اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التراث العقائدي للشيخ : عمر الأشقر


التراث العقائدي - (للشيخ : عمر الأشقر)
إن التراث العقائدي لدى الأمم يشكِّل أهم أساس في بناء التصورات والأنظمة، وبالنظر إلى تراث الأمم العقائدي نجد أن الشرك قد وجد عندها جميعاً؛ نتيجة لإقحام العقل في غير مجاله، أو اتباع الفلسفات وعلم الكلام، أو الإعراض عن وحي السماء. وقد جعل الله تراث الأمم العقائدي كله يندثر بطروء التحريف عليه، واختص هذه الأمة بحفظ شريعتها بالرغم من حصول شرخ تأريخي من قبل المنحرفين، كل ذلك يؤكد لنا أنه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
مقدمة بين يدي الموضوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.السيد/ وزير الأوقاف والشئون الإسلامية.إخواني الذين لبيتم دعوتنا لافتتاح المؤتمر الأول لجمعية إحياء التراث الإسلامي.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.إخواني وأخواتي! بالنيابة عن جمعية إحياء التراث الإسلامي، أود أن أشكر السيد/ وزير الأوقاف والشئون الإسلامية على تفضله بافتتاح هذا المؤتمر، وأشكر الأخوة العلماء على تلبيتهم دعوة الجمعية لإلقاء المحاضرات، وأرحب بالإخوة الذين قدموا من خارج الكويت ومن داخلها لمشاركتنا هذا الحفل. وبعد:فإن المتابع لأحوال المسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها يرى أن العالم الإسلامي قد وصل الى درجة كبيرة من الشتات والوهن والضعف، فقد تمزقت أمة الإسلام وتفرقت كلمة المسلمين، وأصبحوا فريسة لأعدائهم من شرقيين وغربيين، يسومونهم المذلة في كل مكان، وها نحن نرى ونسمع كل يوم ما يحل بالمسلمين من نكبات، ففي فلسطين يشرد اليهود البقية الباقية من الشعب الفلسطيني، وفي أفغانستان يشرد الأعداء شعباً وأمة، وفي كل مكان يلحق المسلمين الذل والهوان، ولما كان آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وهو أن نربي جيلاً جديداً على الكتاب والسنة، وأن تسري في المسلمين روح جديدة تعيد للأمة شبابها ونظارتها، وإن كان هناك بحمد الله صحوة إسلامية مباركة في كل العالم الإسلامي، إلا أن جمعية إحياء التراث الإسلامي أيضاً قافلة جديدة تستهدف نشر تراث أمتنا الإسلامية الخالدة، وبعث علومها وأخلاقها وآدابها وعقيدتها؛ ليكون ذلك هادياً ومرشداً لشباب الأمة المتوجه نحو الدين؛ حتى لا تتفرق بهم السبل وتختلف عليهم الطرق.وإن قيام جمعية إحياء التراث هو دليل جديد بحمد الله على أن أمتنا عازمة أن تصل حبل آخر هذه الأمة بماضيها المجيد، ليكون في الأمة أمثال خالد وأبي عبيدة وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، الذين حملوا مشاعل النور والهداية، وراية المجد والعزة، فالإسلام لم يعد نقياً صافياً كما أنزل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد أدخل فيه كثير مما ليس منه وخاصة في مجال العقيدة، ولعل الصفة الغالبة اليوم على أغلب المسلمين عدم وضوح العقيدة في أذهانهم، هذا إن لم تكن الصفة الغالبة عليهم الانحراف العقائدي، لذا لا بد من بيان ومعرفة العقيدة السليمة الصافية، كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم معرفة العقائد والأفكار الدخيلة على الإسلام، انطلاقاً من قول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].إنني ما انتدبت إلى الحديث في موضوع من الموضوعات إلا وأحسست أن من حق الذين انتدبوني والذين يسمعون لي أن أعطي الموضوع حقه، فأنا أعلم كم من الوقت يبذله الذين يحضرون لمثل هذه المؤتمرات والمحاضرات، وأعلم أن وقت الذين يحضرون هذه المحاضرات ثمين، فالوقت هو الحياة، وقد ازداد إحساسي بثقل المسئولية في هذا الموضوع الذي أتكلم فيه، إذ أنه موضوع خطير.
