اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح ألفية ابن مالك [19] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


شرح ألفية ابن مالك [19] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
الأصل ذكر المبتدأ والخبر، وقد يحذف أحدهما إذا دل عليه دليل، وقد يحذفان معاً إذا دل عليهما دليل، وقد يجب حذف الخبر في بعض التراكيب.
حذف المبتدأ والخبر
بقي بحث جديد، وهو حذف المبتدأ والخبر، أي: هل يجوز أن نحذف المبتدأ وأن نحذف الخبر؟ وهل يجوز أن نحذفهما جميعاً؟ بين المؤلف رحمه الله فقال:[وحذف ما يعلم جائز كما تقول زيد بعد من عندكماوفي جواب كيف زيد قل دنف فزيد استغني عنه إذ عرف]هذا البيت في باب المبتدأ والخبر، وهذا الحكم ليس خاصاً بالمبتدأ والخبر، بل حذف كل ما يعلم من المبتدأ، أو الخبر، أو الحال، أو المفعول به جائز إذا كان معلوماً. ولهذا يعتبر هذا البيت قاعدة، وبه نعرف أن مبنى الكلام على العلم والفائدة. فقد سبق لنا أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تفد، كـعند زيد نمرة، وسبق لنا أنه إذا اشتبه المبتدأ بالخبر فإنه لا يجوز تقديم الخبر.إذاً فمبنى الكلام كله على الفائدة والعلم، فإذا كان من المعلوم ما يحذف جاز حذفه. ثم ضرب المؤلف أمثلة فقال: (كما تقول زيدٌ بعد من عندكما).سأل سائل فقال: من عندكما؟ يخاطب اثنين، فقالا: زيد، فالذي حذف هو الخبر، والتقدير: زيد عندنا. (وفي جواب كيف زيد قل دنف).سأل سائل فقال: كيف زيد؟ فقلت: دنف، أي: مريض.فدنف: خبر لمبتدأ محذوف، فالمحذوف المبتدأ، والتقدير: زيد دنف، أو هو دنف. وهل يحذف المبتدأ والخبر؟ الجواب: نعم، إذا علم المبتدأ والخبر حذفا، فلو قال لك قائل: أزيد قائم؟ فقلت: نعم. فالذي حذف المبتدأ والخبر؛ لأن (نعم) حرف جواب وليست جملة، يعني: نعم زيد قائم، فحذف الجزءان. وأما ما مثل به بعضهم وهو قوله تبارك وتعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4]، لحذف المبتدأ والخبر؛ فإن تمثيله ليس بصحيح، حيث قال: إن التقدير: واللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر، وذلك لوجهين: الأول: نحن لا نسلم أن المحذوف جملة، إذ من الممكن أن نقدر: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ كذلك، و(كذلك) ليست جملة إنما هو مفرد، وكلما قل التقدير كان أولى، فلم يحذف فيها المبتدأ والخبر جميعاً.الثاني: سلمنا جدلاً أن المحذوف هو المبتدأ والخبر؛ لكن هذا المبتدأ والخبر هو في الحقيقة خبر؛ لأن المبتدأ والخبر هنا نائب عن خبر فقط؛ لأن (اللائي لم يحضن) مبتدأ، (عدتهن) مبتدأ ثان، و(ثلاثة أشهر) خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني والخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول. فالمحذوف حقيقة هو الخبر، فالتمثيل بالآية لا يصح للوجهين اللذين ذكرتهما.فالمثال الصحيح هو أن يقال: أزيد قائم ؟ فيقال: نعم أي: زيد قائم.إذاً ابن مالك رحمه الله أعطانا قاعدة ومثل بمثالين فقط، مثل بحذف الخبر، ومثل بحذف المبتدأ، ولم يمثل بحذفهما، فهل يقال: إن ابن مالك قصر في ذلك؟ فالجواب: لا؛ لأن المثال إنما يراد به بيان القاعدة، والقاعدة سبقت وهي حذف ما يعلم جائز، فهذا يشمل ما يعلم من مبتدأ أو خبر أو مبتدأ وخبر.
