اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - جوانب العظمة لعمر بن الخطاب للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - جوانب العظمة لعمر بن الخطاب - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
جوانب العظمة في شخصية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثيرة، وقد ذكر العلماء كثيراً منها في كتب التواريخ والسير، فعلى المسلم أن يعرف عظمة هذا الخليفة، وأن يقتدي به.
فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.ثم أما بعد:نتكلم بإذن الله عن جوانب العظمة في شخصية عمر بن الخطاب ، كما سلف أن تكلمنا عن جوانب العظمة في شخصية أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وسنتكلم في جزئية مهمة، هذه الجزئية هي التي تتضمن ما نريد، ألا وهي جزئية تعامل عمر رضي الله عنه وأرضاه مع أهل الكتاب، وهذه عظمة من جوانب العظمة في شخصية عمر سنبينها بإذن الله بالتفصيل، وسنذكر كيف كان يعامل عمر النصارى واليهود من أهل الكتاب.ونبدأ نتكلم عن أمير المؤمنين الفاروق الذي فرق الله به بين الحق وبين الباطل، والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عمر إذا سلك فجاً سلك الشيطان فجاً غير فج عمر). عمر رضي الله عنه وأرضاه القوي الحاكم الرقيق اللين، عمر بن الخطاب الذي لم تلد النساء مثل عمر ، الذي قال فيه ابن مسعود : ما علمنا العزة إلا بعد إسلام عمر رضي الله عنه وأرضاه. عمر عنوان للمكانة والعظمة والدقة والقوة والرقي والسمو في جوانب الحياة كلها في الدنيا والآخرة. عمر رضي الله عنه وأرضاه قال عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: علته مهابة لم تعل أحداً، ولم أرها على أحد مثل عمر ، وقال: كنا نسير خلفه فإذا نظر خلفه وقعت قلوبنا في أرجلنا، والذي يقول هذا هو حيدرة ، أشجع الشجعان علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
 

تواضع عمر
عمر كان كله تواضع، ولن ترى تواضعاً مثل هذا التواضع، فتواضع عمر من جوانب عظمة شخصية هذا الرجل الفاروق رضي الله عنه وأرضاه. ويوم الجمعة يوم مشهود، ويوم عيد ضيعه كثير من الناس، هذا اليوم الذي فيه ساعة إجابة لا يردها الله جل وعلا أبداً، ومن آداب يوم الجمعة: أن يغتسل المرء، والغسل فيه من السنن المستحبة على الراجح عند الفقهاء، ويرتدي إما ثياباً جديدة أو ثياباً نظيفة، فـعمر رضي الله عنه نظف ثيابه في يوم جمعة وارتدى ثياباً نظيفة؛ ليصلي بالناس، فهو أمير المؤمنين، ثم ذهب قاصداً المسجد، وكان للعباس ميزاب وذُبح له فرخان في ذلك اليوم، فصب الماء ووافى نزول الماء قدوم عمر رضي الله عنه وأرضاه، فنزل الماء المخلوط بالدم على ثياب عمر، فأمر عمر بقلع الميزاب، ثم رجع إلى بيته فغير ثيابه، ثم قام خطيباً في الناس، فبعدما انتهت الخطبة قام العباس وقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الميزاب -أي: الذي أمرت بقلعه- ما وضعه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: عزمت عليك لتركبن ظهري، ولأحملنك فوق ظهري، ولتضعن الميزاب مكان ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعل هذا أمام الجماهير من رعيته تواضعاً. فأي تواضع هذا تجده في أمير المؤمنين حاكم البلاد، وهو الذي فتح مشارق الأرض ومغاربها؟! ومع ذلك لما قال له العباس : إن هذا الميزاب وضعه رسول الله، قال: لتركبن على ظهري ولتضعنه في موضعه الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن تواضع الفاروق الذي ما أتت النساء بمثله: أنه خرج في يوم شديد الحر، فالتفع بثوبه وغطى بثوبه رأسه، فوجد غلاماً على حمار، فقال: يا غلام! تحمل مثلي خلفك؟ انظروا إلى التواضع، فلو أن حاكم البلاد رأى رجلاً بسيارة وقال: استأذنك أن تحملني معك؟ فسيترك الرجل السيارة ويترك كل شيء، بل يقبل يده أن يركب هذه السيارة، أما عمر رضي الله عنه وأرضاه فقال للغلام: يا غلام! أستأذنك أن تردفني خلفك؟ فأردفه الغلام خلفه ومشى الغلام بالحمار وعمر خلفه، والناس في المدينة ينظرون إلى تواضع هذا الأمير الكريم الذي كان نبراساً لكل أمير، فرضي الله عنه وأرضاه.وأيضاً من تواضعه رضي الله عنه وأرضاه: أنه مر بالمدينة فأوقفته امرأة فقالت: إيه يا عمر! كنت في مكة تلعب مع الصبيان صغيراً تدعى عميراً، ثم كبرت فدعوت عمر ، واليوم إيه يا عمر ! يقال لك: أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية يا عمر ! فهذه امرأة عجوز تشد وطأتها على عمر وتقول له: إيه يا عمر ! اتق الله في الرعية، ثم وعظته ونصحته في الله، فلما وعظته أغلظت له في القول، فقام عامله وقال: يا امرأة! اتقي الله، أما تعرفين من تكلمين؟ فقال: اسكت أما تعرفها؟ هذه المرأة هي: خولة التي سمع الله مقالتها من فوق سبع سماوات، أما يسمع مقالتها عمر ؟ وانظروا إلى تواضعه لربه جل وعلا قبل أن يتواضع لهذه المرأة، فرضي الله عنه وأرضاه، فإن من تواضعه ما يؤلف فيه الكتب. وهذا جانب من جوانب العظمة في شخصيته رضي الله عنه وأرضاه.ومرة قام رجل فقال لـعمر : يا عمر ! أو يا أمير المؤمنين، إنك أقوى الناس في الحق، وأشد الناس في الصدق، وأشد الناس على المنافقين، والله يا عمر ! ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عوف بن مالك منتفضاً فقال: كذبت والله! فاندهش القوم! قال: بل رأينا من هو خير من عمر ، أو قال: كذبت، والله! لقد رأينا بعد رسول الله، فقالوا: من هو؟ قال: أبو بكر ، فقام عمر متواضعاً يعطي لكل قدره ويضع الشيء في نصابه، فقال: والله! لقد صدق عوف بن مالك وكذبتم أنتم، كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه أطيب من ريح المسك، وكان عمر أضل من بعير أهله!يعني: أن أبا بكر أسلم قبله، فقال هذا تواضعاً منه؛ ليعرف كل إنسان مقدار غيره.
 

اهتمام عمر رضي الله عنه برعيته
من جوانب عظمة عمر رضي الله عنه وأرضاه اهتمامه بالرعية، فقد حمل على كاهله شئون رعيته، فهو أمير المؤمنين، والإمارة ليست تشريفاً، بل هي تكليف، وكثيراً ما كان عمر يقول: وددت أن أخرج منها كفافاً لا لي ولا علي، وكثيراً ما كان يقول: ضع خدي على التراب عل الله يغفر لي. فانظروا إلى مبادئ عمر وهو أمير المؤمنين كيف يهتم بشئون الرعية، وهو من قال: قوام الحياة الآمنة وقوام العزة وقوام الكرم لا يكون إلا في نصاب الدين، فصب اهتمامه على الأمر الديني، ثم الأمر الدنيوي. ومن شئون الدولة التي كان يهتم بها عمر جداً: دين الناس، ولذلك قال: لن تنتصر أمة ولن ترتقي أمة ولن يكشف عنها الغمة إلا بالدين، والدين لا يصل الإنسان إليه إلا بالعلم والتعلم، فلذلك نجد عمر رضي الله عنه وأرضاه اهتم اهتماماً كبيراً بالمدارس الفقهية والحديثية والعلم، حتى ينتشر العلم في الأمصار والبلاد، فكان يعظم أهل العلم، ويخرج للناس عظماء لهم القدر الأعلى، حتى يأتسي الناس بهؤلاء ويأخذون منهم العلم، فيرتقون عند ربهم جل وعلا، ويأمنون في الدنيا، ويصلون إلى رضا الله جل وعلا في الآخرة.وكان أهم ما كان يشغل عمر رضي الله عنه وأرضاه أن ينصب من هو أهل ليعلم الناس، فبعث في الأمصار الصحابة الكرام، وتأسست مدرسة الكوفة ومكة والبصرة، المدارس الفقهية المختلفة كلها كان على رأسها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم باهتمام عمر رضي الله عنه، وكان يبين للناس أن طلب العلم هو أفضل شيء يمكن أن نرتقي به، فكان يقول: المرء يتحمل ذنوبه ثم يذهب إلى مجالس العلم فيرجع كيوم ولدته أمه، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه، والمعنى: أنه إذا جلس في مجلس علم يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فرضي الله عن عمر وأرضاه.