 

أثر العقائد في صناعة أفكار الأمم
إن العقيدة هي الأساس التي تقوم عليه الأديان والمذاهب والمبادئ، وقد قيل قديماً: (الإنسان أسير أفكاره ومعتقداته) ولا زالت عقائد البشر هي التي تسيرهم، ومن خلالها ينظرون إلى الوجود والحياة والمجتمعات الإنسانية، وعلى أساسها يقيمون الأنظمة والقوانين، ويضعون القواعد والقيم والموازين.ولم يزل المستبدون والطغاة يتلاعبون بعقائد الناس؛ لتتيسر لهم السيطرة عليهم، فعلى الرغم من أنني كتبت في موضوع العقيدة عدة مؤلفات، إلا أن خطورة الموضوع الذي أتناوله تفرض علي أن أعود إلى التفكير فيه مرة أخرى، وأعود للنظر في التراث العقائدي وفي مصادره، ولقد نظرت في هذا التراث نظرتين:نظرة في التراث الإنساني، ونظرة في التراث الإسلامي، وعشت مع المؤلفات التي تعرضت لعقيدة هذين التراثين وقتاً ليس بالقصير، ولقد رأيتني وأنا أجول بنظري وفكري في كتب التراث كرجل قابع فوق قمة جبل على شاطئ بحر لجي محيط، وأنا أنظر في عقائد أهل الملل والنحل في القديم والحديث، وكيف نشأت وتفرعت؟ ثم كيف تلاشت وفنيت؟.فتخيلوا أنني ذلك الرجل الذي يشاهد أمواج البحر، فإذا هي لا تحصى كثرة، وهي تنشأ وتتلاشى، ثم تتعارض وتتصادم، وهي في ذلك كله لا تتوقف لحظة، بل كل الذي يحدث أن البحر قد يهدأ في بعض الأحيان فتكون الأمواج هادئة، وقد يثور فإذا بالأمواج كالظلل أو كالجبال، ولست مبالغاً في الوصف، بل هي الحقيقة التي أدركتها.ومن طالع ما كتبه الكاتبون في تاريخ العقائد، وما كتبوه في تاريخ الفكر الإنساني، وما كتب في الملل والنحل يعلم صدق ما أقوله.
 

عجز العقل الإنساني عن معرفة حقائق كل شيء
وإن كثرة المذاهب والعقائد والفرق جعلت الفكر الإنساني لا يدري أين يسير؟ وماذا يأخذ وماذا يدع؟ فالعقيدة لا تقوم كما نعلم على الشك والحيرة والتردد، بل تحتاج إلى اليقين الصادق الذي يقوم على الأدلة والبراهين، التي لا تجد النفس لها مدفعاً، والتي تأسر النفوس وتخضع لها العقول.الفكر الإنساني لا يستطيع أن يقيم من خلال هذا الركام الهائل من التصورات والأفكار والعقائد التي يموج بها تأريخ الإنسان وواقعه أصولاً توقفه على اليقين المنافي للشك، والقضايا التي يريد أن يصل فيها إلى اليقين لا يدخل كثير منها في المجال الذي يحسن العقل الإنساني النظر فيه.إن الروح التي تسري في نفس الإنسان هي أقرب الأشياء إليه؛ لأنها نفسه، ومع ذلك فإن الإنسان يشتد جهله بها كل ما زاد بحثه عنها، فالروح ليست من جنس الأشياء المشهودة التي يمكن للعقل الإنساني البحث فيها، فليس لها وزن ولا لون ولا حجم، ولا تدخل تحت المقاييس الإنسانية، فأنى للعقل أن يعرف كنهها وحقيقتها؟ لذلك قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] .إذا كان هذا هو شأن الإنسان مع الروح التي تسري في كيانه، وهي سر حياته، فما بالكم في البحث العقلي المجرد عن خالق الوجود، وعن العوالم التي لا نراها ولا نشاهدها، وعن العوالم التي سيصير إليها الإنسان بعد الموت كالبرزخ واليوم الآخر؟ إن الإنسان لا يمكن أن يصل في أمرها إلى قرار، وسيبقى طيلة عمره حائراً متردداً.ومتى لم يجد الإنسان برد اليقين في معرفة الحقائق التي يمكن أن يقيم عليها حياته، والتي يمكن أن تفسر له وجوده، وترسم له مساره في الحياة وغايته التي يرمي إليها، وتوضح له علاقته بالقوة التي أوجدته وأوجدت الكون، فإنه سيعيش في شقاء، وسيضل المسار في حين أنه يظن في بعض الأحيان أنه بلغ الغاية، وشارف المقصد، وأوشك أن يصل، ثم يكتشف أن ذلك وهم من الأوهام، ويفاجأ بالأجل وقد أدركه، ثم ينظر فلا يجد أنه قد حقق في رحلته ما كان يصبو إليه.