 

حالات حذف الخبر وجوباً
قال: (وبعد لولا غالباً حذف الخبر حتم). لما تكلم المؤلف عن جواز حذف المبتدأ والخبر ذكر المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، كالاستثناء مما سبق، فكأنه قال: إلا في هذه المواضع فيجب الحذف. فبعد (لولا) يجب حذف الخبر، كقولك: لولا زيدٌ لغرقت؛ فعندنا مبتدأ ولم نجد له خبراً؛ لأن (لغرقت) جواب لولا، فالخبر محذوفٌ وجوباً، التقدير: لولا زيد موجود، أو لولا زيد حاضر.وقول ابن مالك رحمه الله: (غالباً) يعني: في أكثر الأحوال، ومفهومه أن من غير الغالب ألا يحذف الخبر بعد لولا، فيكون إبقاؤه قليلاً.ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لـعائشة رضي الله عنها: (لولا قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم) فقوم: مبتدأ، وحديثو عهد: خبر المبتدأ، ولهدمت الكعبة: جواب لولا، فهنا ذكر الخبر بعد لولا. ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: فلولا الغمد يمسكه لسالا فقوله الغمد: مبتدأ.ويمسكه: خبر.ولسال: جواب لولا. فأنت ترى الآن أن الخبر وجد بعد (لولا) في كلام أفصح العرب وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي كلام العرب العرباء، فما الجواب عن هذا؟ الجواب عن هذا حسب كلام ابن مالك سهل؛ فهذا من القليل الذي لا يحذف فيه خبر المبتدأ مع لولا، وإذا سلكنا هذا المسلك صار الأمر سهلاً، فكلما جاءك الخبر مع وجود لولا فقل: هذا من القليل.لكن بعض النحويين يقول: إن الخبر بعد لولا: إما أن يكون كوناً عاماً، وإما أن يكون شيئاً خاصاً لا دليل عليه، وإما أن يكون شيئاً خاصاً عليه دليل. فإن كان كوناً عاماً وجب الحذف، وإن كان شيئاً خاصاً وجب الذكر إذا لم يكن له دليل، وإذا كان شيئاً خاصاً لكن في الكلام ما يدل عليه فحذفه جائز، ووجوبه قليل.وهذا جيد؛ لأنه إذا كان الخبر شيئاً خاصاً ولكنه لا يعلم فلابد من ذكره. ففي الحديث: (لولا قومك حديثو عهد بكفر) لو حذفنا (حديثو عهد بكفر) لا يمكن أن نقدر: لولا قومك موجودون، يعني: لا يمكن أن نقدره كوناً عاماً؛ لأنه ليس المانع وجود قومها، إنما المانع هو كونهم حديثي عهد، فمجرد وجودهم لا يمنع هذا الذي أراد الرسول عليه الصلاة والسلام، لذلك كان لابد من ذكره.وإذا كان خاصاً لكن يدل عليه الدليل، مثل: لولا زيدٌ لهلكت من الجوع، هنا لا يمكن أن تقدر كوناً عاماً، فلا نقول: لولا زيدٌ موجود لهلكت من الجوع؛ لأن وجود زيد ليس سبباً لكونك تسلم من الموت بالجوع، لكن المعنى: لولا زيدٌ أطعمني لهلكت من الجوع. فكلمة (أطعمني) خاص لكن دل عليه دليل: لهلكت من الجوع. إذاً في هذه الحال يجوز أن يذكر الخبر ويجوز أن يحذف، فيجوز أن تقول: لولا زيدٌ أطعمني لهلكت من الجوع، ويجوز أن تقول: لولا زيدٌ لهلكت من الجوع.ومن ذلك قول الشاعر: لولا الغمد يمسكه لسالا. لو قال: لولا الغمد لسال، لجاز؛ لأن المعنى مفهوم، فإنه إذا كان في الغمد سيمسكه الغمد ولا يمكن أن يسيل، فصار ذكر (يمسكه) وحذفها على حد سواء؛ لأنها معلومة من السياق. فالأول يحتج به الطالب المبتدئ، إذا قال: كيف تقول في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لولا قومك حديثو عهد بالكفر)؟ يقول: وبعد لولا غالباً ليس دائماً، وهذا من القليل ويكفيه على رأي ابن مالك . وإذا كان طالب علم فسيجيبه، ويقول: الكون هنا ليس كوناً عاماً، بل هو شيء خاص لابد من ذكره؛ يعني يجوز مثلاً أن يكون المعنى: لولا قومك منعوا لبنيت الكعبة، لولا قومك حاضرون لبنيت الكعبة، إذاً لابد أن يقول: لولا قومك حديثو عهد، حتى تزول هذه الاحتمالات. وإن قيل: ما تقول في قول الشاعر: فلولا الغمد يمسكه لسالا؟