اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح ألفية ابن مالك [21] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


شرح ألفية ابن مالك [21] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
كان وأخواتها نواسخ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ولأخبارها أحكام مختلفة من حيث التوسط والسبق ونحو ذلك، وبعض هذه النواسخ قد يأتي تاماً ويأتي ناقصاً، وقد تحذف كان مع اسمها أو وحدها، وهذه أمور مفصلة عند النحاة.
توسط خبر كان وأخواتها
ثم قال: (وفي جميعها توسط الخبر أجز)(في جميعها) جار ومجرور ومضاف متعلق بأجز. و(توسط) مفعول به وعامله أجز، وهو مضاف إلى الخبر. و(أجز) فعل أمر وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.وقال: (وكل سبقه دام حظر)(كل) مبتدأ. و(سبق) مفعول مقدم لحظر، وهو مضاف إلى الضمير، والضمير هنا فاعل المصدر. و(دام) مفعول به للمصدر. و(حظر) خبر كل، والتقدير: كل حضر سبق الخبر داموالمعنى: أن كان وأخواتها وهي ثلاثة عشر، كلها يجوز فيها توسط الخبر، تقول: كان قائماً زيد، وظل شديداً المطر، وما فتئ قائماً خالد، وما دام قائماً فلان، وليس ناجحاً الكسول.إذاً جميع هذه الثلاثة عشر يجوز أن يتوسط خبرها.وهل يجوز أن يتقدم الخبر على الأداة؟
 حكم تقدم خبر ليس عليها
ثم قال: [ومنع سبق خبر ليس اصطفي وذو تمام ما برفع يكتفي](منع) مبتدأ، و(اصطفي) خبر المبتدأ، و(منع) مضاف، و(سبق) مضاف إليه، و(سبق) مضاف، و(خبر) مضاف إليه، فسبق مصدر مضاف إلى فاعله، و(ليس) مفعول به لسبق، والتقدير: اصطفي منع سبق سبق الخبر لليس.ففي هذا الشطر أشار ابن مالك رحمه الله إلى أن النحويين اختلفوا في جواز تقدم خبر ليس عليها، واختار هو المنع؛ لأن (اصطفي) بمعنى اختير، فهو يقول رحمه الله: اصطفي منع سبق خبر ليس عليها، وهو إشارة إلى أن المسألة فيها خلاف.والصحيح جواز تقدم خبر ليس عليها خلافا لابن مالك ؛ لأن في القرآن ما يشير إلى جواز ذلك وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8] فإن (يوم) ظرف، وعامله (مصروفاً) والتقدير: ليس مصروفاً عنهم يوم يأتيهم، يعني: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، فـ(يوم يأتيهم) معمول لمصروفاً، ومصروفاً هو الخبر، وإذا جاز أن يتقدم معمول الخبر وهو فرع لعامله فتقدم عاملة من باب أولى، ولهذا كان القول الراجح جواز تقدم خبر ليس عليها.وعلى هذا فتقول: قائماً ليس زيد.وعلى رأي ابن مالك لا يجوز أن تقول: قائماً ليس زيد، بل قل: ليس قائما زيد، أو ليس زيد قائماً.والقائلون بالمنع قاسوا قياساً فاسداً، فقالوا: لأن (ليس) دالة على النفي؛ فيمتنع تقدم خبرها عليها، كما منعنا تقدم الخبر على ما النافية.فيقال: هذا قياس ليس بصحيح؛ لأن ليس نفيها من ذاتها، بمعنى: أنها فعل دال على النفي، و(ما) لا تدل على النفي إلا باقترانها بما بعدها فلا يصح القياس.ونعارض قياسهم فنقول: نقيسها على جواز تقدم الخبر إذا كانت الأداة ليست (ما) كما نجوز أن نقول: قائما لا يزال زيد. فليس قياسها على (ما) بأولى من قياسها على (لا).وعلى هذا فيكون هذا الدليل مدفوعاً، ودليل الجواز مثبتاً، وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8]. وقد أجابوا عن الآية بما لا يغني، وهو أن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها.
