اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بصيرة المؤمن للشيخ : سعيد بن مسفر


بصيرة المؤمن - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن عدة عناصر فبدأ بالحديث عن زهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ثم بدأ بالحديث عن البصيرة وذكر أسباب تقويتها، وجعلها نافذة، مبيناً أن من هذه الأسباب غض البصر عن الحرام، وكف النفس عن الشهوات، وغيرها من الأسباب المؤدية لنفاذ البصيرة.
زهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: مرحباً بكم في روضة من رياض الجنة، وحيى الله هذه الطلعات الطاهرة، وهذه الوجوه المباركة التي أقبلت إلى الله، تلتمس طريقاً إلى الجنة، تريد الدخول على الله من أشرف الأبواب باب العلم، يقول عليه الصلاة والسلام: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع).أنتم تأتون إلى حلق الذكر، ولكنكم لا تسيرون على الأرض، وإنما تسيرون على أجنحة الملائكة، تأييداً ورضاً بهذا المسلك النبيل، وبهذا الغرض الجميل، حين يحب الناس الدنيا فتحبون الله، وحين يحب الناس اللهو واللعب والركض فتحبون أنتم الذكر، حينما يحب الناس الطبل والزير فتحبون القرآن والتفسير، حينما يحب الناس العود والناي فتحبون أنتم الحديث والآي، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60].هذه بضاعتكم وهذه حياتكم وهذا قدركم؛ فاحمدوا الله على ما آتاكم، هذا هو الفضل، هذا هو الخير، والله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:57-58] بفضل الله وبرحمته أي: بالهدى والدين من الله، فمن أوتي العلم وأوتي الدين والإيمان فقد أوتي خيراً كثيراً ولو حرم من الدنيا كلها.لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأجلاء الكرماء العظماء أكرم عيشة عرفتها الحياة، ومع هذا ما كان عنده شيء من الدنيا، بيت النبوة أشرف بيت على وجه الأرض، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان يدخل الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيوت آل محمد نار) الله أكبر! تصوروا لو أن بيوتنا لا توقد فيها النار يوماً واحداً كيف تكون؟ الآن توجد النيران وليس ناراً واحدة، لكن هل هذه هي السعادة؟ لا. بيوت آل محمد ليس فيها نار قال: [فما طعامكم يا أماه؟ قالت: الأسودان؛ التمر والماء].وكان صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير -لا ينام على الفراش الوثير- حتى يبدو أثر الحصير في جنبه الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وكان يخرج في بعض الأيام وهو مربوط على بطنه الحجر، لقد خرج أبو بكر يوماً من الأيام يشكو الجوع فلقيه عمر فقال: ما أخرجك؟ قال: والله ما أخرجني إلا الجوع، ثم كشف عن بطنه وإذا فيه حجر -والحجر تضغط على المعدة فتسكت؛ لأن المعدة إذا خلت من الطعام أرسلت إشارات وأصدرت حركات توحي أنها تريد طعاماً، فيكون في البطن ألم حرقة الجوع، نعوذ بالله من الجوع، فإذا ضغط على الأمعاء والبطن بحجر التقى جدار المعدة بعضها ببعض فتسكت كأنها شبعت لكن بالحجر، وما شبعت بالطعام- فكشف عمر عن بطنه .. وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج عليهما فيشكوان عليه قالا: يا رسول الله! ما أخرجنا إلا الجوع، ويكشف عن بطنه الشريفة وإذا على بطنه حجران، وهو الذي يقول: (والله لو أردت أن تكون معي الجبال ذهباً وفضة لكانت، ولكن أريد أن أشبع يوماً وأجوع آخر، فإذا شبعت شكرت الله، وإذا جعت سألت الله) هذه حياة القلب حياة الإيمان، فمن رزق هذه النعمة فقد رزق النعمة الكبرى.