أقول: هذا لا شك أنه خاص؛ لأنه ليس المانع وجود الغمد، إنما المانع كون الغمد يمسكه.إذاً نقول: كان مقتضى القاعدة أن يجب حذفه لكونه بعد (لولا)، لكن لابد من ذكره؛ لأنه خاص إلا أن وجوب الذكر عارضه العلم به من حيث السياق؛ لأن قوله: (لسال)، يدل على أن المعنى: لولا الغمد يمسكه.فلذلك نقول: (لولا الغمد يمسكه) يجوز حذفه ويجوز ذكره. وأما (لولا قومك حديثو عهد) فيجب ذكره. وأما في قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ [الحج:40] فلا يجوز ذكره؛ لأن المقصود مجرد وجود الدفع، أي: ولولا دفع الله الناس موجود لهدمت صوامع.وفي قوله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، أي: لولا أنتم صددتمونا، هذا شيء خاص لكن بدليل قوله تعالى: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ:32]، فصار هذا معلوماً من السياق. ومما حذف فيه الخبر قوله تعالى: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا [القصص:82] والتقدير: لولا منة الله موجودة لخسف بنا.فخلاصة القول الآن: إن ابن مالك في هذا الكتاب سلك مسلكاً يكون به مخرجاً للمبتدئ إذا أورد عليه ذكر الخبر بعد لولا؛ يقول: حذفه غالب وهذا من غير الغالب. وأما التفصيل الذي قيل فهو تفصيل حسن من حيث المعنى، وهو أن يقال: الخبر بعد (لولا) ثلاثة أقسام: كون عام، وشيء خاص لا دليل عليه، وشيء خاص عليه دليل، فالأول: يجب فيه الحذف، والثاني: يجب فيه الذكر، والثالث: يجوز فيه الوجهان.قال المؤلف: [وفي نص يمين ذا استقر]في نص: خبر مقدم أو متعلق بالخبر. ذا استقر: وذا: مبتدأ، وجملة (استقر) خبره. يعني: واستقر الحذف الواجب في نص يمين. فإذا كان المبتدأ نص يمين في القسم فإنه يحذف الخبر وجوباً، مثاله: لعمر الله لأفعلن، فهنا (عمر) مبتدأ، وهو نص في اليمين فيحذف الخبر وجوباً. ولا يجوز أن تقول: لعمر الله قسمي، بل يجب عليك حذف الخبر، لأن هذا هو المعروف من لغة العرب، والقواعد النحوية بنيت على كلام العرب، وليس كلام العرب مبنياً على القواعد، ولهذا فكلام العرب يحكم على قواعد النحويين لا والعكس. وفي قوله: (وفي نص يمين) مفهومه أنه إذا كان دالاً على اليمين ولكن ليس نصاً فيه فإنه يجوز الحذف وعدمه, مثل أن تقول: (عهد الله لأفعلن)، فهنا (عهد) يحتمل أن تكون يميناً، ويحتمل أن تكون ميثاقاً، فهي ليست نصاً في اليمين؛ ولهذا يجوز أن تقول: ( عهد الله علي، أو تقول: علي عهد الله لأفعلن ) ولا يجب حذف الخبر هنا؛ لأن المبتدأ ليس نصاً في اليمين. وخلاصة القول: أنه يجب حذف الخبر إذا كان المبتدأ نصاً في اليمين، والمثال: لعمر الله لأفعلن، والعمر هنا بمعنى الحياة. فإن لم يكن نصاً في اليمين لكنه دال على اليمين جاز الذكر والحذف ومثاله: ( عهد الله لأفعلن ) فيجوز أن تذكر الخبر وتقول: (علي عهد الله لأفعلن، أو عهد الله علي لأفعلن) لأن المبتدأ هنا ليس نصاً في اليمين.فإن قال قائل: لعمري لا أفعلن، فهو يحلف بحياته والأصل ألا يحلف، لكن الحلف هنا ليس بصيغة القسم، والممنوع أن يكون بصيغة القسم، مثل أن يقول: (وعمري لأفعلن)، فهذا لا يجوز، لكن لو قال: لعمري؛ يجوز وقد جاءت في السنة، وأيضاً جاءت عن الصحابة، وهي بمعنى القسم؛ لأنه حتى التحريم المجرد يكون حكمه حكم القسم.