اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - حقوق أولياء الأمور وهجران أهل البدع للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - حقوق أولياء الأمور وهجران أهل البدع - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
من منهج أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين بالمعروف، إلا إذا أمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومن منهج أهل السنة هجر أهل البدع، وينظر في ذلك إلى المصلحة، فإن وجدت المصلحة من هجرهم فبها، وإلا لم يهجروا، خاصة إذا كانت المفسدة ستقع بسبب ذلك.
من حقوق أولياء الأمور
أيضاً: من السنة -كما قال المصنف هنا-: السمع والطاعة لولاة الأمور، وولاة الأمور على أصناف ثلاثة:أولها: ولي أمر قد تولى الإمارة بالاستخلاف، والاستخلاف: هو أن يموت الخليفة أو الحاكم فيستخلف أو يولي بعده شخصاً ما، فهذا يجب له السمع والطاعة، ومثاله: عمر بن الخطاب .ثانيها: أمير قد عين بتعيين أهل الحل والعقد له، كـأبي بكر وعثمان .والمقصود بأهل الحل والعقد: أهل العلم والدين والتقى والورع، فهؤلاء هم الذين يختارون واحداً منهم يرون فيه أهلية الحكم والإمارة فيؤمرونه عليهم، هذا الصنف الثاني.ثالثها: رجل تأمر بالنار والحديد كما يقولون، أي: تأمر بالسيف أو بالإرث أو بالقتال، كما أمر معاوية رضي الله عنه وأرضاه، فإنه نازع بالسيف والقتال حتى أمر على المسلمين، إذاً: الصف الثالث هم الذين يتولون الإمارة بالتغلب على الناس.
 وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية
ويجب على المسلمين تجاه هذه الأصناف الثلاثة السمع والطاعة لهم، وهذا واجب بالكتاب والسنة، وهو منهج السلف الصالح، ولا يجوز الخروج عليهم إلا إذا عصوا ربهم جل في علاه؛ لأن الطاعة مقيدة بالمعروف، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، وفي هذه الآيات العظيمات لفتة مهمة، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ [النساء:59]، فجعل الطاعة مستقلة لله، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59]، وجعل الطاعة مستقلة لرسول الله، وقد بينت قبل ذلك كثيراً بأن التوحيد توحيدان: توحيد العبادة لله، وتوحيد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فالله جل في علاه قد جعل الطاعة مستقلة له ومستقلة لرسوله صلى الله عليه وسلم.لا سيما وأن الرسول إما أن يكون مشرعاً، وإما أن يكون ناقلاً للشرع، وقد بينت قبل ذلك الخلاف الأصولي بين العلماء بأن الرسول إما أن يكون ناقلاً للشرع وإما أن يكون مشرعاً أصالة، وبينا الراجح أصولياً. فإن قيل: فما معنى كونه صلى الله عليه وسلم مشرعاً أو ناقلاً للشرع؟ وما هو الراجح في حقه صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: أن معنى كونه مشرعاً أي: محللاً محرماً من تلقاء نفسه، وأما كونه ناقلاً للشرع فمعناه: أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه جل وعلا، ودليل هذا المعنى قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]، ففيها دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله جل في علاه ما يأتيه من الوحي.إن الله سبحانه قد جعل لنبيه طاعة مستقلة، ثم جعل لولاة الأمور طاعة تابعة لطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى كل امرئ أن يسمع ويطيع لولي الأمر؛ سواء كان هذا الولي قد تولى مستخلفاً، أو تولى بتولية أهل الحل والعقد له، أو تولى بالسيف أو الحديد والنار كما يقولون، فلا بد من السمع والطاعة، وهذا منهج السلف رضوان الله عليهم، قال تعالى: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، لكن الله جل في علاه لم يجعل طاعة ولاة الأمور طاعة مستقلة، بل جعل طاعتهم تابعة لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه إشارة إلى السمع والطاعة لهم إلا أن نؤمر بمعصية أو بمخالفة لله أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أمرنا بذلك فلا سمع ولا طاعة، والأدلة على ذلك كثيرة من السنة، كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وأيضاً قال: (إنما الطاعة في المعروف).إذاً: فالصحيح الراجح وهو منهج السلف: السمع والطاعة في المنشط والمكره، وهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الصحابة قالوا: (بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى أثرة علينا).وأيضاً: فلا بد أن نضع في الحسبان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه (ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك فعليك بالسمع والطاعة).والسمع والطاعة لولاة الأمور لها فوائد عظيمة منها: عدم الاختلاف في الأمة، وعدم حصول المفاسد التي تحصل بسبب الخروج عليهم، وتحقيق الائتمار بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أحسن ولي الأمر فإحسانه له عند ربه جل في علاه، وإن أساء فإساءته عليه عند ربه جل في علاه، لا سيما وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت حين يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة)، أي: أنه لا يشتم رائحة الجنة بحال من الأحوال، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من هذا حاله فقال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)، وهذا دعاء محقق الإجابة، فعلى المرء أن يعلم بأن قلوب ولاة الأمور بيد الله جل في علاه، وعليه أن يلزم نفسه بالطاعة وأن يلتزم بدين الله، وأن يسمع ويطيع في الطاعة دون المعصية، فما عليك إلا البلاغ والله سريع الحساب.أما أنت فيجب عليك أن تتقي الله قدر استطاعتك، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر قدر استطاعتك، وبالآداب التي أدبك الله بها وأدبك بها رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا تأتي بالمفاسد، ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: (السمع والطاعة على كل مسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).
