اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقاييس نقد متون السنة - تدوين السنة للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح مقاييس نقد متون السنة - تدوين السنة - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
السنة هي المبينة للقرآن، وفيها أحكام لم تذكر في القرآن، وهي المصدر الثاني للتشريع؛ ولذا اهتم العلماء بتدوينها، فأفنوا أعمارهم في حفظها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وبيان أحوال رواتها بما ليس له نظير في تاريخ البشرية جمعاء.
علاقة السنة بالقرآن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:إخوتي الكرام: ما زلنا في شرح كتاب (نقد متون السنة) لشيخنا الفاضل: مسفر بن غرم الله الدميني، وقد تكلمنا عن أهمية السنة، وعلاقة السنة بالقرآن، وكيف أن الله جلا وعلا جند جنوداً لحفظ هذه السنة الغراء، وأن كل الأئمة أنفقوا الغالي والنفيس من أجل حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبينّا أن السنة والقرآن بينهما علاقة وطيدة، فالسنة مفسرة ومبينة لمجملات القرآن. فمثلاً: قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، فكيف نقيم الصلاة؟ وفي أي وقت نقيم الصلاة؟ مع أن القرآن أشار إشارات إلى الوقت التي تقام فيه الصلاة فقال الله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فدلوك الشمس وغسق الليل تكون فيه صلاة الظهر إلى العشاء، وقرآن الفجر هو صلاة الفجر، لكن التوقيت كله جاء في السنة.وكذلك السنة مقيدة لمطلق القرآن، مثلاً: قال الله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] فبينت السنة محل قطع اليد.وكذلك السنة مخصصة لعموم القرآن، فمثلاً قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275]، فالألف واللام للعموم، فتكون كل البيوع قد أحلها الله وحرم الربا، وجاءت السنة تخصص من هذا العموم بعض البيوع مثل بيوع الغرر، وبيع المرء ما ليس عنده، فهي حرام.وأيضاً: للسنة أحكام مستقلة، مثل تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وتحريم الحمر الأهلية، ومثل سنن الوضوء كالاستنشاق والمضمضة، وحرمة الجمع بين المرأة وعمتها, وبين المرأة وخالتها.
 

حكم تدوين السنة
أختلف العلماء في حكم تدوين السنة هل كانت مباحة وجائزة أم كانت محرمة؟ على قولين: القول الأول: أنها كانت غير جائزة.واستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكتبوا عني غير القرآن). وعن أبي هريرة وزيد وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن كتابة السنة؛ خشية أن تختلط بالقرآن).وجاء عن عمر بن الخطاب أنه عندما تردد في كتابة السنة استخار الله كثيراً ثم قال: لم تطمئن نفسي أن تُكتب السنة. القول الثاني وهو قول جمهور أهل العلم: أن كتابة السنة كانت مباحة. واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنت أكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم فلامتني قريش فقالوا لي: تكتب حديث النبي والنبي بشر يغضب كما يغضب البشر، ويعتريه النسيان كما يعتري البشر؟! قال: فذهبت إلى رسول الله فقصصت عليه ما قيل، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب، فوالله ما يخرج منه إلا الحق) يعني: ما يخرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم إلا الحق. وهذا مصداق قول الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].وأيضاً في حديث أبي هريرة في الصحيح أنه كان يقول: ليس أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني غير ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا لأبي شاه)، وهذه فيها دلالة على جواز كتابة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم. والصحيح الراجح أن مسألة الكتابة كانت أول الأمر ممنوعة خشية أن يختلط القرآن بالسنة، ولما حفظ الناس القرآن وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يمكن أن تختلط السنة بالقرآن أباح لهم الكتابة.
 

بداية تدوين السنة
لقد حدث التدوين في القرون الخيرة الثلاثة، لكن كان متأخراً وليس في الزمن الأول، والذي اهتم بجمع السنة هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه الخليفة الراشد الخامس، فقد خشي على سنة النبي صلى الله عليه وسلم فحث المحدثين على كتابة وتدوين سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أول من كتب أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس ، وأسد بن فرات والدارمي وأيوب السختياني والحميدي ، فكل هؤلاء كتبوا سنن النبي صلى الله عليه وسلم ودونوها، ومنهم سعيد بن منصور وسننه مطبوعة بعضها، وأيضاً ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ومعمر، فكل هؤلاء دونوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والسنة الآن بفضل الله موجودة بين أيدينا.
