اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - فصل في القضاء والقدر للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - فصل في القضاء والقدر - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
القدر من لوازم ربوبية الله عز وجل، ولا يستقيم لعبد إيمان ما لم يؤمن بالقضاء والقدر، ومسألة القدر ضل فيها كل من القدرية والجبرية، والمنهج الأسلم والسبيل القويم في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله قدراً كونياً وقدراً شرعياً، كما يثبتون للمخلوقين إرادة واختياراً لا تنفك عن إرادة الله تعالى وقدره.
مقدمة في أهمية الإيمان بالقضاء والقدر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. انتهينا بفضل الله سبحانه وتعالى وبمنه وكرمه وبحوله وقوته من الكلام عن الأسماء والصفات، وهنا سنتكلم عن باب مهم جداً وأنا هنا سأجمل الكلام عنه، لكن من أراد التفصيل فعليه بأسطوانة شرح أصول أهل السنة والجماعة، ففيها تفصيل كبير في مسألة القدر، والقدر هو قدرة الله، وهو من لوازم ربوبية الله، ولا يستقيم إيمان عبد بحال من الأحوال إلا بالإيمان بالقدر، ولا يمكن أن تطلق الإيمان على رجل لا يعتقد الاعتقاد الصحيح بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فلا يمكن أن يستقيم إيمان عبد إلا به، ومسائل القدر دحض مزلة، قد ضلت فيه أفهام كثيرة، وضل فيه أناس كثيرون حتى ممن ينتسب للسنة، وسأبين لكم أخطاء فادحة يقع فيها المرء حتى إن المؤلف وقع منه الخطأ فيه وهماً منه؛ لأن باب القدر باب ليس بالهين، بل هو سر من أسرار الله، وسر من أسرار الغيب، وهو من أفعال الله جل في علاه. فإذا أردت أخي الكريم أن تؤمن بالقدر فعليك أن تعلم أن الله قدر كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، وأن الله كتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، والقدر ركن ركين من أركان الإيمان، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن الخطاب عندما دخل عليه جبريل معلماً الناس وقال: يا محمد !صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي (أخبرني ما الإيمان؟)، فأجاب النبي بأهم ما في الإيمان، ولم يعرف الإيمان لغة، ولكنه أعطاه أهم شيء فيه، فعرف الإيمان بأركانه، وهذه تثبت لك بأن الإيمان كل جزئية منه هي ركن من أركانه، وفيه دلالة على أن الركن الواحد منها إذا نزع نزع الإيمان، فالإيمان له أركان، وهي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، فهذه أركان الإيمان ومنها القدر.
 القدر من أركان الإيمان
والقدر ركن من أركان الإيمان، والذي لا يؤمن بالقدر فقد كفر وخرج من الملة؛ وهذا هو ما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في صحيح مسلم أنه جاء رجلان من أهل الكوفة إلى ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه، وكانا يريدان التعلم، فقالا: لو صادفنا أحداً من أصحاب رسول الله كي نتعلم منه، فطافا فوجدا ابن عمر فاكتنفاه رجل عن يمينه ورجل عن يساره فقال: أرأيت من يتكلم في القدر ويقول: إن الأمر أنف، -يعني: انقضى- وكأنهما يريدان أن يقولا لـابن عمر: أرأيت أناساً عندنا يدعون العلم، يقولون: الأمر أنف. فقال الراسخ في العلم ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أبلغهم أني منهم بريء وهم مني برآء، فهنا البراءة الكلية من الكفرة، ثم استدل على تكفيرهم بكفرهم بالقدر فقال: سمعت أبي أي: عمر بن الخطاب وذكر حديث جبريل الطويل. ومن الدلالة على أن القدر ركن من أركان الإيمان، وأن من لم يؤمن به فقد خرج من الملة ولا يستقيم إيمانه إلا بذلك، حديث الصحابي الجليل في مسلم عندما نصح لابنه فقال له: يا بني! إنه لا يستقيم إيمانك حتى تعلم أنه ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ثم قال: يا بني! -وهذا وجه الشاهد- إن لم تمت على هذا كنت من أصحاب النار. فهذه دلالة قوية جداً على أن من لم يمت على هذا الاعتقاد كفر وخرج من الملة، وكان من أصحاب النار خالداً فيها. والقدر هو قدرة الله جل في علاه، وهو تقديره لخلق الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد بين الله ذلك جلياً في كتابه وقال: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38]، وقال جل في علاه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، وقال جل في علاه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ [الحديد:22]، ووجه الشاهد هو قوله: (من قبل أن نبرأها). وقال الله جل في