إسلام ويب

القدر سر الله في الكون، والعبد مكلف بالتسليم لأقدار الله وحكمه فحسب، فالله يخلق ما يشاء ويقدر ما يشاء لا اعتراض على حكمه ولا شقاق لأمره، أفعاله كلها كمال كأسمائه وصفاته، ولا عبث فيما خلق، فكل مخلوق خلق لحكمة جهلها من حجب الله عنه نور علمه، وعلمها من هداه الله لنور حكمته، وعظيم تقديره وصنعه، ومع ذلك فالعبد عاجز عن إدراك حكمة الله في كل دقائق محيطه، والله من رحمته قد جلى له حكماً تنير سبيل تسليمه لربه.

مقدمات ضرورية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد:

فسنتكلم في هذا البحث عن مسألة طرحت وتطرح وينظر ويدقق النظر فيها، وهي مسألة نسبة الشر إلى الله، فهل ينسب الشر لله جل في علاه أم لا؟ وهذه مسألة عويصة تكلم فيها من لا علم له فيها فأفسد، وتكلم فيها من أتقن فيها فأجاد، ولا بد في هذه المسألة من نظر أولي بتأصيل علم معين.

ومن هذا التأصيل أن نقول: الشر مثل: الزنا، والسرقة، والكذب، والخداع، والغش، هل هو من خلق الله؟

والسؤال الثاني المطروح: هل يحب الله هذه الشرور؟ وهل كل ما خلقه الله يحبه؟

فهذا سؤالان مطروحان لابد من الإجابة عنهما.

والإجابة عن هذه الأسئلة تأتي بعد التأصيل الذي سيريح طالب العلم، وهو كالتالي:

الأصل الأول: إن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق، فله الكمال في أسمائه الحسنى، وله الكمال في صفاته العلى، وله الكمال في أفعاله، فلا يمكن أن ينتج عن فعل الله إلا الكمال.

وهذا التأصيل هو الذي يجب أن تعتقده أولاً.

الأمر الثاني الذي يجب أن تعتقده: أن الله جل في علاه لم يخلق خلقاً ولم يفعل فعلاً إلا وهو نابع عن حكمة وعلم، فالله جل في علاه هو أعلم العالمين، وهو أحكم الحاكمين، فما خلق شيئاً إلا لحكمة، وما فعل شيئاً إلا لحكمة، وستدرك فائدة هذه المسألة حين تعلم أن الله ما قدر قدراً، سواء كان يسراً أو عسراً إلا لحكمة بالغة.

التأصيل الثاني يتناول الشرور وهو: شر الزنا وشر السرقة وشر الغش هل هذه شرور محضة؟ وهل الشر فيها شر محض أم أنه نسبي إضافي؟ وهذا تأصيل ثانٍ لابد لطالب العلم أن يتقنه.

فينبغي أن يعلم أن الشرور قسمان: القسم الأول: شر محض مطلق لا خير فيه بوجه من الوجوه، وهذا القسم من الشر لا وجود له بحال من الأحوال، فلم يخلق الله شراً محضاً.

القسم الثاني: شر نسبي إضافي، يكون من وجه شر ومن وجه آخر خير، أو من وجوه أخرى خير، ومثال ذلك: قطع يد السارق فهو شر بالنسبة له؛ لأنه فقد عضواً من أعضائه التي كان من الممكن أن يعينه ويساعده على الحياة، وهو ليس بشر محض، بل هو خير من وجوه أخر منها قول الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179]، فكل سارق سيحدث له القطع الزجر الشديد، ويكون رادعاً له فلا يسرق، فيأمن الناس على بيوتهم وأموالهم وأعراضهم، وكل هذه خيرات من قطع يد السارق.

بل فوق ذلك أن هذا الشر الذي لحق بالسارق فيه خير له، وهو أن قطع اليد كفارة لما فعل، فلا يسأل عن السرقة يوم القيامة عند الله جل في علاه، والدليل على ذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءته المرأة فقالت: إني حبلى من الزنا فطهرني، فأمر برجمها، فلما رجمت تناثر الدم على وجه خالد فقال خالد : لعنة الله عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبها فإنها تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم).

ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرها على قولها: طهرني، فيستفاد من ذلك أن إقامة الحد طهارة من الذنوب، وإذا طهرت من الذنب فلا تسأل عنه يوم القيامة بحال من الأحوال، وهذا وجه الدلالة الأول.