 

الحاسة التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان
أيها الإخوة: عنوان المحاضرة: بصيرة المؤمن.هناك حواس زود الله الإنسان بها لإدراك ما في هذه الحياة، لمعرفة الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، حاسة البصر يطل منها الإنسان على عالم الألوان، فيرى الأبيض والأسود والأحمر والأزرق والأصفر بعينه، فحاسة العين تطل على عالم الألوان، وحاسة الأذن تطل على عالم الأصوات، صوت محمد وعلي وعبد الله وفلان، تعرف الصوت بأذنك، وحاسة الشم يطل منها الإنسان على عالم الروائح، إذا أردت أن تشم رائحة عطر هل تشمه بأذنك، أو تقربه إلى عينك، أو تطعمه بلسانك، أين تضعه؟ في أنفك؛ لأن أنفك هو الذي يعطيك دليلاً على نوعية هذا العطر أو هذه الريح، وحاسة اللسان تطل منها على عالم الطعام والأذواق، إذا أردت أن تعرف طعم التفاح لا تضعه عند عينك، ولا تضعه عند مسمعك، وإنما تذوقها بلسانك، وحاسة اللمس تطل منها على عالم الأجسام، فتعرف الحديد من الخشب، والجدار من الإسفنج؛ فتعرف أي شيء عن طريق حاسة اللمس، هذه خمس حواس.وهذه الخمس الحواس ليست خاصة بالإنسان، بل مع الإنسان ومع الحيوان، بل ربما عند بعض الحيوانات حواس أدق وأقوى من حاسة الإنسان، الطائر الصغير: العصفور يعيش في جو السماء، ولكنه بعينه الصغيرة التي هي مثل حبة البلسن، أو مثل حبة العدس يرى الحبة في الأرض، وهو في السماء فينزل ويأخذها، عينه صغيرة والحبة أكبر من عينه ولكن يراها بعينه الصغيرة، عنده قدرة على رؤية الأشياء البعيدة بأدق إمكانية.حاسة السمع موجودة عند بعض الحيوانات تسمع على مدى بعيد، وكذلك حاسة الشم بشكل عجيب، كل هذه الحواس موجودة عند الإنسان وعند بقية الحيوان، بل بعض الحيوانات كما قلت أكبر، فعين الثور مثلاً كبيرة جداً لكنه ثور، وعين الحمار كذلك كبيرة لكنه حمار لا تنفعه. ولكن يتميز الإنسان عن سائر الحيوان بحاسة سادسة ليست مع الحمار، ولا مع الطائر، ولا مع السمك، ولا مع أي شيء من البهائم والأنعام، إن الحاسة السادسة هي البصيرة التي بها يكون الإنسان إنساناً، وبعدمها يكون الإنسان حيواناً بل أرذل من الحيوان.واسمعوا ماذا يقول الله عز وجل: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] فالعمى ليس عمى العين، العمى عمى القلب، عمى البصيرة، يقول الله عز وجل: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى [الإسراء:72] يعني: أعمى القلب فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء:72] من كان في هذه أعمى هل يعني: أعمى العيون؟ لا. لأن عمى العين ليس باختيارك، هل هناك أحد يغمض عينيه ويخيطها ويعمى، لا. الله يفرضها على الإنسان، فالمؤمن يرضى بقضاء الله إذا ذهبت عيناه ويستسلم، وإذا رضي واحتسب أبدله الله الجنة، ورد في الحديث القدسي: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر لم يكن له عوض عندي إلا الجنة) فإذا أخذ الله منك هذه الحاسة وعوضك بحاسة الإيمان ما خسرت، لكن إذا زودك بهذه الحاسة -حاسة البصر- وحرمت حاسة البصيرة فلم تعش حياة الإيمان لم تنفعك هذه العيون، فهو أعمى في الدنيا وأعمى في الآخرة يقول الله عز وجل: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:19-22] ويقول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ [الأحقاف:26] ويقول عز وجل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النحل:78] لماذا؟ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] ويقول عز وجل: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] ويقول عز وجل: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] أجل بم تتميز؟ بالبصيرة.
 

تعريف البصيرة وأهميتها
ما هي البصيرة؟ هل نبحث عنها في الصيدليات، أم في المستشفيات؟ لا. هذه لا توجد لا في البقالات ولا في المستشفيات، ولا يحصل عليها بكثرة الريالات، ولا بقوة العضلات، ولا بعلو الرتب والمناصب، بل هي: نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40].أين النور هذا؟ اسمعوا ماذا يقول الله في النور: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [النور:35] يعني: في قلب عبده: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35] المشكاة: الفتحة التي في الجدار -في الماضي- وفيها مصباح يعني: لمبة كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ [النور:35] يعني: اللمبة فِي زُجَاجَةٍ [النور:35] مغطى بالزجاجة من أجل ألا يؤثر عليه الهواء: الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [النور:35] ملمعة ونظيفة كأنها كوكب، وبعد ذلك: هذا المصباح من أين يوقد؟ قال: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ [النور:35] يعني: الزيت والزاد الذي يوقد منه ليس بنزيناً وإنما من زيت زيتونة زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور:35] يعني: تصيبها الشمس في الشروق وتصيبها الشمس في الغروب فيأتي زيتها أصفى من الشمس: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35] نور المشكاة على نور المصباح على نور الزجاجة على نور الزيت تجمعت أنوار أين هي كلها؟ في قلب العبد المؤمن -اللهم نور قلوبنا يا رب العالمين- يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].هذا النور يقول الله عز وجل عنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ [الحديد:28] ماذا؟ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد:28] وقال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]. هذا النور -أيها الإخوة- والإيمان، وهو الهداية، هو التوفيق الذي إذا حل في قلبك حيت بصيرتك وانطلقت، ورأت الأمور على حقائقها وأعادت ترتيب المسائل؛ لأن القضايا والأمور والأحداث في حياة الإنسان غير مرتبة الترتيب السليم لفقدان البصيرة، هناك أشياء غير مهمة تجد الإنسان يقدمها، وأشياء مهمة مرفوضة، غير مقدمة مهملة، لماذا؟ لأن البصيرة التي تعرف أن هذا مهم فيقدم، وهذا غير مهم فيؤخر غير موجودة، فإذا جاءت البصيرة بدأ الإنسان يعيد ترتيب قضايا حياته، ويعطي لكل شيء ما يناسبه من الاهتمام.الآن لما عميت بصائر أكثر الناس، ما عرفوا الأمور على حقائقها ولم يروا إلا ما تراه حواسهم فقط، فرأوا الدنيا، فيعيشون للدنيا التي يرونها ويسمعونها ويشمونها ويتذوقونها ويلمسونها ويتمتعون بها، فلها يعيشون، وبها يفرحون، ومن أجلها يغضبون، وفي سبيلها يموتون، وإذا قلت له: آخرة، قال: يا شيخ! فيما بعد، لماذا؟ لأنها ليست في ذهنه، وليست واردة في حساباته؛ لأنه لا يراها، ليس لديه نور ينظر به، وليست عنده بصيرة يستطيع أن يخترق الحجب وأن ينفذ إلى الآخرة، ولذا لا يرى إلا الدنيا، لماذا؟ قال العلماء: هذه الإصبع إذا وضعتها في المكان المناسب رأيتها بحجمها، تضعها أمام عينك فتراها بوضعها الطبيعي ولكنك تراها وترى ما وراءها، لا تستطيع الإصبع أن تحجب الرؤية عن عينيك وأن تسد أفق النظر عما وراءها، فأنا الآن أرى إصبعي وأرى المجلس المملوء بالمؤمنين، وأرى اللمبات والأعمدة، وأرى الميكرفون، وأرى يدي، لكن إذا قربت الإصبع جداً جداً إلى أن تلصقها بعينك ماذا ترى؟ لا ترى إلا الإصبع فقط، يقولون: وراءها مسجد وراءها أناس، تقول: لا. لا أرى إلا الإصبع، لماذا؟ لأنك ألصقتها، ما وضعتها في المكان المناسب، لكن إذا أبعدتها قليلاً ترى الناس، كذلك الناس ألصقوا الدنيا بقلوبهم، ألصقوا الدنيا بأعينهم، ألصقوا الدنيا بجميع حواسهم فلا يرون إلا الدنيا، ولو أنهم أبعدوا الدنيا قليلاً -لا نقول: يرفضونها وإنما يجعلونها في المكان الصحيح- لرأوا الآخرة، ولرأوا الجنة والنار.حارثة بن وهب رضي الله عنه -وإن كان الحديث فيه مقال، لكنه يستشهد به في مثل هذه الأمور- لقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال: أصبحت مؤمناً يا رسول الله! قال: انظر ماذا تقول، فإن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: يا رسول الله! عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها؛ فأظمأت نهاري بالصيام، وأسهرت ليلي بالقيام، وأصبحت وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها؛ فقال عليه الصلاة والسلام: عرفت فالزم، إنك امرؤ نور الله قلبك بالإيمان).إذا أنار الله القلب وفتح البصيرة؛ رأى الإنسان الدنيا والأمور كلها على حقيقتها، ورأى الله في كل شيء.وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ينظر إلى السماء فيرى آثار قدرة الله في خلق السماء فيقول: لا إله إلا الله! سبحانك مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191].ينظر إلى البحر فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من أجراه.ينظر إلى الجبال فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من أرساها.ينظر إلى الأرض فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من مدها وبسطها.ينظر إلى الثمار فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من حلاها وأنبتها.ينظر إلى العسل وهو يأكل ويقول: لا إله إلا الله! سبحان من أخرج هذا العسل من هذه الحشرة.يأكل الموز فيقول: سبحان من أخرج هذا الشيء من الطين! وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد:4] لماذا؟ فتح الله بصيرته، لكن البهيمة التي لا تعرف الله وليس عندها إيمان ولا نور تأكل من اللوز ومن الموز ومن اللحم ومن العسل ومن كل شيء، ولا تقول: سبحان الله! ولا تقول: لا إله إلا الله! لماذا؟ مثل الدابة أو الثور أو الحمار -الله يكرمكم- إذا أكل علفاً هل يتفكر في هذا العلف كيف ساقه الله له؟ أبداً، يأكل حتى تمتلئ بطنه ويذهب فيركب أنثاه، وكذلك بعض البشر يعيش حياة البقر وحياة الحمير لا فرق بينه وبين البهائم والعياذ بالله.
