اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثالث: النظر العقلي ومقاييس النقد عند الفقهاء للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثالث: النظر العقلي ومقاييس النقد عند الفقهاء - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
لقد اهتم العلماء المتقدمون رحمهم الله تعالى بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعوا لذلك قواعد عظيمة؛ ليميزوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام غيره، وليميزوا أيضاً الحديث الصحيح من الضعيف، وسواء كان ذلك فيما يتعلق بالمتن أو بالسند، ومن هذه القواعد الجليلة: عرض السنة على القرآن.
قاعدة عرض السنة على الكتاب وأمثلتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.ثم أما بعد:فما زلنا مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم ونظر الصحابة، في التفتيش العميق لمعرفة صحة هذه الأحاديث أو ضعفها، وقد قلنا مراراً أن للصحابة الكرام قواعد مهمة قعدوها في تنقية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعلموا هل هذا الحديث قاله رسول الله أم لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن هذه القواعد: قاعدة عرض السنة على الكتاب، ومن أمثلة ذلك:
 حديث الوضوء مما مست النار
أما الرد على حديث أبي هريرة السابق: (الوضوء مما مسته النار) فهو منسوخ عند الجمهور، وقالوا: هو منسوخ كلية في لحم الجزور وفي غيره، والصحيح والراجح ما رجحته الحنابلة؛ لأن نسخ دار على كل مسخن إلا لحم الجزور فلحم الجزور يجب على من أكل لحم الجزور أن يتوضأ لماذا؟لذا ورد في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أحدهم فقال: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت -فخيرهم- فقال له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: توضأ).فخيره في الوضوء من لحم الغنم، والتخيير يدل على الجواز، بينما أمره بالوضوء من لحوم الإبل.وأما حديث (من غسل ميتاً فليغتسل) فهو حديث ضعيف، والصحيح الراجح: أنه لا يفعل شيئاً من ذلك، بل من غسل ميتاً فله أن يصلي ولا يتوضأ، ومن حمل ميتاً أيضاً فلا يلزمه الوضوء، لكن إن فعل ذلك على سبيل الاستحباب فله ذلك لكن لا يلزمه.فنرى هنا كيف أن المحدثين أنفقوا الغالي والرخيص من أجل حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أجل التفتيش على الحديث الصحيح والحديث الضعيف، ومن أجل الحفاظ على هذه المشكاة، وهذا العلم الغزير من رسول الله؛ لأن الأحكام كلها تتعلق بصحة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فللمحدثين قواعد ينظرون فيها لغربلة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، سواء في المتون أو الأسانيد، فأما الأسانيد فكتب الجرح والتعديل كثيرة جداً في ذلك، وأساليب التضعيف كثيرة جداً، وهذا إن شاء الله لعلنا ندرسه بعدما نتكلم على كيفية نقد المتون.
قاعدة ليس كل حديث صح سنده يصح متنه وأمثلتها
ننشغل الآن بمسألة نقد المتون، فهم كما قلت: أنفقوا كل ما يملكون من أجل نقد الأسانيد والمتون، ووجد من المحدثين من انشغل بنقد المتون عن نقد الأسانيد، إلا القليل منهم ممن جمع بين نقد المتون والأسانيد، وهذا انطلاقاً من قاعدة قعدها العلماء ألا وهي: ليس كل حديث صح سنده يصح متنه.
 حديث افتتاح الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين)
الثاني: حديث البسملة، وهو من حديث أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وعمر كلهم يفتتح الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ولا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1]. فدل ذلك على أن هذه الزيادة بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] شاذة وأسانيد التي فيها ذكر البسملة موجودة في مسلم ، ولكن المتن شاذ؛ لأنه مخالف الروايات الثقات.
بيان العلماء الذين اشتغلوا بنقد المتن والسند معاً
وهنا سؤال: من الذي انشغل بنقد المتن مع نقد السند؟ والجواب: اشتغل بذلك ابن الجوزي وابن القيم عليهما رحمة الله تعالى، فقد انشغلا جداً بمسألة المتون، وأيضاً بالأسانيد، وكذلك الإمام الشوكاني .فهؤلاء نظروا إلى المتون ومحصوا النظر فيها، هل تصح عن النبي أو لا تصح، وهذه القواعد التي أخذوها عن السلف لم يحيدوا عنها قيد شعرة، فهي قواعد وضعها علماء الإسلام من عهد الصحابة ومن بعدهم، فصاروا على نهجهم.
 حديث افتتاح الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين)
الثاني: حديث البسملة، وهو من حديث أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وعمر كلهم يفتتح الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ولا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1]. فدل ذلك على أن هذه الزيادة بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] شاذة وأسانيد التي فيها ذكر البسملة موجودة في مسلم ، ولكن المتن شاذ؛ لأنه مخالف الروايات الثقات.
قاعدة عرض السنة على الكتاب وضوابطها وأمثلتها
فالقاعدة الأولى عند الصحابة للتمحيص والنظر في نقد المتون هي: عرض السنة على الكتاب، لكن لهذا العرض على الكتاب ضوابط، حتى لا ندخل في مذهب القرآنيين.ومن هذه الضوابط: أن يكون الحديث قد خالف الكتاب من كل وجه.ونذكر أمثلة على ذلك:
 المثال السادس: حديث: (الإيمان كالجبال الرواسي لا يزول ولا ينقص)
المثال السادس: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإيمان في القلب كالجبال الرواسي لا يزيد ولا ينقص).فهذا يلوح عليه علامات الضعف، وهو مصادم لقوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا [الفتح:4]. وهذه الآية صريحة جداً في أن الإيمان يزداد. وقوله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76].ولا يمكن الجمع بينه وبين الآيات؛ لأن فيه مخالفة لصريح الكتاب وصريح السنة، قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة:124] ففي هذه الآية دلالة صريحة كما كذرنا على أن الإيمان يزداد. وكذلك الإيمان ينقص، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:125]وبذلك أصبح هذا الحديث مخالف للكتاب من كل وجه، فيضعف بذلك ويرد ولا يؤخذ به، لأنه لا يمكن أن تخالف السنة الكتاب، فالسنة قد خرجت من نفس المشكاة التي خرج منها الكتاب؛ فالكتاب والسنة صنوان لا يمكن أن يختلفا، وما كان ظاهره المخالفة فإنه يحل بالتقييد والتخصيص والإطلاق وغير ذلك من علاقة السنة بالكتاب.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثالث: النظر العقلي ومقاييس النقد عند الفقهاء للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net