وهناك وجه ثان في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوستعهم)، وهو أن التوبة تجب ما قبلها، ومعلوم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويؤيده حديث (من تاب تاب الله عليه)، وإن كان فيه ضعف.

فدل ذلك على أن إقامة الحد فيه خير كبير للسارق.

وقد يظن أن إبليس شر محض، فهو صاحب الغواية والوسوسة، وهو الذي ألزم نفسه وأقسم بربنا جل في علاه أنه يزين لأهل الأرض حتى يدخلهم نار جهنم، وهو شر ليس بعده شر، ومع ذلك خلقه الله جل في علاه، وهنا لا ينبغي أن تقول: رضية ولا تقول: أراده بل تقول: شاءه الله، أي: قدره كوناً، ومع ذلك فهو شر نسبي إضافي.

فما الخير الذي يأتي من ورائه إذا قلنا: إنه ليس بشر محض؟

هو شر من وجه ومن وجوه أخرى فيه خيرات، فهل هناك خيرات تأتي من الشيطان؟ كيف وقد لعنه الله حيث قال: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:18]؟ كيف والشر كله في إبليس غواية، ووسوسة، وقتل، وتفريق بين الزوجين، وسحر، وغير ذلك؟!

نعم، كل هذه شرور من الشيطان، لكن فيه خير، بل خيرات، فمنها مغفرة الذنوب، ومنها التمييز إذ بالشيطان يحدث التمايز، وهذه حكمة بليغة من الله جل في علاه؛ لأن الله من حكمته أنه يضع الشيء في موضعه، ومعلوم أن الشرع يأتي فيفرق بين المختلفين ويسوي بين المتماثلين، وأصل هذه التقعيدات قول الله تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:153-154].

فلولا أن الشيطان موجود، يوسوس لهذا ويوسوس للآخر، ويجعل هذا يزل وهذا يزني وهذا يسرق، لادّعى كل إنسان الخير والصلاح.

وكل يدعي وصلاً بليلىوليلى لا تقر لهم بذاك

كل سيدعي أنه من أهل الخير، فالتميز حاصل بالوسوسة التي تمحص المؤمن من الكافر، وتميز المسلم من الفاسق والبر من الفاجر.

إذاً: الأصل الثاني: لم يخلق الله جل في علاه شراً محضاً، وهنا قد يقول قائل: إنك أصلت أصلاً أولاً قد رجع عليك بالنقد إذ إنك قلت: كل أفعال الله كمال، خالية من الشر وقد أقررت هنا بالشرور!

والجواب على ذلك أن نقول: إن الشر في مفعولات الله وليس في أفعال الله، بمعنى: الشر في الأثر وليس في الأصل، فخلق الله لإبليس كمال محض، من حيث إنه خلق، أما إبليس نفسه ففيه شر، فيعلم أن فعل الله كمال والشر في المفعول وليس في الفعل.

ويفسر هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأعوذ بك من شر ما قضيت)، فالشر في المقضي فحسب، فدل على أن الشر في المفعولات وليس في الأفعال.

الأدب في نسبة المفعولات إلى الله

من الشرور الزنا والسرقة والقتل والغدر، فهل تنسب هذه الشرور إلى الله؟

الإجابة على ذلك أن نقول: سنقر بهذا لكن بقيد وشرط، ونثبت هذا على التقييد لا على الإطلاق، أو نقول: على التضمين وليس على التصريح، فلنا ثلاثة أمور نقر فيها بأن الله خلق الشر:

الأمر الأول: أن نجعل هذه الشرور تندرج تحت الأصل العام، فلو قيل: أخلق الله الزنا؟ أخلق الله القتل؟ أخلق خلق الله السرقة؟ نقول: الله خالق كل شيء؛ إذ إنه من سوء الأدب أن تقول: خلق الله الزنا، أو خلق الله هذا الفحش من الكلام، فمع أن الله خلقه، لكن نقول: هذا الشر في المفعول وليس في الفاعل، فتدرجه تحت الأصل العام ألا وهو: الله خالق كل شيء.

الأمر الثاني: أن تنسب هذا الشر للإنسان وكسبه، فالإنسان هو الذي زنى، وهو الذي سرق، وهو الذي قطع، وهو الذي تكلم بفحش الكلام، وقد قال الله تعالى حاكياً عن الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام أنه قال: وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:80] فمع أن المرض خلقه الله، إلا أنه نسب المرض لنفسه؛ ولذا يصح أن تقول: الزاني فلان، أو السارق فلان.