 الوحي هادٍ للعقل الإنساني العاجز
إن الله العليم القدير الحكيم هو الذي خلقنا، وهو أعلم بنا من أنفسنا، فهو يعلم أننا بحاجة إلى معرفته لأنه خالقنا، ويعلم أن نفوسنا لا يمكن أن يقر لها قرار ما لم تعرف الذي خلقها، وما لم تعرف الطريق إليه، ويعلم كذلك أن العقل الإنساني الذي وهبه لنا لا يمكن أن يصل بنفسه إلى معرفة صفات وأسماء خالقه وإلهه، ولا يعلم كيف يعبده.فتكفل لأبينا آدم عليه السلام عندما أهبطه إلى الأرض أن يمد ذريته من بعده بالنور والهدى، وهو الوحي الذي يعرفهم بربهم، وبالحقائق الكبرى التي لا بد لهم منها، وتكفل أيضاً لمن اتبع نوره المنزل على الأنبياء بالخلاص من الضلال الذي يعيش فيه البشر، وبالنجاة من الشقاء الذي تتردى فيه القلوب والنفوس، وقد توعد الرافضين لوحيه وهداه بالحياة الضنكة الشقية في الدنيا، وفي الآخرة توعده بحياة أشد ضنكاً وشقاء.قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38].وقال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:124-127]. ولقد بقيت البشرية بعد أن هبط آدم إلى الأرض، وتكاثرت ذريته على التوحيد، فكان الناس أمة واحدة، ولكن البشر فيما بعد ضلوا في إلههم ومعبودهم، فعبدوا من دونه أولياء؛ فاتخذوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، فكانوا يدعونهم ويستغيثون بهم، فأرسل الله لهم أول رسله، وهو نوح عليه السلام، فأنذرهم ودعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما يعبد من دونه، فآمن له قليل واستكبر منهم الكثير، فأهلكهم الله تعالى.
الشرك في التراث العقائدي لدى الأمم
وكثير من الأمم عبر تاريخ البشرية عبدوا الأصنام، ولهم في ذلك فلسفات وضلالات، فبعضهم يزعم أن هذه الأصنام محل تتلبس به الأرواح التي يعبدونها، وبعضهم ليس له حجة إلا أن الآباء يمجدونها ويقدسونها.