ما يجيء تاماً وناقصاً من كان وأخواتها وما يلازم النقص
يقول: (وذو تمام ما برفع يكتفي ) ذو: يجوز في إعرابها وجهان:الأول: أن تكون خبراً مقدماً لـ (ما).الثاني: أن تكون مبتدأ والخبر (ما)؛ لأن (ما) اسم موصول، و(برفع) جار ومجرور متعلق بـ (يكتفي)، أي: ذو التمام ما يكتفي بالرفع.فأفادنا المؤلف رحمه الله بأن هذه المواد تنقسم إلى قسمين: قسم تام، وقسم ناقص.فالتام هو الذي يكتفي بمرفوعه، ولا ينتظر المخاطب شيئاً، وعلامته أنه لا يراد به اتصاف شيء بشيء، مثال ذلك: كان زيد فمات، فلا ينتظر المخاطب شيئاً.ذا قلت له: كان فمات، وأنت لا تريد أن تصفه بصفة، بل تريد أن تخبر عن وجوده فقط وحينئذ لا نحتاج إلى الخبر.فالتام له علامتان:الأولى: أن المخاطب لا ينتظر شيئاً.الثانية: أنه لا يراد به اتصاف شيء بشيء.وله أمثله، منها قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم:17] فتمسون وتصبحون من أخوات كان، لكن هنا تامة، ومعنى قوله: حين تمسون، أي: حين تدخلون في المساء، وحين تصبحون: حين تدخلون في الصباح.فالمخاطب لا ينتظر شيئاً حين أقول: سبح الله إذا أمسيت، وسبح الله إذا أصبحت.لكن لو كان المعنى في غير القرآن: اسأل الله الشفاء حين تمسي مريضاً؛ فهنا تكون ناقصة؛ لأن المقصود أن يوصف شيء بشيء.وإذا قلنا: سرنا في الطريق وكان المطر، فهذه تامة؛ لأن المخاطب لا ينتظر شيئاً، وأنت لا تريد أن تصف المطر بشيء آخر سوى وجوده.لكن لو أردت أن تخبر عن المطر بأنه شديد، وتقول: كان المطر، فلا يتم الكلام، لأنك تريد أن تصف المطر بشيء، فتقول: كان المطر شديداً.ويقدر بعض النحويين كان التامة بـ(وجد)، وهو تقدير تقريبي وليس على سبيل التحديد.ووجه ذلك أن (وجد) فعل مبني للمجهول، ولا يمكن أن نفسر المعلوم بالمبني للمجهول، لكن هم يقولون ذلك على سبيل التقريب، وإذا كان على سبيل التقريب فلا بأس به، فيقولون: كان زيد فمات، أي: وجد زيد فمات.ومنه قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:107] أي ما وجدت السموات والأرض لكن هذا على سبيل التقريب.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما سواه ناقص والنقص في فتئ ليس زال دائماً قفي ](النقص) مبتدأ و(قفي) يعني: اتبع وهو خبر المبتدأ، و(في فتئ) جار ومجرور، و(ليس) معطوف عليه بإسقاط حرف العطف لضرورة الشعر، و(زال) كذلك معطوف على فتئ بإسقاط حرف العطف لضرورة الشعر، و(دائماً) يعني أنها دائماً ناقصة فلا يمكن أن تكون تامة، وهي حال من فاعل قفي. والمعنى: اتبع دائماً النقص في هذه الثلاثة، فلا يمكن أن تأتي فتئ المسبوقة بنفي أو شبهه تامة، وكذلك ليس لا يمكن أن تأتي تامة، ومثلها زال.والمراد زال الذي مضارعها يزال والمسبوقة بنفي أوشبهه، فهذه دائماً تأتي ناقصة، لابد لها من الاسم والخبر، فإن لم تجد معها إلا اسماً؛ فإن الخبر لا بد أن يكون محذوفاً.