 

الفرق بين المؤمن والكافر في النظر إلى الدنيا
المؤمن يتميز بهذه البصيرة التي ينظر بها إلى الأمور، يعيش في الدنيا ويسكن في القصر ولكن بجسده وقلبه يعيش في القبر، يعيش على الفراش الوفير وهو يتذكر الكفن والحفرة المظلمة، يعيش في النور وهو يتذكر ظلمات القبور، يعيش مع الزوجة ومع الأبناء وهو يتذكر الوحشة في أول ليلة من ليالي القبر، يأتي على الإنسان في أول ليلة موحشة في قبره ما لم يتعرض له في حياته قط، يقال: يومان وليلتان ما مر عليهما الإنسان في حياته: أول ليلة في القبر وأول ليلة إما في الجنة وإما في النار، يقول: فارقت موضع مرقدي ليلاً ففارقني السكون القبر أول ليلة بالله قل لي ما يكون إني أبثك من حديثي والحديث له شجون يقول: أعطيك ما في قلبي وهو ذو شجون، يقول: أنا إذا غيرت مرقدي ليلة من الليالي في غير بيتي أتقلب طوال الليل، لماذا؟ قال: لأني غيرت موضع مرقدي، يقول: القبر أول ليلة بالله قل لي ما يكون كيف تلك الليلة يا إخواني! ونحن نعيش في غفلة عن هذا المصير، من الذي يعيش حياة القبور؟ إنهم أهل البصيرة، لا تخدعهم الفلل ولا العمارات ولا السيارات ولا الزوجات ولا غرف النوم، وإنما يعيشون هموم الآخرة قبل أن يصلوها، فيستعدون لها، ويعملون من أجلها.أما البهائم البشرية فهم في غفلة، يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] ويقول عز وجل: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات:46] ويقول عز وجل: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].فبالإيمان وبالبصيرة التي ينور الله بها قلب المؤمن تنضبط حياة الإنسان، يرى الآخرة، ويرى الجنة وما أعد الله فيها للمؤمنين فيعمل، ويرى النار وما أعد الله فيها للعصاة والمجرمين فيتوقف، لا يستطيع أن يقدم على المعصية، يدعى إلى الزنا فيقول: إني أخاف الله. يدعى إلى الحرام فيقول: إني أخاف الله. يدعى إلى الربا فيقول: معاذ الله. لماذا؟ لأنه آمن بالنار فكأنما يراها رأي العين، ورأى الجنة كذلك فيقوم إلى عبادة الله، وإلى طاعة الله، بل يقوم إلى الموت في سبيل الله.حنظلة بن عامر الأسدي رضي الله عنه وأرضاه (غسيل الملائكة) قام من على فراشة في ليلة عرسه ومع زوجته في أول ليلة يبني بها، وليلة الزواج يسمونها: ليلة العمر، كل شخص يخطط لها طوال حياته من أجل أن ينبسط فيها، يأخذ إجازة من العمل قبلها وبعدها يريد أن يرتاح، لكن حنظلة عنده نظرة للآخرة، لما سمع المنادي: يا خيل الله اركبي! قال لزوجته: أسرجي حصاني، فقامت تسرج الحصان، وهو يلبس آلة الحرب -السيوف والدروع- فركب على الحصان ولم يغتسل -خرج جنباً- فقاتل حتى استشهد، ويضحي بزوجته، ولكن الله يعطيه بدلها اثنتين وسبعين زوجة في الجنة، وفي آخر اليوم، يتفقدون القتلى فيجدونه وإذا برأسه يقطر ماء، والماء معدوم في المعارك، فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (سلوا زوجته، فقالت: خرج وهو جنب، قال: والذي نفسي بيده إن الملائكة لتحمله وتغسله في صحاف من ذهب بماء المزن بين السماء والأرض) ما الذي جعله يقوم من جانب امرأته ويذهب يموت في سبيل الله؟ البصيرة، لكن لما عدمت البصيرة عند بعض الناس لا يقوم من فراشه ليصلي في المسجد، يسمع المنادي فوق رأسه: الله أكبر! وهو يتقلب كالخنزير على فراشه دون أن يصلي، لماذا؟ لأنه مطموس البصيرة، أعمى القلب، والله لو يعلم أن في المسجد مائة ريال لا ينام، لو قيل: لكل صلاة مائة ريال، هل هناك أحد سيترك صلاة بخمسمائة ريال في اليوم، وفي الشهر بكم؟ بخمسة عشر ألفاً، هذا راتب أفضل من أي راتب، لا أحد يتركها، لكن لو كان الجزاء الجنة (من غدا إلى مسجد وراح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا وكلما راح) فمن يأتي لهذه؟ يأتي لها الذين يرونها، يرونها بماذا؟ يرونها بقلوبهم، ما رأوها بأبصارهم ولكن رأوها ببصائرهم: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] إذا عمي القلب فليس في الإنسان فائدة والعياذ بالله.هذه البصيرة يرى الإنسان بها حقائق الأمور فيرتب أموره على هذا الوضع، ويعيش عيشة الإيمان.
 

أسباب نفاذ البصيرة لدى المؤمن
هل هناك وسائل وأسباب تقوي هذه البصيرة وتجعلها نافذة وقوية؟نعم. روى البخاري في الصحيح حديثاً قدسياً يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، والحديث القدسي هو الذي لفظه ومعناه من الله مثل القرآن غير أنه لا يتعبد به في الصلاة، ولكن تقرأ في الصلاة بالقرآن وهو: الكلام الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه، ومتعبد به في الصلاة، والحديث القدسي هو الذي أوحي به من الله إلى النبي لفظاً ومعنىً وغير متعبد به في الصلاة، والحديث النبوي الشريف هو الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم معناه دون لفظه، المعنى من الله واللفظ من محمد صلى الله عليه وسلم.هذا الحديث القدسي في صحيح البخاري، يقول عليه الصلاة والسلام: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) وفي بعض الروايات: (من عادى) من بدأ العداوة والأذى لأولياء الله فقد آذن الله بمحاربته وأعلن الله عليه الحرب، ومن أعلن الله حربه فهو مهزوم؛ فمن يقدر على الله: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21].