 بدعة الاعتزال
وعندما عربت الفلسفات الرومية واليونانية ونقلت إلى اللغة العربية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، وكثرت التيارات العقائدية والفكرية، وغزت عقول طوائف من المسلمين مثل: واصل بن عطاء وعمر بن عبيد .فلقد نشأت الفرق المختلفة ومن أشهرها المعتزلة، وهي التي ابتدأ أمرها واصل بن عطاء ، وقد زعم المعتزلة أنهم يريدون أن يدافعوا عن الدين ضد الملحدين والنصارى والفلاسفة، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك، بل تبنوا نظريات وآراء أحدثت فرقاً بين المسلمين.وتبنى بعض الخلفاء العباسيين وجهة نظرهم، وابتلي المسلمون في عصور هؤلاء الخلفاء الذين تبنوا الاعتزال، وعلماء المعتزلة الذين يسميهم المستشرقون اليوم (رجال الفكر، أو الأحرار) قاموا بالحجر على فكر المخالفين، وتكفير من لم يتبن أصولهم.وقالوا: لا يكون هناك توحيد إلا إذا نفينا صفات الخالق خشية الوقوع في التجسيم.وزعموا بناء على ذلك أن القرآن ليس كلام الله، وهذه الفتنة هي التي حدثت في عهد المأمون والخلفاء الذين بعده، ووقف في وجهها الإمام أحمد كما هو معروف.وزعموا أيضاً أن العدل يقتضي أن العبد هو خالق فعله ليس الله هو خالق أفعال العباد، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر في الدنيا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وأما في الآخرة فهو كافر مخلد في النار، وقد وقف في وجههم العلماء الأجلاء، وقد ترك المعتزلة تراثاً ضخماً يشرح أصولهم ونظرياتهم، ومن أوسعها كتاب: المغني، للقاضي عبد الجبار المعتزلي ، وكتاب شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار أيضاً، وهما مطبوعان.ولقد أفل نجم المعتزلة في عهد الخليفة العباسي المتوكل ، ولكنهم صبغوا الفكر الإسلامي بكثير من نظرياتهم ومعتقداتهم، ومن الذين هدموا مذهب المعتزلة بعض الذين نشئوا على الفكر المعتزلي من أمثال أبي الحسن الأشعري المتوفى في سنة ثلاثمائة وأربعة وعشرين هجرية، وقد بقي معتزلياً أربعين عاماً، ثم رجع إلى مذهب السلف، وعلى الرغم من أن أبا الحسن الأشعري اقترب إلى مذهب السلف فيما ذهبوا إليه إلى حد كبير، إلا أنه لم يتخلص من أساليب المعتزلة وقواعدهم العقلية ومصطلحاتهم، وهذه الطريقة تؤدي بصاحبها إلى نتائج مخالفة لعقائد الأوائل مهما ادعى أصحابها أنهم يسيرون على نهج السلف، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقبل المعتزلة والأشاعرة وبعدهم نشأت فرق كثيرة كالمرجئة والماتريدية والكلابية وغيرهم، وكل فرقة من هذه الفرق لها بعض المعتقدات التي تخالف بها غيرها، ووراء كل معتقد من هذه المعتقدات فلسفات وتأويلات.ونلاحظ أن كل الفرق المخالفة لمنهج السلف قد غلت في تقدير العقل وقدمت حكمه على حكم الشرع، واستعملت الموازين والمقاييس العقلية في محاكمة القضايا الغيبية، وابتعدت هذه الفرق عن الكتاب والسنة بنسب متفاوتة، ولجأ كثير من أهل هذه الفرق إلى تأويل النصوص التي لا توافق آرائهم ومعتقداتهم، فغاب عن كثير من هذه الفرق الكثير من حقائق الإسلام.فلقد اختلف علماء الكلام في الصفات الإلهية، وفي الصلة بينها وبين ذات الله، وفي إمكان رؤية الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، وفي مسألة العدل والجور، ومسألة القضاء والقدر، ولم يغادروا مسألة كبيرة أو صغيرة إلا اختلفوا فيها كثيراً أو قليلاً، وقد تعامل المتكلمون مع صفات الله كما لو كانت صفات الإنسان فأنكروها.ونحن اليوم ورثنا عن المدارس الفكرية والعقائدية شيئاً كثيراً من الأفكار والمعتقدات، وسارت في أيامنا هذه معتقدات جديدة في الشرق والغرب غزت ديارنا وعقولنا ومناهجنا، فماذا نفعل وكيف نتصرف معها؟