وفي الحديث أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما دخل اليهود وقالوا: يا رسول الله! السام عليك، فقالت عائشة : وعليكم السام، ثم قالوا: السام عليكم مرة ثانية ثم ثالثاً فقالت عائشة : وعليكم السام والموت يا إخوة القردة والخنازير، فلما قالت ذلك قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة ! قد رددنا عليهم، إن الله لا يحب الفاحش البذيء)، فنسب السب للمكلف، فلك أن تنسب الشر لفاعله.

وسبق في مبحث الأسماء والصفات أننا عندما نتحدث عن صفات الكمال ينبغي أن نتحدث عنها بتفصيل فنقول: الله خالق، الله رازق، الله معطي، الله محب، الله ينزل، وعند التحدث عن الصفات السلبية التي هي صفات النقص نتحدث عنها بإجمال، وقد ضرب صاحب شرح الطحاوية مثلاً لذلك فقال: لو دخل رجل على ملك موقر فقال له: أنت ليس في الكون مثلك، أنت لست بزبال ولست بكناس ولست بزان وأمك ليست بعاهرة، ولا أبوك بسارق، فلا شك أنه سيقطع رأسه في الحال؛ لأنه سيء الأدب.

وهكذا عند نسبة الشر لله جل في علاه نقول: إنه يندرج تحت القاعدة العامة أو الأصل العام: الله خالق كل شيء، والثاني: أن ننسب لفاعل الشر فعل الشر، وهذا مستقى من قول إبراهيم: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80].

ومع ذلك لا بد أن يعلم أن نسبة الشر لفاعله ليس على الإطلاق، بل ننسبه لفاعله كسباً وننسبه لله خلقاً وإيجاداً، فإن قال لك قائل: خلق الله الزنا؟ خلق الله الفحش؟ فقل: هذا زان، هذا فاحش، وإذا شئت التفصيل فقل: هذا زان كسباً، ولكن الله جل وعلا خلق كل شيء.

الأمر الثالث: عند نسبة الشر لله جل في علاه ينبغي أن تبني بالمفعول، فلا تصرح بنسبة الشر لله، وهذا علمناه من فقهاء الجن، حيث قالوا: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10] فهم عندما تحدثوا عن الكمالات نسبوها صريحة لله جل في علاه، وعندما تحدثوا عن الشرور بنوا للمفعول فقالوا: أريد بهم شراً ولم يقولوا: الله أراد بهم شراً.

مسائل في القدر

إن أول ما خلق الله من المخلوقات القلم كما ورد في الحديث: (أولُ ما خلق الله القلم - أو: أولَ ما خلق الله القلم- ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء إلى يوم القيامة)، فالله قد كتب كل شيء، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما في مسند أحمد قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ومعه كتاب في يمينه فقال: فرغ ربكم من العباد، فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، قال: فختم عليهم بأسمائهم وأسماء ذرياتهم وأسماء آبائهم، وكتاب آخر في شمال النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وهؤلاء في النار ولا أبالي، ختم عليهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وذرياتهم)فانتهى الأمر، والله أعلم بما كانوا عاملين.

أهل الفترة وأقوال أهل العلم فيهم

أهل الفترة هل هم من الذين كتبهم الله جل في علاه من الناجين أم من المهلكين؟

وبمعنى آخر: هل هم من الكفار وسيكونون مع الكفار يوم القيامة أم أنهم من المؤمنين وسيكونون مع المؤمنين يوم القيامة؟ وكذلك ما حكم أطفال المسلمين وأطفال المشركين؟

أما أهل الفترة فإن فيهم لأهل العلم قولان: وقبل أن نذكر القولين لا بد أن نعرف أولاً من هم أهل الفترة؟

أهل الفترة هم الذين فتر عنهم الوحي، أي: انقطع عنهم الوحي، وهم مثل القوم الذين عاشوا بين عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم، فمعلوم أنهم لم يأتهم النذير، لا الموحى إليه وهو النبي، ولا المبلغ عنه وهم العلماء.

فهل هم من المؤمنين أم من الكفار؟

اختلف العلماء في حكمهم على قولين:

القول الأول وهو قول جمهور أهل العلم: أنهم في الجنة، أو قالوا: ليسوا بمخلدين في النار، واستدلوا على ذلك بأدلة:

الأول: قال الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فهذه الآية قاطعة فاصلة في النزاع بأن أهل الفترة ليسوا من أهل النار.