النمرود كان يدعي أنه الإله، ولما دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وحده كفر وقال: إنه هو الرب ولا يعرف أنه يوجد رب غيره للناس، وبعد ذلك طلب من إبراهيم أن يبارز الله، قال: هذا الذي تدعي أنه إلهك يا إبراهيم، أريد أن يبرز لي في الميدان، أريد أن أقاتله، فإن غلبني فهو الرب وإن غلبته فأنا الرب؛ فالله عز وجل أرسل له جندياً من أصغر الجنود وأضعفها، يقول الله: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفتح:4] هذا الجندي هو بعوضة أرسلها الله للنمرود؛ لأنه أضعف من البعوضة لا يستحق أن يرسل له أسداً أو نمراً أو ثعباناً، البعوضة تسلبه وتمتص دمه ولا يمتنع منها، وبينما كان نائماً في الليل يشخر كالثور دخلت البعوضة من أنفه واستقرت في رأسه، وتربت على دماغه، وكانت تنتفض بجناحها، فإذا انتفضت أحس في رأسه مثل الصواعق دوار وصداع وحركة غريبة في رأسه، فلا تسكن إلا إذا ضرب وجهه بالنعال، وإذا وقف الضرب حركت أجنحتها فيقول: اضرب اضرب، فضرب النعل أخف من حركة البعوضة في رأسه حتى تقطع وجهه، أصبح وجهه تسيل منه الدماء من كثرة الضرب، حتى تقيحت وتقرحت وبدت عظام وجهه، وأخيراً لم يجد فرصة للحياة، لم يتحمل أبداً، إن ضرب تألم، وإن لم يضرب تألم من الداخل ما هو الحل؟ الحل: الموت، دخل عليه عبد من عبيده وفي يده سيف، قال: يا عبدي! قال: نعم. قال: اضرب هامتي -يقول: اضرب رأسي- فسل العبد السيف وفلق رأسه، فنزل السيف على رأسه ونزل على جناح البعوضة فقصه فاشتكت إلى الله، وقالت: يا رب! دخلت في عدوك بأمرك لأعذبه؛ لأنه عدوك، ولكن سلطت عليَّ من قطع جناحي، فقال الله لها: أتريدين جناحك، أم تريدين دية؟ قالت: كم الدية؟ قال: الدية الدنيا منذ خلقتها حتى أفنيها -قصورها وعماراتها وبنوكها ومزارعها وسياراتها وكل ما فيها- ففكرت قالت: ماذا أفعل بالدنيا، وأنا مكسورة الجناح لا أطير؟ فقالت: لا يا رب! أريد جناحي من أجل أن أطير، فأعطاها الله جناحها، ولذا قال في الحديث: (لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة.والجندي الآن الجديد الموجود في العالم اسمه: الإيدز، وهو يهدد أمريكا وأوروبا والعالم كله، أين كان الإيدز، والإنسان موجود منذ القدم ولم يعرفه إلا هذه السنة؟ سلطه الله عليهم لما عتوا عن أمر الله، ولما شاعت فيهم الجريمة والفاحشة، وأصبح الجنس عندهم إلى أرذل درجة من درجات الحيوانية، يعني: الحياة الجنسية عندهم لا تطاق أبداً، وتمارس بشكل بهيمي يستحي منه الحمار والحيوان، فماذا سلط الله عليهم؟ سلط الله عليهم الإيدز، الإيدز فيروس يدخل في الجسم ويسير مع الدم، ويقتل الكريات البيضاء ويقضي على المناعة.الكريات البيضاء تشكل جيشاً داخلياً لمحاربة الأجسام الغريبة، وهي التي تحفظ للجسم مناعته وقوته ضد أي مرض، فإذا ماتت هذه الكريات يصبح الجسم لا يستطيع أن يقاوم أي مرض، وبالتالي أقل زكام يقتله، أقل جرثومة تقتله، والعالم إلى الآن لم يستطع أن يجد لهذا المرض علاجاً.من يستطيع أن يحارب الله؟ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفتح:7] أرسل الله عز وجل على قوم عاد الريح، أتدرون كم فتح عليهم؟ قدر حلقة الخاتم فكانت تحملهم إلى السماء ثم تلقيهم سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة:7-8]. سلط الله عز وجل على قوم فرعون الغرق، وسلط الله عز وجل على قوم لوط الهدم بحيث حمل قريتهم ثم قلبها عليهم، وعلى ثمود الصيحة، وكل أمة يسلط الله عليها عذاباً، والله قادر أن يسلط على الكفار عذاباً لا يعرفه الناس، ولكن الله يقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:182-183] .. وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً [فاطر:45]. (من عادى لي ولياً -من آذى لي ولياً- فقد آذنته بالحرب) فقد أعلنت عليه الحرب، انتبه يا أخي في الله! لا تعادي أولياء الله، لا تؤذ عباد الله، من هم أولياء الله؟ بعض الناس يتصور أن الأولياء هم الذين في القبور وعليهم قباب ويطاف حول قبورهم، لا. هؤلاء أولياء -إن شاء الله- إن كانوا صالحين، وكل مؤمن بالله فهو ولي لله؛ لأن الله يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] فكل مؤمن يتقي الله فهو ولي من أولياء الله؛ لا تؤذه في ماله، ولا تؤذه في نفسه، ولا تؤذه في عرضه، ولا تؤذه بأي أذى، حتى لو دخلت المسجد تتوضأ في دورة المياه وشخص في الحمام لا تطرق عليه الباب؛ لأن هذا إيذاء له، هل هناك أحد في الدنيا يقعد في الحمام باختياره؟ لا. الإنسان يدخل الحمام مضطراً من أجل أن يقضي حاجته، وهو يود أن يخرج في أول فرصة، لكن أحياناً ينتظر، يكون عنده حاجة أكبر يقضيها، فإذا أتيت تطرق عليه الباب ألست تؤذيه؟ الإيذاء لا يجوز.لا تؤذه بدعائه بغير اسمه، كأن تقول: يا طويل! يا قصير! يا متين! يا ضعيف! يا أسود! يا فلان أنت يا علان، لا. بل ناده باسمه، بل بكنيته فإذا كان اسمه محمداً وله ولد اسمه عبد الله تقول: يا أبا عبد الله! وإذا كان اسم ولده خالد فتناده: يا أبا خالد! لماذا؟ لأن الكنى محببة إلى النفس والعرب تحبها، إذا ناديتني بابني أفضل من أن تناديني باسمي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكنى بأبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه، فلا تؤذ عبد الله بالنظر إلى بيته، إذا رأيت أهله معه وأنت ماشٍ في الطريق فلا تنظر إلى زوجته، بل ابتعد عنه، لا تؤذه في ماله، (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) لماذا لا تؤذيه؟ خوفاً من الله حتى لا يحاربك الله؛ لأن الله لو حاربك قصمك.