قال المؤلف رحمه الله تعالى:[وبعد واو عينت مفهوم مع كمثل كل صانع وما صنع]قوله: (وبعد واو عينت مفهوم مع) هذا الموضع الثالث مما يجب فيه حذف الخبر، فيجب حذف الخبر بعد واو المعية التي لا يصح أن تكون عاطفة، مثل: (كل صانع وما صنع) فالخبر محذوف والتقدير: كل صانع وما صنع مقترنان. و(كل) مبتدأ، و(صانع) مضاف إليه، و(الواو) للمعية. و(ما صنع) يحتمل أن تكون (ما) موصولة، أي: والذي صنعه، ويحتمل أن تكون مصدرية أي: وصنعته، وهذا أقرب، فنقول: كل صانع وصنعته مقترنان. وكذلك: كل طالب وكتابه، وكل إنسان وثوبه.فإذا كانت الواو بمعنى: (مع) وهي نص في المعية، فإن الخبر يكون محذوفاً وجوباً. ولو قال قائل: إن الواو هنا بمعنى: (مع) فتكون ظرفاً ويكون الظرف هو الخبر؛ والتقدير: كل صانع كائن مع صنعته، وكل إنسان كائن مع ثوبه، وكل إنسان كائن مع كتابه، وما أشبه ذلك، نقول: لو قيل بهذا لكان له وجه؛ لأنه إذا تعينت أن تكون الواو بمعنى: (مع) فإن (مع) ظرف يصح أن يكون خبراً. وقوله: (عينت مفهوم مع) يفهم منه أنه لو كانت الواو صالحة لأن تكون عاطفة، ولم تكن متعينة للمعية؛ فإنه لا يجب حذف الخبر، مثل أن تقول: (زيد وعمرو مصطحبان). وحينئذ نقول: إن كان الخبر معلوماً جاز حذفه وذكره، وإن كان الخبر خاصاً لا يعلم مما تفيده الواو وجب ذكره. زيد وعمرو: الواو هذه عاطفة، ويجوز أن تكون للمعية لكنها لا تتعين، فإذا قلت: زيد وعمرو، فالواو تفيد اقترانهما في المجيء، فتقول: مقترنان، ويجوز أن تحذف الخبر. أما لو كنت تريد أن تقول: زيد وعمرو مقتتلان، فهنا لا يجوز الحذف، لأنك إذا قلت: زيد وعمرو، وأنت تريد مقتتلان، لا يفهم هذا؛ بخلاف زيد وعمرو مقترنان؛ لأن الواو تقتضي الاشتراك والاقتران. فصارت المسألة على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تكون الواو بمعنى (مع)، ولا تحتمل العطف، فهنا يكون الخبر محذوفاً وجوباً، استغناءً عنه بواو المعية. والقسمان الثاني والثالث: أن يكون العطف بواو لا تتعين للمعية، فهنا نقول: إن دل دليل على الخبر المحذوف جاز ذكره وحذفه، وإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره.قال: [وقبل حال لا يكون خبرا عن الذي خبره قد أضمرا كضربي العبد مسيئاً وأثم تبييني الحق منوطاً بالحكم] إذا أتى المبتدأ وبعده حال لا تصح أن تكون خبراً فإنه يجب تقدير الخبر، ويكون في هذه الحال محذوفاً مثاله: ضربي العبد مسيئاً: (ضرب): مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهو مضاف والياء مضاف إليه مبني على السكون في محل جر. والضرب هنا مضاف إلى الفاعل. و(العبد): مفعول به. (مسيئاً): حال من العبد، يعني: ضربه حال إساءته. ولا يصح أن يكون (مسيئاً) خبراً لضرب؛ لأن الضرب لا يوصف بالإساءة، إنما الذي يوصف بالإساءة هو المضروب.فإن قيل: ضربي العبد شديداً، فهذا لا نعربه حالاً، إنما نجعله خبراً، ونقول: ضربي العبد شديدٌ. فإذا لم يصح الوصف أن يكون خبراً صار حالاً، والخبر محذوف، فإن كان الضرب وقع من أجل إساءته فقدر: إذ كان مسيئاً، أو: إذا كان مسيئاً، وعلى هذا فنقدر: إذ كان، أو إذا كان. وقال بعض المعربين: لا نقدر: إذ كان ولا إذا كان، إنما نقدر ضرب، فتكون الجملة: ضربي العبد ضربه مسيئاً، فضربي العبد ضربه حال كونه مسيئاً، لا ضربه حال كونه محسناً، أو لا مسيئاً ولا محسناً. وهذا التقدير أسهل من حيث الإعراب، لأنه ليس فيه إلا حذف الخبر، والمعنى مستقيم.