ومفهوم المخالفة هو وجه الدلالة، إذا قال الله: إننا سنعذب إذا جاءت الرسل، فيكون إن لم تأت الرسل فلا تعذيب.

الثاني: قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

الثالث: قوله تعالى في سورة النساء: وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، ولا أحد يستطيع أن يقول للكافر: كافر إلا إذا جاءته الحجة فكفر بها.

الرابع: قال الله تعالى مبيناً الحكمة من إرسال الرسل: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

وهذه الآية صريحة جداً في أن أهل الفترة ليسوا من أهل النار؛ لأنه إذا لم يكن هناك رسل، فلهم الحجة عند الله جل في علاه يوم القيامة.

القول الثاني وهو لبعض العلماء وعلى رأسهم الإمام النووي قالوا: لا نوافق على هذا القول؛ لأنه من الضعف بمكان، بل عندنا الأدلة الخاصة التي تثبت أنهم من أهل النار، ومنها:

أولاً: قال الله تعالى: وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، وهم كفار قد كفروا بالله جل في علاه.

ثانياً: قال الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] وهذا الدليل عام، وهو مخصوص بالحديث الذي في صحيح مسلم عندما دخل رجل فقال: (يا رسول الله أين أبي؟ فقال: أبي وأبوك في النار).

وهذا دليل فاصل في النزاع؛ لأن أبا النبي صلى الله عليه وسلم كان من أصحاب الفترة، وكذا أم النبي صلى الله عليه وسلم كانت في عصر الفترة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فذهب للقبر فبكى وبكى من حوله).

ثالثاً: حديث في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها سألت عن عبد الله بن زيد بن جدعان وقالت: (يا رسول الله كان يكرم الضيف ويصل الرحم ويصنع المعروف، فما له عند الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ما قال يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، وهذه دلالة على أن أهل الفترة في النار.

أما أدلة الجمهور، فالرد عليها كالآتي: أما قول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فنحن نقول: نفى الله العذاب عنهم في الدنيا لا في الآخرة، فهذا خاص بالدنيا دون الآخرة، وعذابهم في الآخرة موجود.

فرد الجمهور على ذلك مستدلين بقوله تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ [الملك:8-9]، فكل فئة، وكل طائفة في كل زمان ومكان إذا دخلوا النار سألهم الخزنة: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا [الملك:8-9] وقولهم: قَالُوا بَلَى [الملك:9] قاطعة بأنه لا فترة الآن؛ لأنهم قالوا: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ [الملك:9] فهذه آية عامة.

فرد عليهم: بأن هذه آية عامة والمراد بها الخصوص فيمن أرسل إليهم الرسل، ونزاعنا فيمن لم يرسل إليهم الرسل.

رابعاً: ميثاق الفطرة، حين مسح الله على ظهر آدم، فأخرج كل الذرية ووقفوا أمام ربهم فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] فشهدوا بربوبية الله جل في علاه، فكان هذا الميثاق حجة عليهم بأنهم أقروا بربوبية الله، فلا يعذرون بالشرك في الربوبية سواء بعث الرسول أم لم يبعث، فهم مطالبون بأصول الشريعة وهو التوحيد الخالص لله جل في علاه.

والراجح من القولين هو القول الأول وهو قول الجمهور، فإن أهل الفترة ليسوا من أهل النار، والدليل على ذلك عموم قول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وعموم قول الله تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:8]، وأيضاً عموم قول الله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] فالحجة مرتبطة ومناطة بالرسل، فإذا فقد الرسول فلا حجة، وإذا وجد الرسول وجدت الحجة، والله لا يعذب قوماً حتى يبين لهم ما يتقون، وما كان الله ليظلم قوماً أبداً حتى يبعث إليهم رسولاً يبين لهم طريق القويم الطريق النجاة وطريق الهلاك.

أما أدلة القول الثاني فالرد عليها كما يلي:

أولاً: زمن النبي صلى الله عليه وسلم زمن فترة ولا فترة بمعنى أن أشخاصاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كانوا من أهل الفترة وآخرين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا من أهل الفترة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [السجدة:1-3].

فالآية دليل على أن زمن النبي الذي سبق البعثة زمن فترة؛ لأن الله نفى أن يكون قد أتاهم نذير، ولما لم يأتهم النذير لا بالوحي ولا بالبلاغ فهم من أهل الفترة.