 أكل الحلال
إن أكل الحرام يطمس البصيرة، لماذا؟ لأن (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) والحديث في مسلم : (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب! يا رب!) كل هذه وسائل استجابة الدعوة، يطيل السفر والمسافر له دعوة، بعد ذلك أشعث والأشعث الذي عليه علامات الضعف والذل وشعره أشعث ليس مغسولاً، أغبر ليس عنده ماء يغسل من آثار السفر، ثم يمد يديه إلى السماء والله يستحي أن يرد يد السائل صفراً، ويقول: يا رب! ويكرر: يا رب! بأعظم صفة لله وهي الربوبية يا رب! ولكن (ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام -قال الله-: فأنى يستجاب له) كيف نستجيب له وهذا كله مغذى بالحرام وملغم بالحرام؟ والعياذ بالله.وانتبه أن تعمل في البنوك، أو أن تضع أموالك فيها؛ لأنك تأكل حراماً، وإذا كنت تملك دكاكين لا تؤجرها لصاحب الاسطوانات أو أشرطة الفيديو أو أشرطة المسجلات يعني: تسجيلات غنائية، ولا تؤجرها لحلاق يحلق لحى المسلمين، ما من لحية تحلق إلا وعليك إثمها إلى يوم القيامة، بعض الناس عنده عمارة ولحيته وافية، لكن لحى المسلمين تحلق في عمارته، لا تبع الدخان في دكانك حتى ولو كنت لا تدخن، لو كنت تدخن فعليك ذنبك، لكن إذا لم تدخن والدخان يباع في دكانك، ما من سيجارة تباع في دكانك إلا وعليك إثمها إلى يوم القيامة، لماذا؟ لأن من دل على ضلال فإن عليه وزره ووزر من عمله إلى يوم القيامة، ومن دل على هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم ودون أن ينقص من أوزارهم، فلا بد أن يكون دخلك حلال.إذا كنت موظفاً في الدولة أو في شركة يجب أن يكون دخلك حلالاً، كيف يكون دخلك حلالاً؟أولاً: بالمحافظة على الدوام، فإذا كان الدوام السابعة والنصف فتأتي من بداية الدوام لا تقعد إلى الساعة التاسعة وتأتي آخر الشهر تأخذ الراتب كاملاً وأنت كل يوم تنقص ساعتين من الدوام، من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل، ولا تقل: أنا موظف، وما عندي شغل، أنت أجير عند الدولة، عندك شغل اشتغل، ما عندك شغل اجلس على مكتبك واستعد للعمل، أما أن يتراكم المراجعون على (ماستك) وعلى بابك إلى الساعة التاسعة أو الساعة العاشرة ثم تأتي متأخراً ثم تقوم تفطر ثم تقرأ الجرائد ثم تقضي نصف الوقت في المكالمات، ثم إذا جاءت الصلاة خرجت وبعد الصلاة تقول: انتهى الدوام ارجعوا غداً، هذا لعب وخيانة لولي الأمر، وفي نفس الوقت خيانة للمسلمين، وفي نفس الوقت خيانة لنفسك لأنك أكلت نفسك الحرام وأكلت أولادك الحرام، اذهب للعمل الساعة السابعة والنصف وابق في مكتبك طوال الدوام ولا تتسيب ولا تصرف دقيقة من دقائق العمل إلا في العمل إلى الساعة الثانية والنصف فإنك بعدها تحس بالتعب لكن تأخذ راتبك حلالاً والله يجعل لك فيه البركة.بعض الموظفين راتبه (10000) ولا يأتي آخر الشهر إلا وهو يستلف، لماذا؟ لا توجد بركة، وبعض الموظفين راتبه (2000) ويوفر منه ويضيِّف ويبني؛ لأن فيه بركة، ليست البركة في العدد، ولكن في الكيفية التي يجمع منها المال، أما الكم فقد يكون الكم كثيراً منزوع البركة فلا خير فيه، وقد يكون الكم قليلاً فيه بركة ففيه خير كثير.وهكذا في كل دخل لك إذا كنت موظفاً في شركة، أو كنت بائعاً في دكان عند عمك، انتبه أن تأخذ ريالاً واحداً؛ لأنه حرام، بعض الناس راتبه ألفين (2000) ريال أو (3000) آلاف ريال، ويبيع وآخر اليوم تكون المبيعات (3000) آلاف ريال فيأخذ منها خمسين ريالاً أو مائة أو عشرين يقول: هذه حق المقاضي، وعمه لا يدري وهذا حرام، انتبه لا تأخذ ريالاً واحداً، كن كـالمبارك رضي الله عنه - المبارك - الذي كان مولى -عبد- في بغداد عند مولاه -سيده- وكان مزارعاً في مزرعة لسيده، ثم جاء سيده يوم من الأيام إلى المزرعة من أجل أن ينظر فيها وكان فيها بساتين وثمار، فقال للعبد المبارك: أعطنا رماناً -ومعه بعض الوجهاء- فأتى برمان حامض مثل الليمون، فلما أكلوا منه فإذا طعمه مثل الليمون قال له: يا ولدي! أعطنا غير هذه الرمانة الحامضة، فذهب فأتى برمانة أحمض من الأولى، فقال: لماذا تأتي لنا بالرمان الحامض؟ قال: والله ما أعرف حلوه من حامضه منذ دخلت هذا البستان، قال: لماذا؟ قال: ما أذنت لي آكل منه والله ما أكلت منه حبة واحدة منذ عرفت البستان، قال: أنت في البستان منذ سنوات وما تعرف حلوه من حامضه من أجل الله؟ قال: نعم. قال لمن معه: أشهدكم أن هذا البستان له -أعطاه البستان كله- ومرت الأيام وتبلغ بنت عند هذا الرجل التاجر بنت ذات دين وذات أمانة وذات خلق، بلغت مبلغ الزواج، فيأتي إلى الرجل هذا المبارك -وهو عبد قد أعتقه لوجه الله وأعطاه البستان- وقال له: يا مبارك ! قال: نعم. قال: لدي بنت أريد أن أزوجها، فأشر عليَّ من أزوج، قال له: اليهود يزوجون للمال، والنصارى يزوجون للجمال، والعرب الجاهليون يزوجون للحسب والنسب، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم يزوجون للدين، ابحث عن أهل الدين، ابحث عمن تنتمي إليهم، إن كنت من اليهود ابحث عن رجل (مليونير) وإن كنت من النصارى فابحث عن أشقر أو أحمر، وإن كنت من أصحاب أبي جهل فابحث لك عن فلان بن فلان بن فلان، وإن كنت من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فابحث عن مؤمن يخاف الله، فقال الرجل: والله ما أظن أحداً على وجه الأرض أدين منك، أنا زوجتك ابنتي، قال: قبلتها، فتزوجت بهذا الرجل وولدت له عبد الله بن المبارك إمام من أئمة التابعين رضي الله عنه وأرضاه.فاترك المال الحرام، فمن ترك حراماً من أجل الله عوضه الله خيراً منه.تذكر كتب العلم: أن رجلاً حج قبل أربعين سنة من أهل مصر إلى بيت الله الحرام، وانتهى به الحج ولم يرجع، وظل يبحث عن عمل فلم يجد، ومرت عليه أيام وليالي ما ذاق طعم العيش، خرج من المسجد الحرام يوماً من الأيام في صلاة الظهر وإذا به يجد أمام الباب منديلاً أخضر ففتحه وإذا بداخله عقد بمائة ألف درهم -عقد لؤلؤ- فوضعه في جيبه، وقال في نفسه: والله إن فرحتي بهذا العقد لا تعدل حزن صاحبه عليه، ثم جلس في مكانه، وإذا بذلك الرجل يصيح: يا جماعة الخير! من وجد منديلاً صفاته كذا وكذا، فلما سمعه ناداه فقال له: ما هو لونه؟ قال: أخضر، قال: ما الذي داخله؟ قال: عقد، قال: هل هو هذا؟ قال: نعم. قال: تفضل، فأخرج ذاك ألف درهم وأعطاه إياها، قال: والله لا آخذ شيئاً إلا من الله وهو يموت جوعاً، قال: لو أني كنت آخذ المال لأخذت العقد مع أن المال حلال لو أخذه، لكن قال: والله ما آخذ جزائي وثوابي إلا من الله، أخاف آخذ المال فيمنعني مما عند الله.وخرج وظل أياماً وليالياً يبحث عن عمل حتى وجد له عملاً بسيطاً، ثم استطاع أن يصل إلى جدة، ومن جدة ركب البحر يريد بلده، وفي البحر تضطرب السفينة وتغرق ويغرق كل ركابها إلا هذا الرجل نجاه الله على لوح خشب، وظل أياماً وليالياً وهو يسبح في البحر والبحر يتقاذفه والأمواج تتلاطم به، إلى أن قذفت به الأمواج إلى ساحل البحر في منطقة وقام يمشي ووصل إلى قرية من قرى أهل الساحل وجلس عندهم أياماً وليالياً، وكان صاحب دين وصاحب قرآن، وهم أهل خير أحبوه، قالوا: يا شيخ! اجلس معنا، قال: والله أجلس معكم، ولم يرجع إلى بلده، وصار يصلي بهم الصلوات الخمس، وصار يعلم أولادهم القرآن، مكث عندهم حتى أصبح الرجل الأول والأخير فيهم، وعزموا على أن يزوجوه، فقالوا: يا شيخ! أنت الآن منا وأصبحت من أفضلنا، ونريد أن تسكن معنا دائماً ونريد أن نزوجك، قال: ما عندي شيء، قالوا: كل شيء جاهز، استأجروا له بيتاً، ودفعوا المهر، وجاءوا بالبنت وعقدوا ودخل على الزوجة في ليلة العرس، ولما دخل عليها في ليلة عرسها رأى تلك المرأة الجميلة وعلى صدرها العقد الذي رآه في مكة -نفس العقد الذي وجده في مكة هو على صدر البنت-فلما رأى العقد على المرأة رجع وقال: أين والد العروس؟ فلما رآه قال له: هل حجيت قبل سنوات طويلة؟ قال: نعم. قال: حصل لك شيء في الحج؟ قال: نعم. قال: ماذا حصل؟ قال: أنا صاحب مال وعندي بنت وحيدة وحجيت واشتريت لها عقداً بمائة ألف درهم ووقع مني عند باب المسجد فوجده رجل ابن حلال وأعطاني إياه وأعطيته جائزة ولم يأخذها، ونذرت في نفسي إن لقيته في الحياة لأزوجه بهذه البنت، لكن ما لقيته، والبنت كبرت فزوجناك، قال: أنا ذلك الرجل، وبدأ يعانقه ويسلم عليه من جديد، ويدخل البيت على البنت وإذا قد العقد معه امرأة، لماذا؟ (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه).انتبه يا أخي! لا تأكل الحرام، لا تقل: الدكان إذا أخرجت منه بائع الدخان يبقى الدكان من غير مستأجر، ليكن كذلك، لا تقل: الشقة إذا أخرجت منها المستأجر الذي لا يصلي في المسجد -وأنت تعرف أنه لا يصلي- لا تُؤجر، ولتكن الشقة فارغة طوال حياتها. لا تأوي محدثاً (لعن الله من آوى محدثاً) وأعظم محدث في دين الله من لا يصلي فرائض الله، حتى يكون راتبك حلالاً، وإيجار شققك حلالاً، وإيجار دكاكينك حلالاً، وحياتك حلالاً، وأولادك حلالاً، وطعامك حلالاً، وتكون حياتك حلالاً، من أجل أن يرضى الله عنك، وأيضاً يطلق بصيرتك وتصبح تنظر بنور الله؛ لأنك قدمت محبة الله في الحلال، وقدمت محبة الله في النظر إلى الحلال، وقدمت محبة الله في عمارة ظاهرك بالسنة، وقدمت محبة الله في عمارة باطنك بالتقوى والمراقبة، وقدمت محبة الله بكف نفسك عن الشهوات المحرمة، وأيضاً قدمت محبة الله في فعل الفرائض التي هي أحب شيء إلى الله، ثم قدمت محبة الله في الزيادة في النوافل حتى أصبحت محبوباً عند الله، وإذا أحبك الله توجهت إليك السعادة من كل جانب.أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم حبه، وحب من يحبه، وحب كل عمل يقربنا إلى حبه، اللهم اجعل ما رزقتنا عوناً لنا على ما تحب، واجعل ما زويت عنا فراغاً لنا فيما تحب، واجعل حبك أحب إلى قلوبنا من الأهل والمال ومن الماء البارد على الظمأ إنك على كل شيء قدير وبالإجابة قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وسوف نجيب باختصار على بعض الأسئلة التي وردت منكم.
الأسئلة

 حكم من يقتصر في السلام على السلام عليكم دون ورحمة الله وبركاته
السؤال: رجل إذا قيل له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: ذبحتمونا برحمة الله وبركاته، قولوا: السلام عليكم فقط؟الجواب: هذا مسكين مطموس البصيرة، ولو أتيت تحسب الكلمات التي تكلم بها لوجدت ملايين الكلمات الفاضية، وإذا جاءت رحمة الله وبركاته ثقلت عليه؛ لأنه منكوس.أما عرفت يا أخي! أن في كلمة السلام عليكم عشر حسنات، وفي كلمة السلام عليكم ورحمة الله عشرون حسنة، وفي كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثلاثون حسنة.دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (السلام عليكم، قال: وعليكم السلام عشر، جاء الثاني قال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: وعليكم السلام ورحمة الله عشرون، دخل الثالث وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون، فلما سألوا الرسول قال: الأول قال: السلام عليكم فكانت له عشر حسنات، والثاني قال: ورحمة الله فكانت له عشرون حسنة، وقال الثالث: وبركاته فكانت له ثلاثون حسنة)، لا يضيع ثلاثين حسنة إلا محروم، يعني: لسانك يتعب من رحمة الله وبركاته، لماذا ثقلت عليك هذه الكلمات ولم تثقل عليك الكلمات الأخرى؟ لكن ذكر الله ثقيل على القلوب المريضة -والعياذ بالله- والله يقول: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] إذا قال لك شخص: السلام عليكم، قل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه أحسن منها، وإذا ما قدرت قل: وعليكم السلام (أو ردوها مثلها) لكن بعض الناس يقول: السلام عليكم قال: هلا، السلام عليكم قال: مرحباً، قلت: السلام عليكم قال: أهلين، ما هذه الهلهلة والمرحباً، أقول: السلام عليكم يا أخي! فيبقى يهلهل لي طوال الليل، لا. قل: وعليكم السلام؛ لأنه دعاء أما هلا هلا فليست بدعاء.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بصيرة المؤمن للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net