 حكم تقدم خبر ليس عليها
ثم قال: [ومنع سبق خبر ليس اصطفي وذو تمام ما برفع يكتفي](منع) مبتدأ، و(اصطفي) خبر المبتدأ، و(منع) مضاف، و(سبق) مضاف إليه، و(سبق) مضاف، و(خبر) مضاف إليه، فسبق مصدر مضاف إلى فاعله، و(ليس) مفعول به لسبق، والتقدير: اصطفي منع سبق سبق الخبر لليس.ففي هذا الشطر أشار ابن مالك رحمه الله إلى أن النحويين اختلفوا في جواز تقدم خبر ليس عليها، واختار هو المنع؛ لأن (اصطفي) بمعنى اختير، فهو يقول رحمه الله: اصطفي منع سبق خبر ليس عليها، وهو إشارة إلى أن المسألة فيها خلاف.والصحيح جواز تقدم خبر ليس عليها خلافا لابن مالك ؛ لأن في القرآن ما يشير إلى جواز ذلك وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8] فإن (يوم) ظرف، وعامله (مصروفاً) والتقدير: ليس مصروفاً عنهم يوم يأتيهم، يعني: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، فـ(يوم يأتيهم) معمول لمصروفاً، ومصروفاً هو الخبر، وإذا جاز أن يتقدم معمول الخبر وهو فرع لعامله فتقدم عاملة من باب أولى، ولهذا كان القول الراجح جواز تقدم خبر ليس عليها.وعلى هذا فتقول: قائماً ليس زيد.وعلى رأي ابن مالك لا يجوز أن تقول: قائماً ليس زيد، بل قل: ليس قائما زيد، أو ليس زيد قائماً.والقائلون بالمنع قاسوا قياساً فاسداً، فقالوا: لأن (ليس) دالة على النفي؛ فيمتنع تقدم خبرها عليها، كما منعنا تقدم الخبر على ما النافية.فيقال: هذا قياس ليس بصحيح؛ لأن ليس نفيها من ذاتها، بمعنى: أنها فعل دال على النفي، و(ما) لا تدل على النفي إلا باقترانها بما بعدها فلا يصح القياس.ونعارض قياسهم فنقول: نقيسها على جواز تقدم الخبر إذا كانت الأداة ليست (ما) كما نجوز أن نقول: قائما لا يزال زيد. فليس قياسها على (ما) بأولى من قياسها على (لا).وعلى هذا فيكون هذا الدليل مدفوعاً، ودليل الجواز مثبتاً، وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8]. وقد أجابوا عن الآية بما لا يغني، وهو أن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها.
حكم مجيء معمول خبر كان بعدها
ثم قال: [ ولا يلي العامل معمول الخبر إلا إذا ظرفاً أتى أو حرف جر ](لا يلي العامل) العاملَ بالنصب مفعول به والعامل فيه (يلي)، ومعمول بالرفع فاعل يلي.(إلا إذا ظرفاً أتى أو حرف جر) إلا هذه أداة استثناء، و(إذا) حرف شرط غير جازم، و(أتى) فعل ماضٍ، و(ظرفاً) حال من فاعل أتى مقدم على العامل، و(أو) حرف عطف، و(حرف) معطوف على ظرفاً، و(حرف) مضاف و(جر) مضاف إليه.والمعنى: أنه لا يلي معمول الخبر العامل إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، واكتفى المؤلف بقوله: (حرف جر) عن ذكر المجرور، لأن الحرف لا يمكن أن يستقل بنفسه بل لا بد من مصحوب له. فلا يلي العامل معمول الخبر إلا في هاتين الحالتين: إذا أتى ظرفاً، أو أتى حرف جر.مثال ذلك:تقول: كان طعامَك زيدٌ آكلاً، فالعامل كان، و(طعام) معمول للخبر الذي هو آكل، وهنا ولي العامل ،كان فالمؤلف يقول: إن هذا لا يجوز؛ لأن الطعام ليس ظرفاً، ولا جاراً ومجروراً.وإذا قلنا: كان عندك زيدٌ مقيماً، جاز؛ لأنه ظرف.وكذلك إذا قلنا: كان في المسجد زيدٌ معتكفاً، يجوز؛ لأنه جار ومجرور، وهم يتوسعون في الظروف والمجرورات ما لا يتوسعون في غيره.وقال الكوفيون: يجوز أن يلي العامل معمول الخبر، وإن لم يكن ظرفاً ولا جاراً ومجروراً.