هجران أهل البدع
مسألة هجران أهل البدع مسألة مهمة جداً، فنقول: الهجران: مصدر هجر، وهو لغة: الترك، والمراد من هجران أهل البدع: هو الابتعاد عنهم.والحقيقة: أن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن صاحب البدعة قد يضطر إلى النفاق أو القتال في سبيل إظهار بدعته عند الخاصة والعامة، بل إنه يلوي أعناق النصوص حتى يستدل بها على بدعته التي ابتدعها والتي يعمل بها، فالبدعة كما قال سفيان الثوري : البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، وقال بعض السلف: لأن أدخل مسجداً أجد فيه بدعة فأحرقه أولى من أن أكون صامتاً عليها، وكفى بأهل البدعة سوءاً وبشارة بالسوء قول الله تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27]، فلن يقبل الله جل في علاه العبادة أو الاجتهاد فيها طالما أنها خرجت عن دائرة السنة والشريعة.يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من آوى محدثاً)، فكيف بالمحدث نفسه؟ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، يعني: فهو باطل يرجع على صاحبه، ولا يقبل عند الله جل في علاه، أما أشد ما ورد بخصوص أهل البدع فهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حبس التوبة عن صاحب البدعة)، وهذا يعني الزجر الشديد من الله جل في علاه ومن رسوله لهذه البدعة؛ لأن البدعة في الحقيقة بريد الكفر.
 مذهب أهل البدع في الصفات
قال الشارح: ومذهبهم في الصفات مختلف: فمنهم المشبه، ومنهم المعطل، ومنهم المعتدل. والتعطيل نوعان:أحدهما: تعطيل الاسم والصفة، وهذا رأي الغلاة من الجهمية والمعتزلة. الثاني: تعطيل الصفة دون الاسم، فيقولون: الله سميع بلا سمع، بصير لا بصر، قدير بلا قدرة، عليم بلا علم، قوي بلا قوة، وهذا رأي المعتزلة، وكأنهم يعبدون عدماً لا وجود له؛ ولذلك لم يشعروا بحلاوة الإيمان والتعبد بصفات الله وأسمائه.أما التشبيه: فهو تشبيه صفات الخالق بصفات المخلوق، والنوع الثاني من التشبيه: هو التمثيل: وهو أن يقال: إن عين الله كعين محمد بقصد المطابقة والمساواة، أما التشبيه فكأن تقول: عين الله تشبه عين محمد، تعالى الله وتقدس! بل عينه تليق بجلاله وكماله وعظمته وبهائه، وعين محمد تليق بنقصه وعجزه، فلا وجه للمقارنة والعياذ بالله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].
من طوائف المبتدعة

 خطر مذهب الأشاعرة وبيان انحرافه
وهذه الطوائف كلها طوائف بدعية ابتدعت في دين الله جل في علاه، فمنهم من هو قريب من أهل السنة والجماعة، ومنهم من هو بعيد منهم، وأبعدهم الرافضة وأقربهم الأشاعرة، هذا على الظاهر، وإلا لو عمقنا النظر في منهج الأشاعرة فسنجد أن الأشاعرة أيضاً من البعد بمكان عن أهل السنة والجماعة، والأشاعرة: هم أتباع أبي الحسن الأشعري ، وهو منهم بريء، فقد تبرأ من المذهب الأشعري بعد أن كان معتزلياً ثم من الله عليه بعد ذلك باعتناق منهج أهل السنة والجماعة، حتى إنه مات وكتب أهل السنة والجماعة على صدره، وكان يمدح أهل السنة والجماعة مدحاً شديداً، والأشاعرة يثبتون سبع صفات وينفون الباقي، وهي مجموعة في قولهم: حي عليم قدير والكلام له إرادة وكذاك السمع والبصروللأشاعرة بدع أخرى وليس هذا مجال التفصيل في هذه البدع.وفي الختام أقول لإخواني: اتركوا السياسة والثورات في الخطب، ودعوكم من كل هذا، وعليكم بطلب العلم، فإن شمسكم إذا أشرقت على الناس بعلم غزير فسترون ذلك عند ربكم يوم القيامة، فأنت الوريث الشرعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويا لها من نعمة ومنة، ويا له من فخر يتجلى في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - حقوق أولياء الأمور وهجران أهل البدع للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net