حفظ الله لهذا الدين بأهل الحق
لقد كان من فضل الله علينا أن حفظ لنا قرآننا وسنة نبينا، فلم يحدث لنا كما حدث للأمم من قبلنا الذين ضلوا بعد أن ضاعت أو حرفت كتبهم، وكان من فضل الله علينا أيضاً أن أبقى معالم الحق واضحة في هذا الدين سواء في معتقداته أو في شرائعه، وهدى في كل جيل طائفة التزمتها وأظهرتها ونافحت عنها.وقد قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) .وقد تمثلت هذه الطائفة في سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من العلماء الذين ساروا على دربهم، واهتدوا بهديهم أمثال الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كـالليث بن سعد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم كثير.وحال سلفنا الصالح وأقوالهم وعقيدتهم محفوظة مدونة، وطريقهم ليس فيه خفاء، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وعندما سئل عن الفرقة الناجية المنصورة قال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي اليوم) .ومنهج هذه الفرقة الناجية المنصورة: هو المنهج الإيماني القرآني النبوي، ويقابل هذا المنهج: المنهج الفلسفي الكلامي، والمنهج الفلسفي الصوفي الاستشراقي.إذاً: فالمنهج الإيماني القرآني يقابله منهجان: منهج الفلاسفة المتكلمين، ومنهج الفلاسفة المتصوفين.ويختلف هذا المنهج القرآني النبوي عن المنهج الفلسفي في مصادره ومنابعه، وفي طريقه وسبيله، وفي قوة تأثيره وسيطرته، وفي الأسلوب وطريقة الاستدلال، وفي الغاية التي يرمي إليها.وقد حارب أئمة السلف الاتجاه الفلسفي الكلامي والصوفي الذي يريد أن يأخذ الأمة بعيداً عن المنهج الإيماني القرآني النبوي، فقد حارب هذا الاتجاه الإمام الشافعي ، والإمام أحمد ، والإمام ابن خزيمة والبخاري وغيرهم من أئمة الهدى.وفي كل عصر يظهر الله من العلماء والأئمة من يظهر هذا النهج القويم، الذي يحيي النفوس ويهدي للتي هي أقوم.ومن أعظم الذين قيظهم الله لنصرة هذا المنهج: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد كان ذا عقل ثاقب، وفكر راجح، وقد أحاط بأقوال العلماء، ووفق للصواب، ونفع الله به البلاد والعباد، وتتلمذ على يديه علماء أعلام كـابن القيم وابن كثير وغيرهما. ومن العلماء الذين هدوا للمنهج الإيماني القرآني النبوي في العصور الأخيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في القرن الثاني عشر الهجري في وسط نجد، فحارب الشرك والباطل ونصر الحق، ونشر كتب العلم الأصيلة.ومنهم أيضاً محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بـالأمير الكحلاني صاحب ( سبل السلام )، ومنهم العلامة الشوكاني صاحب (نيل الأوطار) وهما من علماء اليمن الأخيار.وقد ورثنا عن أصحاب المنهج الإيماني القرآني النبوي كثيراً من الكتب التي توضح معتقد أهل السنة والجماعة وتحارب المنهج الفلسفي الكلامي وتبين معايبه، ومن خير هذه الكتب (العقيدة الطحاوية) ومؤلفها هو أبو جعفر الأحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الحنفي المتوفى سنة ثلاثمائة وواحد وعشرين هجرية، وقد شرحها شرحاً قيماً رائعاً: صدر الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي.
 لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها
إننا اليوم والأمة الإسلامية تحاول أن تنهض من سباتها، وتقوم من عثارها، يجب أن إلى الماضي؛ لنبني نهضتها على أساس من عقيدتها وتراثها.ويجب أن يعلم أولو الرأي المفكرون أن تراثنا فيه الغث والثمين، وفيه الخير والشر، وفيه الهدى والضلال، إن تراثنا يمكن أن يكون تراثاً لمدارس مختلفة؛ فكثير من هذه المدارس لم تكن على المنهج الواضح، ولذلك فإن السبيل لنهضة صادقة أن نعود إلى ذلك المنهج القرآني النبوي الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهو واضح المعالم وكتبه ظاهرة بينة ليس فيها خفاء.وإنني ألفت نظر رجال الفكر إلى خطورة ما يقوم به المستشرقون، وبعض الذين غرر بهم من أبناء المسلمين من إحياء الفكر المعتزلي الكلامي هنا وهناك، وخداع الناشئة من أبناء المسلمين به، وهناك فريق آخر يحاول أن يحيي الفكر الفلسفي الاستشراقي الذي ينادي بوحدة الوجود، والمتمثل في كتب ابن عربي والحلاج وابن الفارض وابن سبعين وغيرهم.إن المنهج الفلسفي الكلامي، والمنهج الفلسفي الصوفي كلاهما لم يستطيعا أن يقيما الأمة من عثارها في الماضي، بل كانا من أسباب البلاء الذي أصاب الفكر الإسلامي، وقد أحدث شرخاً هائلاً في هذه الأمة.فقد أحدث علماء الكلام في الماضي من الخلاف والفرقة والانقسام ما يكفي بعضه لهدم هذا المنهج، وقد أقعد المنهج الصوفي المسلمين عن الجهاد ومحاربة الشرك، وكان من أسباب الضياع الذي أصاب المسلمين.فلم يفلح المنهجان في إصلاح حال الأمة، ولم يستطع المنهجان أن يصدا هجمات الخصوم الفكرية والعقائدية في الماضي، فأحرى بهما ألا يستطيعا إصلاح حال الأمة في الحاضر، وألا يستطيعا مواجهة العقائد التي يموج بها القرن العشرين في شرق العالم وغربه.إن الذي يحارب المنهج الإيماني القرآني النبوي الذي يتمثل في المنهج السلفي هوأحد رجلين: إما جاهل بهذا المنهج لا يعلم حقيقته، وإما عدو حاقد لا يريد بالأمة خيراً، وبعض هذين الصنفين لجأ إلى تحريف هذا المنهج، فإذا به يكتب في هذا المنهج؛ ليحرفه ويفسده.فظهرت كتب مكتوب عليها: بأنها كتب تتبع السلف، والحقيقة أن فيها انحرافاً وعودة بالمنهج القرآني إلى المنهج الاعتزالي، ولكن باطل هؤلاء لن يروج على من عرف المنهج الحق.وفي الختام أقول: كما قال إمام دار الهجرة أنس بن مالك : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.وأقول كما قال الله تبارك وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] .سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة

 واجب المسلم المعاصر نحو التراث الإسلامي
السؤال: ماذا يجب على المسلم في هذا العصر أن يفعله لإحياء التراث الإسلامي في مجاله الشخصي، وفي مجاله العلمي؟الجواب: لا بد أن يتجمع المسلمون في كل مكان وعليهم أن ينشئوا جمعيات ومكتبات لنشر التراث، ثم ينتقى من التراث على درجات متفاوتة كتب كبيرة، وكتب صغيرة، وكتب متوسطة، ثم تنشر وتقرر في الجامعات وفي المدارس ويعرف الناس بهذا التراث، وذلك بعمل نشرات لبعض الكتب وإعلانات عن بعض الكتب ونحو ذلك.ويوجد الآن شيء غريب في هذا العصر، وهو أننا نقرأ في الصحف أحياناً نشرة أو إعلاناً عن كتاب، وأما غير الكتب فنجد الإنسان يذهب إلى صندوق بريده، وإذا به يجد إعلاناً عن سجاد وما شابهه، والمراد: أن وسائل الإعلام الآن وطرق النشر وجلب الناس لقراءة الكتب والصحف أصبحت فناً من الفنون، فينبغي للمسلمين أن يستخدموها؛ ليكون عندهم علم بكيفية إحياء هذا التراث. وأيضاًً فإن كثيراً من الناس يريد أن ينشر الإسلام فينشر كتاباً سيئاً قد يهدم الإسلام، فيجب تبصير الناس بالأصول وبالمفاهيم وبالعقائد السليمة، وتبصيرهم بالكتب السليمة وغير السليمة، وهذا الأمر من أهم الأمور، ثم بعد ذلك يأتي دور وسائل الإعلان المختلفة، وإنشاء المؤسسات التي تعنى بالتراث، وتبصير الناس به، وكل هذه أسباب تؤدي بنا إلى نتائج طيبة إن شاء الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التراث العقائدي للشيخ : عمر الأشقر

http://audio.islamweb.net