 

أهمية تدوين سنة النبي صلى الله عليه وسلم
لقد كان مهماً تدوين السنة؛ لأن الدخلاء كانوا كثر، وكانوا يدسون في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منه؛ ليهدموا عقائد المسلمين، وقد ظهروا وقت الفتنة، وما سنحت لهم الفرصة إلا بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
 

حكم رواية الحديث بالمعنى
هنا مسألة وهي: هل يجوز رواية الحديث بالمعنى أم لا؟ والجواب: إذا قلنا: إن التدوين كان متأخراً فإن الصدور لا تحفظ الألفاظ وتضبطها كل هذه السنين، فلا بد أن يعتري المحدث بعض الوهم وبعض النسيان، فيتذكر معنى الحديث فيروي معنى الحديث، ورواية الحديث بالمعنى قد اختلف فيها الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فـابن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان أشد الناس في تحريم رواية الحديث بالمعنى، حتى أنه إذا غير بعض الرواة لفظاً واحداً في الحديث قال: هذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سليمان بن مهران الأعمش : إن هذا العلم كان عند أقوام لأن يخر أحدهم من السماء خير لهم من أن يجعل واواً بدل الدال أو دالاً بدل الواو، بمعنى: أنهم يحفظون النص فينقلونه كما حفظوه. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها)، وهذا تنصيص على أن النضارة إنما تكون لمن يحفظ اللفظ ويؤديه كما حفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويستدلون بحديث أوضح من ذلك وهو حديث البراء في دعاء النوم، وهو: (اللهم إني وجهت وجهي إليك، وأسلمت نفسي إليك -وفي آخره- آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) فلما سمعه البراء بن عازب عرضه على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، ورسولك الذي أرسلت)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، ونبيك الذي أرسلت)، فصحح له ما قاله، مع أن الرسول نبي وزيادة، فهو رواه بالمعنى، ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم رد عليه وقال: (لا، وبنبيك الذي أرسلت)، وهذه دلالة قوية جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفض الرواية بالمعنى، ولا بد أن يأتي باللفظ.وهذا القول يأخذ به الإمام مسلم ؛ ولذلك تراه يدقق جداً في الألفاظ في صحيحه. القول الثاني -وهو قول جمهرة أهل العلم من الصحابة والتابعين-: جواز رواية الحديث بالمعنى، وهذا الذي رجحه البخاري وقبله شيخه علي بن المديني. ويحتجون على ذلك بأدلة منها: حديث أبي سعيد قال: كنا نكون العشرة عند رسول الله فنحفظ عنه الحديث، فيروي كل واحد منا الحديث فلا نتفق على لفظه. فهذا صريح جداً، وظاهره أن الصحابة يحفظون الحديث وكل منهم يؤدي الحديث بالمعنى. والراجح الصحيح أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وهذا الذي يظهر عملياً؛ لأن الحديث الواحد إذا تتبعت رواياته في الكتب الستة فقط فستجد أن رواية البخاري وتخالف رواية مسلم وتخالف رواية النسائي وتخالف رواية أبي داود تخالف رواية الترمذي ، وهذه دلالة على أن الرواة حفظوا المعنى، ووعى كل واحد منهم المعنى بدقة، وكان عندهم فقه ولهم سليقة، فلا يحيلون المعنى، ولا يغيرون الأحكام، فالصحيح الراجح أن رواية المعنى صحيحة لا سيما الآن في عصرنا، فمن حفظ الحديث بالمعنى وقاله بالمعنى فقد أصاب.والحديث القدسي المعنى فيه من الله واللفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يرويه بالمعنى. وهنا سنبين بوضوح عملية رواية الحديث بالمعنى: فحديث: (دخل أعرابي المسجد فبال في ناحية المسجد، فقام الصحابة فكادوا يقتلونه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه ولا تقطعوا عليه بوله، ثم قال: أهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من ماء)، فسنتتبع هذه الرواية في الكتب الستة فقط، وننظر في الروايات كيف أداها الذين سمعوا هذا الحديث: فأما صحيح البخاري فالحديث فيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه). وفي البخاري نفسه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء). وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه ولا تزرموه، قال: فلما فرغ -يعني فرغ من بوله- دعا بدلو من ماء فصبه عليه). وفي مسلم أيضاً عن أنس قال: (فصاح به الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب فصب على بوله). وأيضاً عن أنس في رواية أخرى في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزرموه دعوه).وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: (فلم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلاً من ماء). وهذه الجملة لم تذكر أصلاً في رواية من روايات الصحيح، وهذا يدل على أن الحديث روي بالمعنى. وفي رواية قال: (صبوا عليه ذنوباً من ماء). وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء). وفي سنن النسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه ولا تزرموه، فلما فرغ دعا بدلوٍ فصبه عليه) وفي النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين). وفيه أيضاً عن أنس : (اتركوه، فتركوه حتى بال ثم أمر بدلو من ماء). وفي سنن ابن ماجة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه). وأيضاً في سنن ابن ماجة عن واثلة بن الأسقع -وهو راو ثالث- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه، ثم دعا بسجل من ماء فصب عليه).فهذه الروايات في الكتب الستة فقط، فلا توجد رواية اتفقت مع رواية أخرى بنفس اللفظ، فالصحابة كل واحد منهم سمع رسول الله وعقل عنه، وكانت اللغة عندهم سليقة، وكانوا فقهاء، وتتوفر فيهم الشروط التي أشترطها العلماء في الرواية بالمعنى وهي:أن يكون عالماً باللغة العربية.وأن يكون فقيهاً؛ حتى لا يغير الأحكام.وأن يستوعب مضمون الحديث كله، ولا يحيل المعنى ولا الحكم.فالصحيح الراجح أن رواية السنة بالمعنى جائزة، وفي هذا تيسير على كل أخ يخطب خطبة أو يتكلم كلمة، فنقول له: إذا رويت حديثاً بالمعنى فقد أصبت، ولا نحجر واسعاً؛ إذ إننا لو قلنا: لا تجوز الرواية إلا باللفظ، فإننا سنحرم على أي مدرس أو أي خطيب أو أوي متكلم يتكلم وينسب القول لرسول الله إلا بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه مشقة، لا سيما ونحن في عصر قل فيه الحفظ والعلم، فنسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم) .
 

حفظ الله السنة بالمحدثين قديماً وحديثاً
عندما دونت السنة دخل فيها كثير من الأحاديث الضعيفة، فلم تحفظ السنة حفظاً تاماً، بل إن الله جل وعلا قدر كوناً أن تدخل الأحاديث الضعيفة، وأن يدخل الدخلاء على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت أحاديث ضعيفة موضوعة؛ ليرفع الله أقواماً ويخفض آخرين، وقد تصدى لحفظ السنة الجهابذة الذين باعوا أنفسهم لله جل في علاه، فكل أوقاتهم كانت لله وبالله ومع الله ومع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونذكر من المعاصرين الشيخ الألباني رحمة الله عليه، ولو تعلموا كيف كان يقضي وقته لدهشتم، ولعلمتم أن الله جند جنداً لحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فـالألباني رحمة الله عليه كان على الأقل يطالع ثمانِ عشرة ساعة؛ حتى يحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال بعض المقربين من الشيخ: كان الشيخ عنده مكتبة في غرفة البيت التي يدخل فيها، ولم يكن لها باب؛ خوفاً على وقته، بحيث إنه إذا دخل لا يتأخر في فتح الباب، ويقول: ستضيع على الأقل خمس ثوان أقرأ فيها ترجمة لـابن معين أو لغيره! فانظروا إلى الحرص العجيب على الوقت! فأين نحن من هؤلاء الجبال الذين جندهم الله له؟! فالشيخ الألباني يطالع لمدة ثمانية عشرة ساعة من الأربعة والعشرين ساعة، فمتى يأكل؟ ومتى يكون مع امرأته؟ ومتى يطالع غير الحديث؟ وقد كان فيما نحسب عالماً عاملاً. فهؤلاء جندهم الله وخلقهم لدينه؛ ولذلك نرى هارون الرشيد عندما أمر بقتل أحد الوضاعين الكذابين قال: ماذا ستفعل بألف حديث قد وضعتها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟! قال له هارون : يعيش لها الجهابذة الذين أفنوا أعمارهم من أجل حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
 