أما الدليل على أن زمن النبي صلى الله عليه وسلم زمن فترة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة دخل الكعبة فوجد تصاوير لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكانوا قد صوروهما يستقسمان بالأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كذبوا والله لقد علموا ما استقسما بالأزلام قط)، فعُلم أنهم قد بلغتهم رسالة إبراهيم.

وبالنظر في الدليلين: الآية التي تثبت أنه ما أتاهم من نذير، والحديث الذي يثبت أنهم يعلمون من حنيفية إبراهيم وأنهم أتاهم النذير، نجمع بين الآية والحديث بحيث يدرأ التعارض الظاهر فيقال: الآية تثبت عدم النذير لأشخاص معينين، والحديث يثبت أن هناك أشخاصاً علموا دين إبراهيم عليه السلام فلزمهم دين إبراهيم، فلما أشركوا لم يكن لهم العذر عند الله جل في علاه، ويتضح هذا الجمع جلياً في حديث السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربعة لهم الحجة عند الله: رجل أحمق، ورجل أصم، ورجل هرم، ورجم من أهل الفترة، فأما الأحمق فيقول: رب جاءني رسولك ولم أعلم عن قوله شيئاً -أي: لم أفهم منه شيئاً- وقال الهرم: رب جاءني رسولك ولا أعقل عنه شيئاً -والهرم من وصل إلى أرذل العمر-، ويقول الأصم: رب جاءني رسولك ولم أسمع شيئاً، وقال صاحب الفترة: رب لم يأتني رسولك)، فيوجد ثلاثة أصناف قالوا: جاءنا الرسول لكن الحجة لم تبلغ، وهذه تجعل طالب العلم يدقق النظر، وأن المسألة ليست في الرسول فقط كما يعتقد التكفيريون؛ لأنه لو قيل لأحدهم: هذا رجل طاف بالقبر لأفتى بكفره وأحل دمه! والحق أن يقال: القول قول كفر، والفعل فعل كفر، لكن لا نكفره حتى نقيم الحجة عليه، ونزيل الشبهة، ولو قيل: من يقيم الحجة؟ نقول: الرسل، فإن رد: قد ماتوا؟ فهنا يجاب بما جاء في الحديث من أن ثلاثة ممن جاءهم الرسول نفوا الحجة، فدل على أن الحجة هي المهمة، وأن الأصل قيام الحجة سواء أقامها الرسول أو أقامها من ناب عن الرسول.

أما الرابع فقال: ما جاءني الرسول فعد من أهل الفترة، ولم تقم عليه الحجة، وهذا الحديث ظاهر جداً فاصل في النزاع بأن صاحب الفترة له الحجة عند الله. (فقال الله تعالى إذا أخذت عليكم المواثيق تقرون وتسمعون وتطيعون؟ قالوا: سمعنا وأطعنا، فيأمرهم جميعاً أن يدخلوا نار جهنم، فإذا دخلوها كانت برداً وسلاماً عليهم، وإن لم يدخلوها فهم من أهل النار وبقوا فيها، والله أعلم بما كانوا عاملين)، والحديث صحيح.

فتعين أن القول الفصل في هذه المسألة أن أهل الفترة غير معذبين لكنهم مكلفون يوم القيامة، حيث يختبرهم الله جل في علاه ويأمرهم بدخول النار، فإذا دخلوا النار كانت برداً وسلاماً عليهم كما كانت على إبراهيم عليه السلام ثم مآلهم إلى الجنة، وإن عصوا بقوا في النار خالدين فيها؛ لأنهم عصوا الله جل في علاه، والله أعلم بما كانوا عاملين.

أما الأحاديث التي استدلوا بها على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فالإجابة عنها: أن زمن النبي قسمان: زمن فترة وزمن لا فترة، زمن فترة لقول الله تعالى: مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [السجدة:3]، وهذا إقرار من المليك المقتدر بأنه لم يأت النذير لهؤلاء، وأما أم النبي وأبو النبي وعبد الله بن زيد بن جدعان فقد أتاهم النذير، للأحاديث الكثيرة التي بيناها، مثل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كذبوا، والله ما استقسما بالأزلام قط وعلموا ذلك).

كما أن ورقة بن نوفل حجة دامغة على أمثال هؤلاء.