 حراسة عمر رضي الله عنه لرعيته
من اهتمامه برعيته أنه كان يحرسهم ليلاً مع أن الحراسة كانت للشرطة، وهي التي لها الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن عمر كان هو الذي يحرس رعيته رضي الله عنه وأرضاه، ويضرب أروع الأمثلة في الحفاظ على الرعية، فكان يعس ليلاً، يدور ليحرس الرعية، وكان من ثمار هذا الحفظ من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: أنه كان يسد الخلة عن الناس ويحفظ الأعراض.فقد مر ليلاً ببيت فسمع امرأة تتكلم وتقول: ألا سبيل إلى خمر فأشربها أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فاندهش من هذا البيت الذي يدعو للريبة من امرأة مسلمة تطلب كأساً من خمر أو تطلب رجلاً يسمى نصر بن حجاج ، فلما أشرق الصبح قال: ائتوني بـنصر بن حجاج ، ففتشوا المدينة حتى أتوه بـنصر بن حجاج ، يقول الراوي: فرآه أصبح الناس وجهاً -أي: أجمل الشباب- وأحسنهم شعراً، فقال له -حفظاً على الأعراض-: احلق شعرك، فحلق شعره فوجده أجمل مما كان، فقال له: تعمم، فصار أجمل مما كان، فقال: ستفتتن النساء بمثل هذا الرجل، فبعدما وجد الجمال منه في كل حالة أمر بأن يرحل إلى البصرة حيث الجهاد؛ حتى لا يهتم بنفسه ولا تفتن به النساء، عمل هذا حفظاً على رعيته.وأيضاً: مر ذات ليلة على امرأة فسمعها تقول بعدما أرخى الليل سدوله:تطاول هذا الليل واسود جانبهوليس إلى جنبي ضجيع ألاعبهفوالله لولا الله تخشى عواقبهلحرك من هذا السرير جوانبهفرأى امرأة تشتاق إلى رجل وتقول: سيتحرك السرير لولا تقوى الله جل وعلا، فخشي على رعيته من الزنا، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عن صاحب هذا البيت، فقالوا: هذا البيت لفلان، وسأل عن زوجته فبعث إليها، وقال لها: سمعت منكِ كذا وكذا، ما بالك تقولين هذا؟ فبينت له أن زوجها قد ابتعد عنها أشهراً عديدة ولم تستطع الصبر، فذهب إلى حفصة -وهنا أخذ الفقهاء قاعدة في بعد الرجل عن زوجته- فقال: يا ابنتي! ما المدة التي تحتمل فيها المرأة البعد عن زوجها؟ فطأطأت رأسها حياءً من أبيها، قال: عزمت عليكِ أن تقولي، فقالت: أربعة أشهر، فحددت أن الرجل لا يبتعد عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، ومع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، لكن عمر أراد أن يحافظ على رعيته ويحافظ على دينهم، فكتب: لا يغزون أحد فوق أربعة أشهر، ولا تخرج سرية فوق أربعة أشهر، فعل كل هذا حفاظاً على الرعية.وأيضاً: لما كان يعس ليلاً جاءت رفقة فنزلت بالمصلى، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : ما رأيك أن نبيت نحرسهم؟ قال: نعم، فذهب معه عبد الرحمن ، فسمع عمر بن الخطاب بكاء طفل، فذهب إلى أمه قال: يا امرأة! أما تتقين الله في هذا الطفل أو هذا الصبي؟ وتركها وذهب، حتى إذا كان آخر الليل وهو ما زال يسمع البكاء فذهب إليها فقال: والله! إنكِ أم سوء، كيف لا تتقين الله في هذا الصبي؟ فقالت: يا رجل! إليك عني، إني أشغله عن الرضاع ولا ينشغل، قال: فلمَ لا ترضعينه؟ قالت: فطمته، قال: ولم تفطميه؟ فقالت: إن عمر لا يكتب الفرض -أي: لا يعطي عطاء بيت مال المسلمين- لكل مولود في الإسلام إلا إذا فطم، فـعمر بن الخطاب حدد العطاء للذي يفطم، فكانت بعض النساء التي ترضع ابناً تفطمه قبل الحولين حتى تأخذ المال، فقال لها: لا تفطميه، ثم صلى بهم الصبح، وبعد أن صلى بكى بكاءً شديداً، ثم قال: ابعثوا في الأمصار: كل مولود فطم أو لم يفطم فله حصة كذا وكذا، ثم قال: يغفر الله لـعمر كيف قتل أولاد المسلمين، أو كم قتل من أولاد المسلمين؟ فهذا من باب حفظه على رعيته وعدله معهم رضي الله عنه وأرضاه.وكان أيضاً يعس ليلاً، ومن فوائد هذه الحراسة ليلاً أنه سمع امرأة تقول لابنتها: ضعي على اللبن الماء، فقالت: يا أماه! اتقي الله، أما علمتِ أن أمير المؤمنين قد حرج على ذلك أو حرم هذا؟ فتحريم الأمير إن كان لا يخالف الشرع يجب اتباعه، فقالت: قد حرم أمير المؤمنين ذلك، فقالت لها: أين أمير المؤمنين الآن؟ فقالت البنت: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا! فأعجب عمر بذلك، وزوجها بابنه، فخرج من هذا النسل الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
ورع عمر رضي الله عنه وخوفه
كان دأب عمر في رعيته حفظ دينهم أولاً بالتوحيد، ثم بالعبادات، ثم بالمعاملات، ثم حفظ أعراضهم، وحفظ أموالهم. وارتقى حفظ عمر وانشغاله بالرعية من بني آدم إلى الحمير والغنم والإبل، فبعدما حفظ رعيته من بني آدم قال: الإبل والبهائم لها علينا حق، فما ترك حق البهائم، وهو الذي قال الكلمة المشهورة التي كل مسلم دائماً يلوكها في فمه، وهي: لو عثرت دابة في العراق لسئل عنها عمر.ويقال: إن عمر نظر إلى جمل فوجد عليه إعياءً وعرقاً شديداً، فأخذ يده على ذفره وقال: اسكن اسكن، أخشى والله! أن يسأل عمر عنك!واشتهى عمر مرة سمكاً طرياً، فقال لعامله: اشتهيت السمك، فذهب يبحث له عن السمك وبقي ليلتين ذهاباً وإياباً حتى أتاه بالسمك، فشق على الجمل، فقال: ذهبت تأتي بهذا السمك ليلتين على هذا البعير؟ قال: نعم، قال: عذبت بعيراً من أجل شهوة بطني، والله! لا آكله أبداً، وحرمه على نفسه طاعة لله جل وعلا.وكان يرفق كثيراً بإبل الصدقة، وكان هو الذي يعاملها، فقد دخل عليه رجل فوجده يسم إبل الصدقة -أي: يميزها عن غيرها من الإبل بعلامة- فقال: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين! أما كان عبد من عبيد الصدقة يقوم بذلك عنك؟ فقال له عمر بن الخطاب : أو عبد غيري؟ يعني: أن حق الأمير على الناس أن يكون لهم خادماً. فرضي الله عن عمر ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وهذه جوانب من باب جوانب العظمة في شخصية هذا الرجل الفذ الذي يعد أمة وحده.