متى بدأ الوضع في الحديث
متى ظهر الدخيل؟ ومتى ظهر الوضع في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذا له علاقة وطيدة بالكلام على نقد متون السنة، فكيف نعرف أن هذا المتن موضوع أم لا؟ لقد ظهر الوضع في حديث النبي صلى الله عليه وسلم بعد خلافة عمر عندما اشتدت فتنة الخوارج، وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: أيكم يحفظ حديث الفتنة؟ فقال حذيفة : أنا أحفظ (فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، فقال: لست عن هذا أسأل، إنما أسأل عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال حذيفة : مالك ولها يا أمير المؤمنين؟! إن بينك وبينها باباً مغلقاً،ً فقال له عمر : أيفتح الباب أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال: إذاً لا يغلق أبداً) وكان يقصد بذلك أن عمر سيقتل ثم تتوالى الفتن، وقد توالت الفتن بعده، فـعثمان رضي الله عنه وأرضاه خرج عليه الخوارج، وأرادوا أن يخلعوا عنه ثوباً قد ألبسه الله إياه، وهو ثوب الخلافة، فقالوا له: نفسك أو الخلافة، قال: والله لن أخلع ثوباً ألبسنيه الله، وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله مقمصك قميصاً فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه)، فتمسك بالخلافة فقتلوه رضي الله عنه وأرضاه ظلماً وعدواناً وزوراً، ولذلك قال حذيفة : لو كان في قتل عثمان خير لهذه الأمة لحلبوا بعده لبناً، ولو كان في قتل عثمان شر لهذه الأمة لحلبوا بعده دماً عبيطاً، وقد حلبوا بعده دماً عبيطاً، ولم يقف الدم بحال من الأحوال بعد دم عثمان، فبعد ذلك قتل علي وقتل الحسين، وعظمت الفتنة وأطلت برأسها على الأمة الإسلامية، ولما ظهرت الفتنة أصبح كل إنسان يرى الحق مع فلان، فيتحزب له، فإذا تحزب له وضع الحديث من أجله، والحمد لله أننا في هذه العصور لسنا في عصور التدوين؛ لأن الخلافات بين الإخوة كثيرة، والتحزبات كثيرة، فأي واحد سيضع حديثاً سنرده على وجهه، ونقول: أنت حديثك عندنا غير مقبول، لكن ذلك الوقت كان عصر التدوين، فكانوا يضعون أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن أسباب الوضع انتشار الفتنة والخلافات السياسية، وظهر هذا الأمر على أوجه عندما اختلف علي بن أبي طالب مع معاوية رضي الله عنهم أجمعين، وتحزب الشيعة لـعلي بن أبي طالب ، وأخذوا يختلقون ويخترعون الأحاديث الموضوعة، قال الشافعي: الرافضة أشهد الناس بالزور، أو قال: ما رأيت أكذب من الرافضة. فالشيعة دينهم الكذب، ودينهم التقية وهي الكذب، فكانوا يكذبون كثيراً على النبي صلى الله عليه وسلم، ليرفعوا من مقام علي وهو لا يحتاج إلى ذلك، فمثلاً أتوا بحديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) وهو حديث موضوع. وأيضاً رووا حديثاً موضوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلقت من نور، وخلق علي من نور، وكان معي على يمين العرش). واختلقت الرافضة أحاديث كثيرة جداً على أبي بكر وعمر والخلافة، وأشهر الأحاديث حديث الوصاية، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بخلافة علي بن أبي طالب ؛ ولذلك عائشة أنكرت هذا إنكاراً شديداً، بل رووا بأسانيد هالكة متهالكة أن عمر بن الخطاب جلد فاطمة! وقد اختلفت فاطمة مع أبي بكر وكان الحق مع أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، بل إن علي بن أبي طالب تأخر في البيعة لـأبي بكر الصديق -وهو يقر بخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه من أجل فاطمة، ولم يتزوج ثانية من أجل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر أنأى من أن يؤذوا فاطمة وهم يعلمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم (فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها)، فكيف يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مماته في فاطمة رضي الله عنها وأرضاها؟! فالرافضة عليهم من الله ما يستحقون هم أكذب البشر على الإطلاق، فدينهم الكذب.