ولو سئل سائل هل يوجد في زمننا هذا من هو من أهل الفترة؟

الجواب: ما دام أن العبرة قيام الحجة وليس العبرة الرسول، وفي حديث الأربعة السابق أنهم: أقروا بوجود الرسول ونفوا وجود الحجة، فغير محال أن يوجد اليوم من هو من أصحاب الفترة، فمناط الحكم وجود الحجة، وعلى ذلك ففي أمريكا نفسها لو وجد فيها من لم يصل إليهم الإسلام الصحيح فهم من أهل الفترة، وهم مكلفون يوم القيامة، وفي كل مكان من لم تصل إليهم الحجة فهم من أهل الفترة.

وقد يعترض على الأحاديث السابقة بعدة اعتراضات:

الأول: هذه الأحاديث أحاديث ضعيفة.

الثاني: يلزم من قولكم بصحة هذا الحديث أن دار الآخرة تكون دار تكليف، والصحيح بالتأصيل العلمي الشرعي أن الدار الآخرة دار جزاء وليست دار تكليف.

ويجاب عن الاعتراض الأول منها: أن الحديث صحيح ليس فيه ثمة ضعف. ويجاب على الاعتراض الثاني: أن التكليف في عرصات القيامة وليس في الدار الآخرة، أما إذا دخل أهل الجنة الجنة ودخل أهل النار النار، فلا تكليف، كما أن هناك أدلة كثيرة تدل على أن أناساً يكلفون في عرصات القيامة ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: (يكون الناس أصنافاً، صنف يعبدون الشمس فتأتي الشمس ويكورون في نار جهنم بها، وصنف يعبدون القمر فيأتي القمر ويكورون خلفه في النار، ثم صنف يقفون من أهل الكتاب فيقول الله جل في علاه: من تنتظرون؟ يقولون: ننتظر ربنا عيسى فيقول: كذبتم، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، فيمثل لهم جني بصورة عيسى فيسقط فيتساقطون خلفه، وأيضاً الذين يعبدون عزيراً يظهر لهم الجني بصورة عزير فيسقط ويتساقطون خلفه، وما يبقى إلا هذه الأمة فيها المؤمنون الصالحون وفيها المنافقون.

فيأتيهم الله جل وعلا على صورة لا يعرفونه بها فيقول: من تنتظرون؟ قالوا: تركناهم في الدنيا ونحن أحوج ما نكون لهم، فألا نتركهم في هذه اللحظات؟! فقال: من تنتظرون؟ قالوا: ننتظر ربنا قال: أنا ربكم، قالوا: نعوذ بالله منك لست بربنا، ويأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم فيقولون: لست بربنا فيقول: بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه فيسجد كل مخلص وأما المنافق فيرجع ظهره طبقاً لا يستطيع أن يسجد، كلما أراد السجود انقلب على ظهره)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وقد يرد اعتراض أخير وهو أن دخول النار بما فيها من أجيج تكليف بما لا يطاق، وهو تكليف بما ليس في الوسع، وقد قال الله تعالى مقرراً قاعدة عامة: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وقال أيضاً: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

ويجاب عن ذلك بأن قولكم سيكون صحيحاً إذا أمرهم الله أن يدخلوا نار جهنم في الدنيا؛ لأنه ليس بوسعهم، أما في عرصات يوم القيامة فإننا نوقن بأن الله لا يأمر إلا بالمستطاع، وهو قد أمرهم بما في وسعهم، والدلالة على ذلك أن أهل الجنة عندما يعرفون منازلهم في الجنة لا بد وأن يمروا على الصراط، وهذا تكليف لهم، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أحد من السيف وأدق من الشعر، وليس بمقدور أحد أن يمر عليه في الدنيا، أما في الآخرة فقد قواهم الله على ذلك، كما أن الله جل في علاه أعلم بهم وأعلم بمن يسمع ويطيع، وأعلم بمن يخالف، فيأمرهم بالدخول إلى النار، فإذا سمعوا وأطاعوا كانت برداً وسلاماً ثم بعد ذلك دخلوا إلى جنات ونهر فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].

ويلحق بالمسألة السابقة مسألة أطفال المشركين والراجح فيهم أنهم في الجنة خدم لأهل الجنة، والدليل على ذلك حديث الإسراء عندما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ورأى إبراهيم يسند ظهره إلى البيت المعمور، وحوله أطفال المسلمين والمشركين، وذكر أن أطفال المشركين وأطفال المسلمين في الجنة، وهذه دلالة واضحة جداً فاصلة في النزاع بأن أطفال المسلمين والمشركين في الجنة.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هل ينسب الشر لله عز وجل؟ للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

https://audio.islamweb.net