 حراسة عمر رضي الله عنه لرعيته
من اهتمامه برعيته أنه كان يحرسهم ليلاً مع أن الحراسة كانت للشرطة، وهي التي لها الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن عمر كان هو الذي يحرس رعيته رضي الله عنه وأرضاه، ويضرب أروع الأمثلة في الحفاظ على الرعية، فكان يعس ليلاً، يدور ليحرس الرعية، وكان من ثمار هذا الحفظ من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: أنه كان يسد الخلة عن الناس ويحفظ الأعراض.فقد مر ليلاً ببيت فسمع امرأة تتكلم وتقول: ألا سبيل إلى خمر فأشربها أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فاندهش من هذا البيت الذي يدعو للريبة من امرأة مسلمة تطلب كأساً من خمر أو تطلب رجلاً يسمى نصر بن حجاج ، فلما أشرق الصبح قال: ائتوني بـنصر بن حجاج ، ففتشوا المدينة حتى أتوه بـنصر بن حجاج ، يقول الراوي: فرآه أصبح الناس وجهاً -أي: أجمل الشباب- وأحسنهم شعراً، فقال له -حفظاً على الأعراض-: احلق شعرك، فحلق شعره فوجده أجمل مما كان، فقال له: تعمم، فصار أجمل مما كان، فقال: ستفتتن النساء بمثل هذا الرجل، فبعدما وجد الجمال منه في كل حالة أمر بأن يرحل إلى البصرة حيث الجهاد؛ حتى لا يهتم بنفسه ولا تفتن به النساء، عمل هذا حفظاً على رعيته.وأيضاً: مر ذات ليلة على امرأة فسمعها تقول بعدما أرخى الليل سدوله:تطاول هذا الليل واسود جانبهوليس إلى جنبي ضجيع ألاعبهفوالله لولا الله تخشى عواقبهلحرك من هذا السرير جوانبهفرأى امرأة تشتاق إلى رجل وتقول: سيتحرك السرير لولا تقوى الله جل وعلا، فخشي على رعيته من الزنا، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عن صاحب هذا البيت، فقالوا: هذا البيت لفلان، وسأل عن زوجته فبعث إليها، وقال لها: سمعت منكِ كذا وكذا، ما بالك تقولين هذا؟ فبينت له أن زوجها قد ابتعد عنها أشهراً عديدة ولم تستطع الصبر، فذهب إلى حفصة -وهنا أخذ الفقهاء قاعدة في بعد الرجل عن زوجته- فقال: يا ابنتي! ما المدة التي تحتمل فيها المرأة البعد عن زوجها؟ فطأطأت رأسها حياءً من أبيها، قال: عزمت عليكِ أن تقولي، فقالت: أربعة أشهر، فحددت أن الرجل لا يبتعد عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، ومع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، لكن عمر أراد أن يحافظ على رعيته ويحافظ على دينهم، فكتب: لا يغزون أحد فوق أربعة أشهر، ولا تخرج سرية فوق أربعة أشهر، فعل كل هذا حفاظاً على الرعية.وأيضاً: لما كان يعس ليلاً جاءت رفقة فنزلت بالمصلى، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : ما رأيك أن نبيت نحرسهم؟ قال: نعم، فذهب معه عبد الرحمن ، فسمع عمر بن الخطاب بكاء طفل، فذهب إلى أمه قال: يا امرأة! أما تتقين الله في هذا الطفل أو هذا الصبي؟ وتركها وذهب، حتى إذا كان آخر الليل وهو ما زال يسمع البكاء فذهب إليها فقال: والله! إنكِ أم سوء، كيف لا تتقين الله في هذا الصبي؟ فقالت: يا رجل! إليك عني، إني أشغله عن الرضاع ولا ينشغل، قال: فلمَ لا ترضعينه؟ قالت: فطمته، قال: ولم تفطميه؟ فقالت: إن عمر لا يكتب الفرض -أي: لا يعطي عطاء بيت مال المسلمين- لكل مولود في الإسلام إلا إذا فطم، فـعمر بن الخطاب حدد العطاء للذي يفطم، فكانت بعض النساء التي ترضع ابناً تفطمه قبل الحولين حتى تأخذ المال، فقال لها: لا تفطميه، ثم صلى بهم الصبح، وبعد أن صلى بكى بكاءً شديداً، ثم قال: ابعثوا في الأمصار: كل مولود فطم أو لم يفطم فله حصة كذا وكذا، ثم قال: يغفر الله لـعمر كيف قتل أولاد المسلمين، أو كم قتل من أولاد المسلمين؟ فهذا من باب حفظه على رعيته وعدله معهم رضي الله عنه وأرضاه.وكان أيضاً يعس ليلاً، ومن فوائد هذه الحراسة ليلاً أنه سمع امرأة تقول لابنتها: ضعي على اللبن الماء، فقالت: يا أماه! اتقي الله، أما علمتِ أن أمير المؤمنين قد حرج على ذلك أو حرم هذا؟ فتحريم الأمير إن كان لا يخالف الشرع يجب اتباعه، فقالت: قد حرم أمير المؤمنين ذلك، فقالت لها: أين أمير المؤمنين الآن؟ فقالت البنت: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا! فأعجب عمر بذلك، وزوجها بابنه، فخرج من هذا النسل الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
تعامل عمر مع أهل الكتاب
من جوانب هذه الشخصية تعامل عمر رضي الله عنه مع أهل الكتاب، وهذا سنفصله تفصيلاً تاماً بإذن الله في الدرس القادم، ولكن نذكر نتفاً صغيرة منه؛ فقد كتب عمر بن الخطاب إلى حذيفة يشدد عليه الوطأة لما أرسل إليه حذيفة: إني قد تزوجت امرأة من أهل الكتاب -امرأة يهودية- فقال له: أنكحت المومسات وتركت المسلمات؟ وشد عليه الوطأة، حتى بعث إليه حذيفة فقال: يا أمير المؤمنين! أحرام النكاح من أهل الكتاب؟ فبين له المسألة الفقهية، وسنسرد الكلام الذي كان بين حذيفة وبين عمر ، حتى نزل حذيفة على أمره وطلق هذه المرأة.وأيضاً: لما جاءه أبو موسى الأشعري بعامل من النصارى يعمل عنده، فلما دخل عليه أبو موسى يبين له الكتب لم يدخل معه، فقال له: لِمَ لم يدخل هذا الرجل، أجنب هو؟ فقال له: لا يا أمير المؤمنين! قال: لِمَ لم يدخل المسجد؟ قال: هو نصراني، فغضب عليه غضباً شديداً، وقال: كيف تكرمونهم وقد أهانهم الله؟ وكيف تقربونهم وقد أبعدهم الله؟ ثم قال له: والله! ما رأيت أكفأ منه، فقال له: عليك بالمسلم، وقال له عمر حاسماً للمادة منهياً للقضية: مات النصراني -أي: اعتبر النصراني مات- وانظر إلى مسلم يقوم مقامه. وسنبين كيف أجلاهم، وكيف عاملهم، وكيف فتح البلاد، وكيف أنه عبدهم لله جل وعلا ولم يخضع لهم رضي الله عنه وأرضاه، وسنبين كل هذا في الدرس القادم بإذن الله.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
 حراسة عمر رضي الله عنه لرعيته
من اهتمامه برعيته أنه كان يحرسهم ليلاً مع أن الحراسة كانت للشرطة، وهي التي لها الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن عمر كان هو الذي يحرس رعيته رضي الله عنه وأرضاه، ويضرب أروع الأمثلة في الحفاظ على الرعية، فكان يعس ليلاً، يدور ليحرس الرعية، وكان من ثمار هذا الحفظ من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: أنه كان يسد الخلة عن الناس ويحفظ الأعراض.فقد مر ليلاً ببيت فسمع امرأة تتكلم وتقول: ألا سبيل إلى خمر فأشربها أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فاندهش من هذا البيت الذي يدعو للريبة من امرأة مسلمة تطلب كأساً من خمر أو تطلب رجلاً يسمى نصر بن حجاج ، فلما أشرق الصبح قال: ائتوني بـنصر بن حجاج ، ففتشوا المدينة حتى أتوه بـنصر بن حجاج ، يقول الراوي: فرآه أصبح الناس وجهاً -أي: أجمل الشباب- وأحسنهم شعراً، فقال له -حفظاً على الأعراض-: احلق شعرك، فحلق شعره فوجده أجمل مما كان، فقال له: تعمم، فصار أجمل مما كان، فقال: ستفتتن النساء بمثل هذا الرجل، فبعدما وجد الجمال منه في كل حالة أمر بأن يرحل إلى البصرة حيث الجهاد؛ حتى لا يهتم بنفسه ولا تفتن به النساء، عمل هذا حفظاً على رعيته.