أما على التقدير الذي قبله فنحذف خبراً مكوناً من (إذا) الظرفية أو (إذ) ومن كان اسمها المستتر. فإن قيل: لماذا لا يصح: ضربي العبد مسيء، بينما صح: ضربي العبد شديدٌ؟فالجواب: أن الإساءة لا تكون إلا من ذي شعور، والضرب ليس له شعور.أما في الثاني فالضرب يصح أن يخبر عنه بالشدة والخبر وصف للمبتدأ.كلمة (مسيئاً) لا يمكن أن نجعلها صفة للعبد؛ لأن العبد معرفة و(مسيئاً) نكرة، إذاً نجعلها حالاً منه، ونقول: ضربي العبد إذا كان مسيئاً، أو إذ كان مسيئاً. ونقدر: (كائن) خبراً للمبتدأ، فيكون التقدير: ضربي العبد كائن إذا كان مسيئاً، أو ضربي العبد كائن إذ كان مسيئاً، لأن إذ أو إذا كلها ظرفية، والظرف متعلق بمحذوف. وقلنا: إن هناك تقديراً آخر للمعربين، وهو: ضربي العبد ضربه مسيئاً، يعني: ضربي العبد يقع موقعه إذا كان مسيئاً، فكأنه يقول: ضربي العبد الضرب المطابق للواقع هو ضربه في حال إساءته.يقول: (وأتم تبييني الحق منوطاً بالحكم) هذا كالأول إلا أنه صيغ اسم تفضيل قبل المصدر، وأصله: تبييني الحق منوطاً بالحكم. ومعنى (منوطاً) أي معلقاً بالحكم، يعني: أحسن شيء في بيان الحق أن تبينه وتبين الحكمة منه، والحكمة هي الدليل، والشطر هذا جيد، فأحسن ما يكون في بيان الحق أن يكون منوطاً بالحكم. ولا يصح أن نجعل (منوطاً) خبراً عنه؛ لأن منوطاً من وصف الحق، وليست من وصف التبيين، إذاً لا يصح أن نرفعها على أنها خبر أتم، لفساد المعنى، فتكون حالاً من الحق والخبر يكون محذوفاً، والتقدير: أتم تبيني الحق إذا كان منوطاً بالحكم. وعلى الرأي الثاني يقول: أتم تبييني الحق تبيينه منوطاً بالحكم، وهذا أسهل، وربما يكون أوضح أيضاً. والمعنى: (وقبل حال)، يعني ويحذف الخبر قبل حال. (لا يكون خبراً) أي: لا يصح أن يكون خبراً. (عن الذي خبره)، يعني عن المبتدأ الذي خبره (قد أضمرا) أي: حذف. فإذا كانت الحال لا تصح أن تكون خبراً عن المبتدأ الموجود الذي حذف خبره؛ فإنه حينئذ يتعين حذف الخبر.وحقيقة الأمر: أن هذا البيت يكون فيما لو ورد من كلام العرب، مثل: ضربي العبد مسيئاً، فمعلوم أن مسيئاً لا تصح أن تكون خبراً عن ضرب، وإذا كانت لا تصح، قلنا: لابد أن يكون هناك خبر محذوف من أجل استقامة الكلام، وتقديره: إذا كان أو إذ كان، على رأي. أو أن تعيد المبتدأ مضافاً إلى صاحب الحال، فتقول: ضربي العبد ضربه مسيئاً، أتم تبيني الحق تبيينه منوطاً بالحكم.وكان المقدرة تكون تامة، وعلى ذلك فإن (كان) لا تحذف هي واسمها إلا في مواضع معينة مثل: التمس ولو خاتماً من حديد. وهذا الموضع ليس من مواضع حذف كان واسمها؛ فلهذا قالوا: نقدرها تامة، ونجعل (مسيئاً) حالاً من فاعل كان وليس خبراً لكان، يعني: هكذا تقدير النحويين. والحقيقة ربما ننازعهم فنقول: إن أحسن ما نقدر: هنا أن نقدر ضربه؛ حتى لا نجد فعلاً وفاعلاً، بل نقول: ضربي العبد ضربه مسيئاً؛ يعني: إني لا أضربه إلا إذا كان هو مسيئاً. ولنا أن نقول قولاً أسهل، فنقول: إن الحال هنا أغنت عن الخبر؛ لأن المخاطب إذا قلت له: ركوبي الفرس مسرجاً، يفهم أن المعنى: أن ركوبك حصل في حال كونه مسرجاً، فلا نحتاج إلى تقدير الخبر إطلاقاً؛ لأن المقصود الفائدة، وفي كل الأبيات التي سبقت وجدنا أن العلماء يركزون على الفائدة، وكل يعلم أني إذا قلت: ضربي العبد مسيئاً، أن المعنى أنني لا أضربه إلا إذا كان مسيئاً. وإذا قلت: ركوبي الفرس مسرجاً، فالمعنى: أني لا أركبه إلا مسرجاً.
