين بيتاً من الشعر ليس فيه حرف الراء من الفصاحة والبلاغة، كانوا بلغاء وفصحاء، ومع ذلك لم يأتوا بمثل هذا القرآن.قال الله تعالى معجزاً إياهم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]. وأيضاً الله جل وعلا أعجزهم أيما إعجاز فقال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور:34] ثم أعجزهم بعشر سور من مثله، ثم أعجزهم بسورة فقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، ولم يستطيعوا أن يأتوا بحرف واحد، مع أن الله أعجزهم أكثر بالحروف المقطعة، وكأنه يقول لهم: هذا القرآن من هذه الحروف التي تتكلمون بها، فالمعجز: هو الذي أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، ولذلك كان هذا رداً على طه حسين وأمثاله من الزنادقة الذين يلمحون بأن القرآن من كلام محمد أو من الشعر الجاهلي والعياذ بالله! وهذا كفر مبين. فالله جل وعلا يبين أن هذا الكلام هو كلامه، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، فهو كلام الله المعجز. قوله: (المتعبد بتلاوته) هذا قيد ليخرج به الحديث القدسي؛ لأنه أقرب إلى القرآن، فالقرآن لفظاً ومعنىً من الله جل وعلا، والحديث القدسي معناه من الله ولفظه من النبي صلى الله عليه وسلم.ويمكن أن نقول: الحديث القدسي عام في اللفظ والمعنى، لكن أكثر المعنى موكول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج بالمتعبد بتلاوته: الحديث القدسي، ومعنى: المتعبد بتلاوته: أن الإنسان لابد أن يأتي بنفس الألفاظ، فمثلاً: الفاتحة لا يمكن لأحد أن يصلي بالفاتحة بمعناها دون لفظها، لابد من نفس اللفظ، لأنه لفظ توقيفي، كما يوجد خلاف بين المحدثين: هل الحديث يمكن أن ترويه بالمعنى أو لا؟ والراجح أنه ممكن أن تروي الحديث القدسي بالمعنى ولك الأجر، لكنك غير متعبد بتلاوته.قوله: (المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) هذا فيه دلالة على أن محمداً هو الذي اختص بهذه الخصيصة، وفيه بيان أن القرآن هو أكبر المعجزات التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (المنقول إلينا بالتواتر) يخرج لنا الآحاد من الأحاديث القدسية التي نقلت لنا عن طريق التواتر.
النسخ في القرآن
المسألة الثانية التي تتعلق بالقرآن: مسألة النسخ، وهذه مسألة من أصعب ما تكون، وقد اخترنا منها بعض المسائل.
 الحكمة من النسخ
الحكمة من النسخ: أولاً: مراعاة مصلحة العباد في سنة التدرج؛ لأنه كما قالت عائشة : لو جاء فقال: الخمر حرام ما سمع الناس ولا أطاعوا، لكن الله جل وعلا درج العباد بسنة التدريج حتى يتهيئوا للأحكام، ولذلك قلنا: من الفقه أن الإنسان لو أراد أن يقيم سنة أنه يعلم الناس مرة ومرتين وثلاث حتى يعرفوها، مثل السنة التي هجرت في هذه البلاد وهي: أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب بالناس اتكأ على الرمح، ولذلك هذا الشيء لا تجده في خطيب بحال من الأحوال، وهذه سنة قد هجرت، ولابد لأحد أن يقيمها، ولكن حتى تقوم أنت بها علم الناس مرة ومرتين وثلاث، ثم ائت بها حتى لا تنكر.كذلك: سنة الإسرار بالبسملة، آية من آيات القرآن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها أحياناً ويسر كثيراً، وما رأيت إماماً واحداً يفعل ذلك، فيسر بالبسملة إلا أهل التصوف الذين هم ليسوا طلبة علم، ولكن يقولون: نحن شوافع هذا هو الذي عندهم، ونحن نقول: السنة أنه يجهر أحياناً بالبسملة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر أحياناً.كذلك: من السنة التي هجرت وأصبحت المسألة إذا بدلت صارت كأنها بدعة: التزام الدعاء بعد الخطبة، الخطيب لا يدعو إلا في آخر الخطبة، فهو يدعو والناس يرفعون أيديهم ويؤمنون آخر الخطبة، وهذا أيضاً ليس من السنن، بل السنن التي هجرت كما في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو أول الخطبة، ووسط الخطبة، وآخر الخطبة)، أما التزام الدعاء آخر الخطبة فهذه ليست من السنة.ثانياً: اختبار المكلفين بالسمع والطاعة، فينزل عليهم الأحكام اختباراً لهم، ليرى الانقياد الذي هو عمل القلب والاستسلام لله، ولذلك قال الله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، ولو شاء الله لانتصر المسلمون، ولكن الله يبتلي بعضهم ببعض: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، فتن تنزل على المساجد وأئمة المساجد، فهذه الفتن تغربل البشر حتى يميز الله جل وعلا من الذي يصدق مع الله ويعمل لله من الذي لا يصدق مع الله أو يعمل لله.وإذا وقف المرء أمام الله في عرصات يوم القيامة فحاسبه على ما في قلبه كانت له الحجة، فيقول: يا رب! ابعث لي آية ابعث لي رسولاً، وأمرني، وأنا سأقول: سمعت وأطعت، مع أن الله يعلم أنه كاذب، فالله يخرج ما في قلبه ويبتليه في الدنيا، اللهم استر علينا يا رب العالمين وثبتنا عند كل بلاء. فالغرض المقصود هو: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37] يختبر العباد بالنسخ، ولذلك ترى اليهود لما اختبر الله العباد بتحويل القبلة تذمروا، فقال تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:142].رابعها: أن يبتلى العبد بالنسخ ليشكر ربه؛ لأنه ينسخ الأحكام الثقيلة إلى الأحكام الخفيفة، فيحمد العبد ربه على ما يسر عليه من أمور الدين والشريعة، ولو كان المرء يعمل بما أمر الله أولاً ما استطاع، فقد فرض الله علينا خمسين صلاة، وكان موسى يراجعه فيقول: ارجع إلى ربك، فإني قد خبرت الناس قبلك ولا يستطيع قومك، فيرجع النبي صلى الله عليه وسلم ليراجع ربه، فنسخها الله من خمسين إلى خمس.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتاب للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net