وأيضاً كذب الخوارج الذين خرجوا على عثمان وخرجوا على علي رضي الله عنه وأرضاه، وإنه لعجب كل العجب أنهم كانوا يكذبون في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كذبهم أقل بكثير من الشيعة، فالكذب من الخوارج عجيب لأنهم يكفرون من يرتكب الكبيرة، والكذب من أكبر الكبائر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فهم يدينون لله بأن فاعل الكبيرة كافر، فكيف يكذبون على رسول الله؟! فقد ثبت عن أحدهم عندما تاب قال: أيها الناس! انظروا عمن تأخذون دينكم، إنا كنا إذا هوينا شيئاً صيرناه حديثاً، أي: إذا وجدوا قولاً يوافق عقولهم فإنهم يقولون: حدثنا فلان عن فلان ويركبون له إسناداً عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال ابن سيرين : كنا لا نسأل عن الإسناد حتى ظهرت الفتنة، فقلنا: سموا لنا رجالكم، فمن رأيناه من أهل السنة أخذنا حديثه، ومن رأيناه من أهل البدعة تركنا حديثه. وثبت عن ابن المبارك بسند صحيح أنه كان يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وقال: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. والإسناد ميزة هذه الأمة عن كل الأمم، فالنصارى لا تجد لهم إسناداً نقياً واحداً إلى عيسى عليه السلام، وحتى الإنجيل الذي يتعبدون به ليس له إسناد، فأسانيدهم كلها منقطعة لا تصل إلى عيسى عليه السلام، واليهود كذلك.فهذه الأمة ميزها الله وشرفها بالإسناد؛ ولذلك تجد بعض المستشرقين تكلم عن مميزات الأمة الإسلامية وقال: أميز ما يميز هذه الأمة علم أسانيد الرجال، فهم يأخذون الحديث ثقة عن ثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
 

أسباب الوضع في الحديث
من أسباب الوضع: القصاصون وانتشار القصص والوعظ، وانظروا إلى ما نحن فيه وما كانوا فيه، فقد كان القصاصون في العصور القديمة يلتف حولهم العوام فقط، ولا يلتفت حولهم أهل العلم وطلبة العلم لا يلتفون؛ لأنهم لا يجدون عندهم ما يشفي صدورهم ويروح قلوبهم، وأما العوام الذين لم يستضيئوا بنور العلم، والذين يميلون مع كل ريح، فكانوا يجلسون في مجالس القصاصين، وأما مجالس أهل العلم ومجالس التحديث فكانت تكتظ بطلبة العلم، وما كانوا يعبئون ولا يرون للقصاص مقداراً، فكانت مجالس القصاصين هي مجالس العوام، وهي أرذل المجالس، فالقصاصون كان العوام يلتفون حولهم ويعجبون بهم، وتراهم يصرخون على الكلمات الطيبة، فكان القصاصون يؤثرون على العامة فيغربون في القصص، ويختلقون الأحاديث، ومن ذلك ما اشتهر جداً عن الإمام أحمد والإمام يحيى بن معين عندما جلسا في مجلس قاص يقص ويأتي بالطرائف، فقال: خلق الله ملكاً له مائة رأس، وكل رأس يسبح كذا، وقال: حدثني بذلك أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ! فينظر أحمد بن حنبل إلى يحيى بن معين وقال له: أحدثته بذلك؟ قال: والله ما حدثته، وأنت هل حدثته؟ قال: والله ما حدثته، فقام أحمد بعد ما انتهى المجلس وذهب إليه وقال: يا هذا! هذا الحديث الذي ذكرته آنفاً من حدثك به؟ قال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: هل تعرف أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ؟ قال: ومن في الدنيا لا يعرف أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ؟! فقال: أنا أحمد بن حنبل، وهذا يحيى بن معين! فتدبر أمره ثم قال: ما رأيت أسفه منكما! ما في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا أنتما، يوجد ألف رجل اسمه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين!! ومن القصص أن عامر الشعبي -وهو ثقة ثبت من كبار التابعين- كان في مجلس الوعظ والتذكير يصلي، وقام القاص يقول: إن الله خلق صوراً فسينفخ فيه نفخة الصعق، وخلق صوراً آخر ينفخ فيه نفخة القيامة، فسمعه الشعبي وهو يصلي قال: فخففت صلاتي ثم قمت إليه وقلت: يا هذا اتق الله ربك، كيف تحدث أن الله خلق صورين، من الذي حدثك؟ قال: حدثني فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هذا حديث مختلق عن رسول الله، فخلع القاص نعله وسبه وقال: تعارضني وقد حدثني بالحديث فلان، وضربه بالنعل في رأسه، قال الشعبي: فما دريت إلا وكل المجلس قد خلعوا نعالهم ويضربونني، فما تركوني حتى قلت: إن لله ثلاثين صوراً سينفخ في كل صور نفخة، فتركوني عند ذلك! وأيضاً كان بعض القصاصين يحدث عن رسول الله ويقول: حدثني الأعمش ، وقد كان صيت الأعمش مشهوراً فهو أمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثني الأعمش وحدثني الأعمش والأحاديث مختلقة، فـالأعمش نظر إليه يحدث الناس وهم ينسجمون معه، فقام أمامهم فخلع ثيابه وأخذ ينتف شعر إبطه، فقام القاص وقال: مالي أراك سيئ الأدب في مجلس يحدث فيه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وتفعل هذا الذي تفعله؟! قال: اسكت فإني في خير وأنت في شر، أو قال: ما أنا فيه خير مما أنت فيه وتأويل ذلك: أن نتف الإبط من السنة، وما أنت فيه هو كذب على رسول الله. وبعض القصاصين كانوا أصحاب تجارة يريدون المال، فرجل كان حلوانياً، والحلواني بضاعته لا تروج إلا إذا نسب بعض الأقوال إلى رسول الله، وهذه دلالة على أن الناس يسارعون إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكان دائماً ينظر في الناس ومن لم يشتر منه ويقول: حدثنا فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الهريسة تشد الظهر)، فكان كل من يسمعه يشتري منه الهريسة، فكانوا يضعون الأحاديث وينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أجل المال. وهناك أسباب أخرى كأن يغتاظ رجل من رجل آخر فتراه يضع عليه حديث كما فعل هذا الإسكافي، فقد جاءه ابنه ذات مرة يبكي فقال: ما يبكيك؟! قال: ضربني معلمي، قال: والله لأؤدبنه، ثم قال: حدثني فلان عن فلان عن فلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شراركم معلمو صبيانكم). ومن الأسباب: الخلافات السياسية، والمآرب الشخصية، والتعصب المذهبي، والتعصب للنسب، والتعصب للجهة، فمثلاً كانوا يقولون: العرب أفضل الناس، فإذا دخل العجم في الإسلام فإن العرب يريدون إظهار شرفهم، فيضع بعضهم حديثاً في فضائل العرب، حتى أن بعضهم قال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلام أهل النار البخارية، وأبغض الكلام إلى الله الفارسية، وكلام أهل الجنة العربية). ومنهم من يضع ذلك على التعصب، فيرى رجل أن إمامه يقول: رفع اليدين عند الركوع لم ترد بها سنة، والآخر يقول: وردت بها سنة، فيضع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن ينصر مذهب الأحناف، وفي هذه العصور المتأخرة ظهر مثل هؤلاء، فبعضهم كان يضعف الحديث الصحيح من أجل مذهبه، ويصحح الحديث الضعيف من أجل مذهبه، بل ارتقى فوق ذلك وكان يسب الصحابة من أجل الانتصار لمذهبه، كما فعل الكوثري ، والآن بعض الغماريين يفعلون ذلك، فتراهم يتشددون من أجل مذهب الأحناف فيضعفون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل ويردون بعض أحاديث عن أبي هريرة وقالوا: أبو هريرة ليس بفقيه! ومن القصص أنها حصلت مشاحنة بين شافعي وحنفي، فقام الحنفي فقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يخرج في هذه الأمة رجل هو سراج أمتي يكنى بـأبي حنيفة ، ويخرج على هذه الأمة رجل اسمه محمد بن إدريس هو أضر على هذه الأمة من إبليس. وآخر يرى أن رفع اليدين في الركوع ليس بسنة، فقال: حدثني فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له). ومن أسباب الوضع أيضاً عداوة الإسلام وأهله، كما فعل عبد الله بن سبأ وغيره من الذين دخلوا فيه عنوة وجبراً كالمنافقين، فكانوا يتسترون بالنفاق ويحقدون على أهل الإسلام، فأرادوا أن يدمروا عقائد المسلمين بهذه الأحاديث المختلقة الموضوعة، وبعضهم وضع على النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، فلما أرادوا قتله بعد ما علموا أنه وضع الحديث قال: كيف تفعلون بأربعة ألاف حديث قد وضعتها على النبي صلى الله عليه وسلم أحللت بها الحرام وحرمت بها الحلال؟! فقيل له: الجهابذة ينقون هذه الأحاديث، والحمد لله الذي نصب لنا من يحافظ على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.