اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في مسائل السحر للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في مسائل السحر - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
ثبت بالأدلة الصحيحة الصريحة وقوع السحر للكثير من الناس، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وتعاطى الأسباب لإبطال أثر هذا السحر مشرعاً لأمته من بعده، ومبيناً الوسائل المطلوبة والأسباب الشرعية التي يلزم اتباعها من أجل التداوي من السحر وآثاره.
إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.ثم أما بعد:فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وتوقفنا فيه عند الكلام على السحر، وفرقنا بين السحر وبين المعجزة وبين الكرامة، وأثبتنا أن السحر نوعان، وبينا هذين النوعين.ونتكلم اليوم عن مسألة مهمة قد أنكرها كثير من أهل البدع، وردوا الأحاديث الصحيحة فيها، وهي مسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم، سُحِر، فهل معهم حجة في ذلك أم لا؟ أقول: قد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه دلالة على بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت الله أن للسحر تأثيراً، وأن هذا التأثير لا يكون إلا بإذن الله جل وعلا، قال الله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، فأفاد هذا النص الكريم أن السحر يضر، وأن السحر يؤثر، وقد بينا أن السحر يؤثر في الظاهر وفي الجوارح، فيمكن أن يؤثر على القلوب بالهم والغم ويؤثر على العقول، لكن مع ذلك فإنه لا يقلب الحقائق.وقد ثبت خبر سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتي أهله.وفي رواية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (استفتيت ربي فأفتاني، وجاءه ملكان ملك عند رأسه وملك عند رجله فقال أحدهما: ما بال الرجل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: من طبه؟ -يعني: من سحره؟- قال: لبيد بن الأعصم) ثم استخرج السحر من المكان الذي وضع فيه وشفي النبي صلى الله عليه وسلم.ولم ينتصر النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه من لبيد لحكمة بيناها فيما مضى.والمقصود: أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وثبت أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتيهم، وقد ثبت هذا بالنص الصريح، والشرع من الله جل وعلا والوحي قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].
 

الحكمة من وقوع السحر في النبي عليه الصلاة والسلام
والله عز وجل لا يصنع شيئاً إلا وله حكم بليغة في هذا الصنيع، والله حكيم عليم، ومن دقق النظر في خبر سحر النبي صلى الله عليه وسلم ظهرت له وحكم بليغة جداً منها:
 ما وقع من سحر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بلاء واختبار لصدق أهل الإيمان
ثالثاً: في سحر النبي صلى الله عليه وسلم بلاء واختبار وتمحيص لإظهار أهل الدين، هل يصدقون ربهم أم لا؟ وقلوبهم هل استقر فيها الإيمان بحق أم لا؟ إذ إن الله جل وعلا يختبر القلوب، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، والله جل وعلا ليختبر صدق المرء ينزل عليه البلايا والفتن تترى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].إن مما يتلى على الناس ليل نهار، قول الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، فعندما يسحر النبي صلى الله عليه وسلم تفتتن القلوب كما حدث للأغرار الأغمار من المعتزلة وأهل البدعة والذين ينفخون في أبواق المعتزلة في هذه العصور، يفتتنون بذلك ويقول قائلهم: رسول معصوم كيف يسحر؟ فنجيبهم: هو عبد لله جل وعلا ويسحر، فيفتن الله جل وعلا الناس ليغربلهم.ولذلك قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] فهو فتنة، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، فيرتقي الطيب عنده وينزل الخبيث في صفوف المنافقين في الدرك الأسفل من النار.فالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سحر، وهذه بعض الحكم التي أدركناها. وما خفي كان أعظم وأعظم وأعظم، إذ إن حكم الله لا يكون لها عد، ولكل شيء فعله الله حكمة بليغة، لكن يوصل الله لها من يشاء من عباده.
إنكار أهل الأهواء والبدع لحادثة سحر النبي صلى الله عليه وسلم والرد عليهم
فهذا الحدث الثابت ثبوت الجبال الرواسي في البخاري ومسلم أصح الكتب بعد كتاب الله أنكره بعض المبتدعة، شرذمة من أهل الأهواء يأتون إلى شرع الله فيختبرونه بعقولهم العطبة، ويأتون إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيمررونها على العقول، فإن قبلتها عقولهم أخذوا بها، وإلا نحوها جانباً، فهم يقدمون العقل على النقل، فالمعتزلة وأذيال المعتزلة في وقتنا الحاضر من أهل الإسلام المستنير يأتون في الفضائيات وغير الفضائيات ويقولون: كيف يسحر النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم؟ وإثبات هذه الحادثة إنما هو قدح في نبوته وفي رسالته وفي تبليغه، وهذه العلة التي يتمسكون بها أوهى من بيت العنكبوت، قالوا: إذا أثبتنا هذا الحدث العظيم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر فإنه يكون غير معصوم، وإن كان ليس بمعصوم إذاً لم يبلغ تمام البلاغ، وهذا قدح في النبوة، نعوذ بالله من ذلك. وكثير من المتكلمين في هذه العصور يردون على البخاري ومسلم روايتهما في إثبات حادثة سحر النبي صلى الله عليه وسلم بزعم أن هذا قدح في النبوة، وقدح في التبليغ والعصمة.
 تأثير السحر في العلاقة الزوجية للنبي صلى الله عليه وسلم
الوجه الثالث: استدلوا بقول عائشة : (وكان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فقالوا: في هذا الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي أهله وما يأتي أهله.فنقول لهم: الرد على هذه الشبهة من وجهين:الوجه الأول: تفسير: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فيه إثبات وفيه نفي، ومعناه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يهم ويعزم ويشتهي أهله فيذهب ليجامع أهله فيربط عن ذلك وتخور العزائم وتفتر الهمم عن الجماع. وهذا واقع مشاهد عند كثير من الناس فإنهم إذا أرادوا الجماع يربطون عن أهليهم.الوجه الثاني: أن هذا من باب التخيل، وهو ما نسميه في الوقت الحاضر بأحلام اليقظة، حيث يجلس المرء يفكر في شيء فيسرح مع هذا الشيء وهو لم يكن قد وقع، والنبي صلى الله عليه وسلم يحصل له مثل هذا فهو لم يجامع أهله واقعاً، لكن يتخيل ذلك من أثر السحر، وهذا رد عليهم على هذه الشبهة.والصحيح الراجح كما بينا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سحر، وهذا السحر وقع عليه، والله جل وعلا له في ذلك حكم.أما بالنسبة لحديث عائشة : (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، معناه: إذا أراد أن يأتي فلا يأتي، ودليل ذلك من اللغة قال الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، ومعناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في مسائل السحر للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net