وعلى هذا الرأي يجوز كان طعامك زيدٌ آكلاً، ولا فرق في ظاهر كلام المؤلف بين أن يكون الخبر مقدماً على الاسم أو مؤخراً عنه؛ فإنه يمتنع أن يلي العامل معمول الخبر ولو كان الخبر مقدماً على الاسم، كما لو قلت: كان طعامك آكلاً زيدٌ، فهو ممنوع كما لو قلت: كان طعامك زيدٌ آكلاً. أما لو تقدم معمول الخبر على الأداة، فقد سبق أنه يجوز إلا إذا كان مقروناً بما النافية، أو ما المصدرية الظرفية.وهذا من الغرائب؛ أن نجوز: طعامك كان زيدٌ آكلاً، ولا نجوز: كان طعامَك زيد آكلاً، مع أن الثانية قد تكون أولى بالجواز لأنها أخف من الأولى.أمَّا: طعامُك كان زيد آكلاً، ففيها ثقل على اللسان، وعلى السمع.فالذي يجوز الصورة الأولى: طعامك كان زيد آكلاً، ينبغي له أن يجوز: كان طعامك زيد آكلاً. ولهذا نحن على القاعدة التي أصلناها في باب النحو أنه عند الاختلاف يرجع إلى الأسهل، فيجوز كان طعامك زيد آكلاً، وكان زيد طعامك آكلاً، وطعامك آكلاً كان زيد، وطعامك كان زيد آكلاً، وطعامك كان آكلاً زيد، فتجوز كل الصور؛ لأنه إذا جاز الشيء جاز ما كان نظيره، أو أولى منه، ولا فرق بين الظرف وبين الجار والمجرور.وفي قوله تعالى: وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [الأعراف:177] تقدم المعمول على الأداة، فأنفسهم مفعول ليظلمون التي هي الخبر وقدمت على الأداة.قال:[ ومضمر الشان اسماً انو وقع موهم ما استبان أنه امتنع ](مضمر) مفعول مقدم لقوله: انو. و(اسماً) حال، يعني انوِ ضمير الشأن اسماً إن وقع موهم ما استبان أنه امتنع، يعني إن وقع في كلام العرب ما يوهم أنه ممنوع حسب القاعدة التي ذكرت، فقدر فيه ضمير الشأن.فأسس ابن مالك رحمه الله قاعدة وهي: أنه لا يجوز أن يلي العامل معمول الخبر إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فإن ورد في كلام العرب ما يدل على أن معمول الخبر ولي العامل، فلا نقول: إن العرب خرجوا عن القاعدة فهم مخطئون، لكن نقدر ضمير الشأن، مثاله قول الشاعر:قنافذ هداجون حول بيوتهم بما كان إياهم عطية عوداوالشاهد في قوله: (بما كان إياهم عطية عودا)، فإيا هنا مفعول لعود، ووليت العامل الذي هو كان وهي معمول الخبر وهو ممنوع، فنقدر ضمير الشأن اسماً لكان، ونقول: بالذي كان هو أي الشأن، و(إيا) مفعول عود مقدم، و(عطية) مبتدأ، و(عود) فعل ماضي، والفاعل مستتر، والجملة من الفعل والفاعل في محر رفع خبر عطية، والجملة من المبتدأ والخبر خبر كان.والأشاعرة يقولون في قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] أي: وجاء أمر ربك، وهذا يعتبر تحريفاً للنص من أجل المذهب، فأدخلوا (أمر) من أجل مذهبهم، فيقولون: أن الذي يأتي هو أمر الله، وليس الله.وهؤلاء أدخلوا ضمير الشأن من أجل تصحيح مذهبهم ولذلك كان قول الكوفيين أسد وأصح؛ لأن الأصل عدم الحذف.والأمر بسيط فنقول: يجوز أن يلي معمول الخبر العامل ولا بأس بذلك.أما الظرف والجار والمجرور، فقالوا: يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها.إذاً عاد الأصل والفرع إلى مذهبهم.فالصواب أنه يجوز أن تقول: كان طعامك زيد آكلاً.والملاحظ أنه في هذا المثال لا يمكن تقدير ضمير الشأن؛ لأن (آكلاً) منصوبة ولا يصح أن تكون خبراً، وعلى هذا فلا تصح الجملة جملة خبرية خبر لضمير الشأن.وهذا البيت من قول الفرزدق يهجو رهط جرير ، وقنافذ جمع قنفذ و(هداجون) أي: يمشون مشية الشيخ الضعيف للسرقة، و(عطية) أبو جرير .