علاه: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر:52-53]، يعني: مكتوب في اللوح المحفوظ، وكل هذه أدلة على أن الله جل وعلا كتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق، ويدل على أن ذلك كان قبل خلق الخلائق بخمسين ألف سنة الحديث الذي سيأتي تفسيره في احتجاج آدم وموسى، حيث قال موسى: (أنت آدم خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه أكلت من الشجرة وأخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال آدم عليه السلام: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وبرسالته فقال: نعم. فقال: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، أو قال: أترى أن الله قد كتب ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فقال النبي: حينها حج آدم موسى)، ولذلك قال الله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، والإمام المبين: هو الكتابة في اللوح المحفوظ. قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:105]، والزبور: هو الذي أنزل على داود عليه السلام، والدليل قوله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء:163] إذاً: فقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:105] يعني: كتب في الذكر -وهو اللوح المحفوظ- كل شيء من الشقاء، أو السعادة، وأهل الجنة والنار، حتى ابتسامتك ونومك وزواجك، ورزقك، فكل ذلك قد كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله الخلق بخمسين ألف سنة، ودليل ذلك ما في مسند أحمد بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (خرج على الناس بكتابين فقال: هذا كتاب وهذا كتاب، هذا كتاب أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم. وختم على ذلك -يعني: لا يزاد فيه ولا ينقص- ثم قال للذي في شماله: وهذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم قال: ختم على ذلك -يعني: لا يزاد فيه ولا ينقص- ثم قال: فرغ ربكم من العباد). يعني: كتب أهل الجنة بعملهم وأهل النار بأعمالهم، وهذه الكتابة لا تجعل المرء يتقاعس عن العمل بل تزيده همة في العمل كما سنبين.
مراتب القدر
نذكر هنا بياناً لمراتب القدر الأربع، فهي محور إتقان المرء لاعتقاد القدر، وهذه المراتب الأربع: علم، فكتابة، فإرادة، فخلق، أو نقول: علم فكتب فأراد فخلق، وهذه المراتب من لم يؤمن بها فلا يستطيع الإيمان الكلي بالقدر ولا إتقان مسائل القدر، فتراه يتسخط على القدر ويجهل جهلاً عظيماً بهذا الباب، وإن كان لا يخرج من الملة؛ لأن الخروج من الملة إنما يكون إذا كان لا يؤمن أصالة بالقدر.
 من مراتب القدر الخلق
أما المرتبة الرابعة من مراتب القدر: فهي مرتبة الخلق، فإن الله علم فكتب فأراد فخلق، والله جل وعلا خلق كل شيء، قال الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16]، ويندرج تحت هذا عموم الخلق. والخلق خلقان: خلق إيجاد من عدم، وخلق تحويل من صورة إلى صورة، وبهذا نزيل شبهة المتكلمة عندما يقولون: أنتم تقولون: الله خالق كل شيء، يعني: لا خالق مع الله؟ فنقول: نعم. فيقولون: ماذا تقولون في قول الله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]، فظاهر الآية يدل على أن هناك مشاركة؟ فنقول جواباً عليهم: إننا عندما ننظر في الخلق، ونقسمه إلى قسمين: خلق إيجاد من عدم، وخلق تحويل من صورة إلى صورة، فإننا نخرج من هذه الشبهة، وذلك أن خلق الإيجاد من عدم هو مما ينفرد الله به. فلا يمكن لأحد أن يخلق من العدم إلا الله تعالى، فقد كنا عدماً ثم خلقنا الله، قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]. وأما الخلق المقيد: وهو تحويل الصورة إلى صورة أخرى، فهذا قد يشترك فيه البشر، كما في تحويل الحديد إلى سيارة، أو تحويل الخشب إلى باب أو نافذة، فإن هذا التحويل يسمى خلقاً، فيقال: إن هذا الرجل صنع باباً من الخشب أي: خلق باباً من الخشب؛ لأن الخلق قد يأتي بمعنى الصناعة، فيكون محل الآية: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]، إنما هو في خلق التحويل من صورة إلى صورة.ومن المهم في مرتبة الخلق بيان الرد على القدرية، وذلك بأن الله خلق أفعال العباد كلها، ومنها: فعل الزنا، والسرقة فإنها مخلوقة، لكنها تنسب إلى الله خلقاً وإيجاداً، وتنسب إلى العبد كسباً وفعلاً، يعني: أن الزاني والسارق منسوب إليه الزنا والسرقة، ولكن العبد كله مع فعله مخلوق لله جل في علاه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - فصل في القضاء والقدر للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net