وأيضاً: مر ذات ليلة على امرأة فسمعها تقول بعدما أرخى الليل سدوله:تطاول هذا الليل واسود جانبهوليس إلى جنبي ضجيع ألاعبهفوالله لولا الله تخشى عواقبهلحرك من هذا السرير جوانبهفرأى امرأة تشتاق إلى رجل وتقول: سيتحرك السرير لولا تقوى الله جل وعلا، فخشي على رعيته من الزنا، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عن صاحب هذا البيت، فقالوا: هذا البيت لفلان، وسأل عن زوجته فبعث إليها، وقال لها: سمعت منكِ كذا وكذا، ما بالك تقولين هذا؟ فبينت له أن زوجها قد ابتعد عنها أشهراً عديدة ولم تستطع الصبر، فذهب إلى حفصة -وهنا أخذ الفقهاء قاعدة في بعد الرجل عن زوجته- فقال: يا ابنتي! ما المدة التي تحتمل فيها المرأة البعد عن زوجها؟ فطأطأت رأسها حياءً من أبيها، قال: عزمت عليكِ أن تقولي، فقالت: أربعة أشهر، فحددت أن الرجل لا يبتعد عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، ومع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، لكن عمر أراد أن يحافظ على رعيته ويحافظ على دينهم، فكتب: لا يغزون أحد فوق أربعة أشهر، ولا تخرج سرية فوق أربعة أشهر، فعل كل هذا حفاظاً على الرعية.وأيضاً: لما كان يعس ليلاً جاءت رفقة فنزلت بالمصلى، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : ما رأيك أن نبيت نحرسهم؟ قال: نعم، فذهب معه عبد الرحمن ، فسمع عمر بن الخطاب بكاء طفل، فذهب إلى أمه قال: يا امرأة! أما تتقين الله في هذا الطفل أو هذا الصبي؟ وتركها وذهب، حتى إذا كان آخر الليل وهو ما زال يسمع البكاء فذهب إليها فقال: والله! إنكِ أم سوء، كيف لا تتقين الله في هذا الصبي؟ فقالت: يا رجل! إليك عني، إني أشغله عن الرضاع ولا ينشغل، قال: فلمَ لا ترضعينه؟ قالت: فطمته، قال: ولم تفطميه؟ فقالت: إن عمر لا يكتب الفرض -أي: لا يعطي عطاء بيت مال المسلمين- لكل مولود في الإسلام إلا إذا فطم، فـعمر بن الخطاب حدد العطاء للذي يفطم، فكانت بعض النساء التي ترضع ابناً تفطمه قبل الحولين حتى تأخذ المال، فقال لها: لا تفطميه، ثم صلى بهم الصبح، وبعد أن صلى بكى بكاءً شديداً، ثم قال: ابعثوا في الأمصار: كل مولود فطم أو لم يفطم فله حصة كذا وكذا، ثم قال: يغفر الله لـعمر كيف قتل أولاد المسلمين، أو كم قتل من أولاد المسلمين؟ فهذا من باب حفظه على رعيته وعدله معهم رضي الله عنه وأرضاه.وكان أيضاً يعس ليلاً، ومن فوائد هذه الحراسة ليلاً أنه سمع امرأة تقول لابنتها: ضعي على اللبن الماء، فقالت: يا أماه! اتقي الله، أما علمتِ أن أمير المؤمنين قد حرج على ذلك أو حرم هذا؟ فتحريم الأمير إن كان لا يخالف الشرع يجب اتباعه، فقالت: قد حرم أمير المؤمنين ذلك، فقالت لها: أين أمير المؤمنين الآن؟ فقالت البنت: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا! فأعجب عمر بذلك، وزوجها بابنه، فخرج من هذا النسل الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه ورضي الله عن الصحابة أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - جوانب العظمة لعمر بن الخطاب للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net