 حكم تقدم خبر ليس عليها
ثم قال: [ومنع سبق خبر ليس اصطفي وذو تمام ما برفع يكتفي](منع) مبتدأ، و(اصطفي) خبر المبتدأ، و(منع) مضاف، و(سبق) مضاف إليه، و(سبق) مضاف، و(خبر) مضاف إليه، فسبق مصدر مضاف إلى فاعله، و(ليس) مفعول به لسبق، والتقدير: اصطفي منع سبق سبق الخبر لليس.ففي هذا الشطر أشار ابن مالك رحمه الله إلى أن النحويين اختلفوا في جواز تقدم خبر ليس عليها، واختار هو المنع؛ لأن (اصطفي) بمعنى اختير، فهو يقول رحمه الله: اصطفي منع سبق خبر ليس عليها، وهو إشارة إلى أن المسألة فيها خلاف.والصحيح جواز تقدم خبر ليس عليها خلافا لابن مالك ؛ لأن في القرآن ما يشير إلى جواز ذلك وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8] فإن (يوم) ظرف، وعامله (مصروفاً) والتقدير: ليس مصروفاً عنهم يوم يأتيهم، يعني: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، فـ(يوم يأتيهم) معمول لمصروفاً، ومصروفاً هو الخبر، وإذا جاز أن يتقدم معمول الخبر وهو فرع لعامله فتقدم عاملة من باب أولى، ولهذا كان القول الراجح جواز تقدم خبر ليس عليها.وعلى هذا فتقول: قائماً ليس زيد.وعلى رأي ابن مالك لا يجوز أن تقول: قائماً ليس زيد، بل قل: ليس قائما زيد، أو ليس زيد قائماً.والقائلون بالمنع قاسوا قياساً فاسداً، فقالوا: لأن (ليس) دالة على النفي؛ فيمتنع تقدم خبرها عليها، كما منعنا تقدم الخبر على ما النافية.فيقال: هذا قياس ليس بصحيح؛ لأن ليس نفيها من ذاتها، بمعنى: أنها فعل دال على النفي، و(ما) لا تدل على النفي إلا باقترانها بما بعدها فلا يصح القياس.ونعارض قياسهم فنقول: نقيسها على جواز تقدم الخبر إذا كانت الأداة ليست (ما) كما نجوز أن نقول: قائما لا يزال زيد. فليس قياسها على (ما) بأولى من قياسها على (لا).وعلى هذا فيكون هذا الدليل مدفوعاً، ودليل الجواز مثبتاً، وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8]. وقد أجابوا عن الآية بما لا يغني، وهو أن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها.
خصائص كان

 حذف نون مضارع كان في حالة الجزم
قال المؤلف رحمه الله:[ ومن مضارع لكان منجزم تحذف نون وهو حذف ما التزم ](من مضارع) جار ومجرور متعلق بقوله: (تحذف)، وقوله: (لكان)، (اللام) حرف جر، و(كان) اسم مجرور باللام لقصد لفظه، والمعنى: ومن مضارع لهذا اللفظ، وقوله: (منجزم) صفة للمضارع لكنه لم يحرك بالكسر من أجل استقامة البيت، وأصلها: ومن مضارع لكان منجزمٍ، ولما كان قوله: (تحذف نون) يحتمل الوجوب، استدرك فقال: (وهو حذف ما التزم)، (هو) مبتدأ، و(حذف) خبره، و(ما) نافية، و(التزم) فعل ماض لما لم يسمى فاعله، أي: هذا الحذف لم يلتزم لكنه موجود.وقوله: (من مضارع لكان) خرج به كان التي بلفظ الماضي، وخرج به كن التي بلفظ الأمر، وبقي المضارع الذي أشار إليه ابن مالك .واشترط ابن مالك رحمه الله: أن يكون مجزوماً، فلا تحذف نون المرفوع ولو بلفظ المضارع.ويشترط أيضاً: ألا يليه ساكن، فإن وليه ساكن لم يحذف، بل لا بد أن يليه متحرك، مثال ذلك: قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، قال زكريا: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4]، وقالت مريم : وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم:20] فلما جاء القرآن بحذف النون وإبقائها علم أن حذفها ليس بواجب ولكنه جائز، وأنه لا يترجح الحذف على الإبقاء، ولا الإبقاء على الحذف.أما إذا لم تكن مجزومة فلا تحذف نونها، فلا يقال في قولك: يكون زيد قائماً، يك زيد قائماً.واشترطنا ألا يليها ساكن، فإن وليها ساكن لم تحذف، مثل قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة:1] لو كان في غير القرآن وقال قائل: لم يك الذين كفروا، فإنه لا يجوز؛ لأنه يليها ساكن.وهذا الشرط فيه خلاف، فمنهم من أجازه وقال: يجوز أن تقول: لم يك الرجل قائماً.قوله: (منجزم) فلا يشترط أن يكون الجزم بلم، بل يكون بلم، وبلا، وبإن، فتقول مثلاً: إن يكن زيد قائماً حصل كذا وكذا، وتقول: إن يك زيد قائماً حصل كذا وكذا، فلا فرق بين لم وغيرها.كذلك أيضاً لا الناهية، لو قلت: لا تكن مهملاً، فيجوز: لا تك مهملاً، بحذف النون؛ لأنها مجزومة بلا.ولكن لو قال قائل: ما هي العلة في الحذف؟ نقول: العلة في ذلك هو التخفيف.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح ألفية ابن مالك [21] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net