 

تعدد الأخبار
ثم قال: [وأخبروا باثنين أو بأكثر عن واحد كهم سراة شعرا](أخبروا) الضمير يعود على العرب. (كهم سراة شعرا) (هم) مبتدأ، (سراة) خبر، (شعرا) خبر ثان، والسراة هم الشرفاء. يعني: أن العرب أخبروا بخبرين فأكثر عن مبتدأ واحد. وجواز تعدد الخبر هو القياس، كما يجوز تعدد الصفة، فيقال: أتاني زيد العالم الغني الكريم، والخبر وصف للمبتدأ في الواقع، فإذا جاز تعدد الصفة جاز تعدد الخبر. ولكن: هل يجوز الفصل بين الخبرين بواو العطف، فأقول: هم سراة وشعراء؟ والجواب: نعم يجوز كما يجوز فصل الصفتين بالعطف سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى [الأعلى:1-4]، فكما يجوز تعدد الصفات في العطف يجوز تعدد الخبر في العطف. ولكن يجب أن نعلم أن المسألة هنا على ثلاثة أوجه:الوجه الأول: منع العطف. والوجه الثاني: وجوب العطف. والوجه الثالث: جواز العطف.فإذا كان الخبران بمعنى خبر واحد فإنه لا يجوز العطف؛ لأنك إذا عطفت جعلت كل خبر مستقلاً عن الخبر الآخر مع أن اجتماعهما عبارة عن صفة واحدة، مثاله: (برتقالي حلو حامض)؛ فيه خبران هما: حلو حامض، فهنا لا يجوز أن أقول: حلو وحامض؛ لأني لو قلت ذلك لفسد المعنى؛ وهو أن طعمه مركب من حلو وحامض. فإذا قلت: برتقالي حلو وحامض، معناه: أن عندي نوعين من البرتقال: نوعاً حلواً، وآخر حامضاً.أما إذا كان كل واحد من الخبرين لشخص آخر؛ فإنه يجب العطف، مثاله: بنوك شاعر ومهندس ونحوي وفقيه، فالأبناء أربعة: الأول: شاعر، والثاني: مهندس، والثالث: نحوي، والرابع: فقيه. فلو تركنا العطف لصارت هذه الأخبار لكل واحد منهم، فكل واحد شاعر ومهندس ونحوي وفقيه؛ لكن الأمر ليس كذلك كما بينا. إذاً لابد أن نأتي بالعطف؛ لأن العطف يقتضي المغايرة فإذا حذف صار متحداً. والخلاصة أن تعدد الخبر جائز، لكن هل يجوز فصل هذا المتعدد بالعطف؟ نقول: هذا على ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز، وقسم يجب، وقسم يجوز: إن شئت فاعطف، وإن شئت فلا تعطف، ففي قولنا: ابني شاعر كاتب فقيه سلفي، يجوز أن أعطف بالواو، ويجوز أن أبقي كل خبر منفرد، فأقول: (شاعر) خبر المبتدأ (كاتب) خبر ثان، (نحوي) خبر ثالث، (فقيه سلفي) خبر رابع وخامس. وفي قول الله تعالى: وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد [البروج:14-15]، لا يجوز أن نجعل الودود صفة للغفور؛ لأنها لا تعود على الغفور، إنما تعود على الموصوف الذي هو الله عز وجل، أي: على الضمير.وتفصيل الأقسام كما يلي:القسم الأول: يجب حذف حرف العطف، وهو ما إذا كان الخبران بمعنى خبر واحد كقول القائل: برتقالي حلو حامض.القسم الثاني: هو وجوب ذكر حرف العطف، وهو إذا كان كل خبر مختصاً بشخص معين كقولك: ابناي فقيه ومحدث.القسم الثالث: جواز ذكر حرف العطف وحذفه، وهو إذا كان المبتدأ واحداً، ووصف بأوصاف متعددة كقول القائل مثلاً: (ابني فقيه ومحدث وشاعر).
 

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح ألفية ابن مالك [19] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net