ومن أسباب الوضع: مجاملة السلاطين، فترى كثيراً من الرواة كانوا يمنعون من الدخول على السلاطين، ولا يقبلون هدايا وعطايا السلاطين؛ لأن السلطان قد تحملك مجاملته أن تقول ما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة إذا كان الغرض في ذلك العطايا والهبات، وقد اشتهر في وقت الخلافة الأموية والخلافة العباسية أن الشعراء يدخلون فيمدحون الوالي، والمدحة لها ثمن كبير، والمحدثون الذين لا دين لهم والذين كان يجعلون الدين قنطرة لأمر الدنيا لا للآخرة، وباعوا دينهم بعرض رخيص وثمن بخس دراهم معدودة من أمر الدنيا؛ كانوا يدخلون على السلاطين فيأخذون المال بعدما يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهر قصة في ذلك قصة غياث بن إبراهيم عندما دخل على المهدي العباسي ، فوجده يلعب بالحمام، واللعب بالحمام كان الشافعي يرى أنه يخدش المروءة، ومن خدشت مروءته فلا تقبل شهادته، ولا تؤخذ روايته، ولا يؤخذ عنه والعلم، فدخل عليه غياث بن إبراهيم فوجده يلعب بالحمام، فأراد أن يطيب قلبه فقال: حدثني فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح)، ومعنى: (لا سبق) أي: لا عطية ولا مال: (لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر) فزاد (أو جناح) مجاملة لمن يلعب بالحمام، فـالمهدي كتب له بالمكافئة والعطية، فبعدما أخذ العطية وخرج من عنده قال: أشهد الله أن قفاك قفا كذاب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا الحديث، ثم قال: أنا حملته على الكذب على رسول الله، فأمر بالحمام فذبح جميعاً؛ من أجل الحفاظ على سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه أسباب الوضع في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تصدى لها الجهابذة، فغربلوا الأحاديث وبينوا لنا الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. وهنا مسألة وهي: هل للمعاصرين أن يجتهدوا في حديث النبي فيصححوا أو يضعفوا ما لم يتكلم عليه المتقدمون؟ مذهب ابن الصلاح ووافقه كثير من المحدثين أن الاجتهاد قد أغلق بابه في العصر الأول بعد البيهقي والدارقطني ونحوهما، فإذا قال الدارقطني : ضعيف فهو ضعيف، وإذا قال الدارقطني : صحيح فهو صحيح، وليس لك أن تبحث، والواقع يخالف ذلك، فـابن حجر والذهبي والنووي والسبكي وابن السبكي وابن عبد الهادي الحنبلي هؤلاء كلهم صححوا وضعفوا الأحاديث، وفي عصر ابن الصلاح نفسه ابن القطان والدمياطي وغيرهما كانوا يصححون ويضعفون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بالآلات وبالشروط التي اشترطها العلماء، فالاجتهاد باق إلى آخر يوم تكون فيه الدنيا، فالاجتهاد باق في هذه الأمة، وهو نبراس هذه الأمة، وهو ميزة من مميزات هذه الأمة، وسنطلع على اجتهاد الأئمة ونعرف كيف نظروا في حديث النبي فقالوا: هذا حديث موضوع، وكيف عرفوا ذلك، وما هي الشروط وما هي الأدوات والآلات التي جعلتهم يميزون من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح من الموضوع؟ وكثير من المحدثين أهم ما يهتمون به هو الإسناد، لكن بعض العلماء القلة اهتموا بمسألة المتن؛ لأن الإسناد والمتن متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر كما سنبين بإذن الله.
 

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقاييس نقد متون السنة - تدوين السنة للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net