اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخسران المبين للشيخ : سعيد بن مسفر


الخسران المبين - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن خسران الدنيا هين لأنه ينتهي، ولكن المصيبة والخسارة الحقيقية هي: مصيبة الإنسان في دينه، فهي تعود عليه بخسارة في الدنيا؛ لأنه يعيش فيها عيش الهمل، فضلاً عما ينتظره في الآخرة من العذاب المقيم في جهنم، فقد ذكر الله الخاسرين وما لهم في الآخرة في آيات كثيرة من كتابه، وحذرنا أن نكون منهم، وبين طريق السعادة لنسلكه.
الخسارة الحقيقية في الدنيا والآخرة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:اللهم لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا من قديم أو حديثٍ، أو شاهدٍ أو غائبٍ، أو حي أو ميت، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، لك الحمد في كل حال، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.بعد أن زالت الغمة، وماتت الفتنة، وهدأت العاصفة التي اقتلعت جذور العدوان، وألقته إلى غير رجعة في مزبلة التاريخ، وخسر البعث الكافر، وخسر صدام الطاغية، والغربان الناعقة، والشعارات الفارغة، والطبول المجوفة، وأم المهازل، والشجعان وأصحاب المنازلات .. بعد هذا الخسران، ماذا عساه أن يكون؟!إن خسران الدنيا هين؛ لأنه ينتهي وله أمد، ولكن هناك خسران عظيم مبين واضح يشمل هؤلاء الخاسرين؛ لأنهم بغوا، وعلى الباغي تدور الدوائر: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس:23] ويشملهم لأنهم معتدون، والله عز وجل يصب كيده على المعتدي، ويشملهم لأنهم خونة، والله لا يهدي كيد الخائنين، ولكن يشمل معهم كل من لم يسر على منهجه، وكل من لم يسر على كتابه، ويتبع هدي رسوله، هذا خاسر ولو ظن أنه رابح؛ لأن مقاييس الربح والخسارة ليست مقاييس الدنيا، ما الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كقطرة من بحر يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] يوم القيامة طوله خمسين ألف سنة من أيام الآخرة، واليوم من أيام الآخرة كألف سنة مما نعد، اضرب (1000× 50.000) هذا يوم القيامة وبعده ماذا؟ لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً [النبأ:23].. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [هود:107].
 مآل الخاسرين في الآخرة
من هو الرابح مع الله، ومن هو الخاسر؟اسمعوا ماذا يقول الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15] هذا هو الخاسر، ليس الخاسر الذي ضاعت عمارته أو انقلبت سيارته، بل الخاسر الذي إذا مات خسر نفسه وأهله ودخل النار قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:15-16] هذه الخسارة يوم يكون الظلال ناراً، ومن تحتك نار، وأنت بين ناري السماء والأرض لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41] هذه الخسارة الحقيقية.أما الدنيا فأعظم ما في الدنيا أنك تموت، وإذا مت تخلصت نفسك من هذه المصائب كلها، لكن النار ليس فيها موت، فالموت أعظم أمنية عند أهل النار، ينادون وهم في شعابها بكياً من ترادف عذابها، ينادون: يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! قد تقطعت منا الكبود، يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود، فلا يجيبهم، بعد ذلك يدعون مالكاً في الهلاك يقولون: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] يعني: أمتنا قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:77-78] فالله يقول: إن الخاسرين الحقيقيين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، ما هو الخسران؟ قال: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16] أي: اتقوا عذابي، هذا كلام الله، أخوفكم يا عبادي! من عذابي فاتقوا عذابي، اتقوا عذابي بماذا؟ بفعل طاعة الله وترك معصيته، هذه هي التقوى، اجعل بينك وبين عذاب الله عز وجل وقاية، يعني: حاجزاً ساتراً، وما هذا الواقي لك؟ فعل طاعة الله وترك معصية الله، إذا فعلت الأمر، وتركت النهي، وخضعت للشريعة، وأسلمت نفسك لله، وجعلت بينك وبين عذاب الله وقاية، فلست من أهل هذا الوعيد، ليس لك ظلل، بل أنت في غرف من فوقها غرف مبينة تجري من تحتك الأنهار في جنات النعيم، لماذا؟ لأنك رابح .. ربحت الدنيا وربحت الآخرة، حتى ولو أنك في الدنيا كنت تمشي حافي القدم، عاري البدن، خاوي البطن، تنام على الرصيف وليس عندك رصيد ولا راتب ولا بيت ولا زوجة، ولكن معك الإيمان والدين والعقيدة والصلة بالله والخوف من الله، أنت رابح.لكن إذا كان العبد يفقد ويفتقد هذه الأشياء والله لو ملك الدنيا بأسرها، هل سيملك أحد مثل ملك فرعون؟ كان فرعون ملك مصر، وكان يدعي أنه الرب، وكان يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] وكان يقول لبني إسرائيل: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ [الزخرف:51-52] يعني: موسى وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] أين فرعون الآن؟ في خسران، يقول الله فيه: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ * وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:46-48] الكبير والصغير في جهنم. فمهما كان ملك الإنسان وليس معه إيمان ولا عقيدة فهو خاسر، ومهما كان مال الإنسان وليس معه إيمان، ولا عقيدة، ولا دين فهو خاسر، هل سيجمع أحد أموالاً مثل قارون؟قارون الذي كانت له مخازن الذهب الأحمر والفضة البيضاء ومفاتيحها لا تحملها العصبة من الرجال، ويقول الله فيه: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً [القصص:78] أين هو الآن؟ أين أمواله؟ هل حجزته أمواله من عذاب الله؟ إنه الآن يتجلجل في بطن الأرض إلى يوم القيامة، قال الله: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص:81] ابتلعته الأرض، أوحى الله إلى الأرض أن تفتح فتحة بمقدار قصوره وأمواله ومخازنه وأولاده وحشمه وخدمه وما عنده، فانفتحت ثم انطبقت فهو الآن في بطنها إلى يوم القيامة: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:81-83] اللهم اجعلنا من هؤلاء المتقين الذين اتقوك يا رب! وجعلوا مخافتك بين أعينهم فلم يقدموا على معصيتك ولم يتأخروا عن طاعتك، هؤلاء لهم العلو ولهم السيادة، والفوز والنجاح يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، هنالك يعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52] هؤلاء خاسرون لماذا؟ لأنهم ضيعوا دين الله، قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15].
أسباب الخسارة في الآخرة
هل هناك خاسرون آخرون؟
 الإشراك بالله وابتغاء منهج غير الإسلام
وهناك مظهر من مظاهر الخسارة وهو: أن يبتغي الإنسان منهجاً أو ديناً في هذه الدنيا غير الإسلام قال عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].ومن مظاهر الخسران العظيم وأختم به المجلس هو: الشرك بالله؛ خسارة ليس بعدها ربح، كل خسارة في المعاصي تتعوض بالتوبة أو بالمغفرة أو بالتهذيب أو بالتنقية في النار، أما الشرك فلا يغفره الله إلا إذا تاب الإنسان منه قبل الموت؛ وإذا مات مشركاً فإن الله قد حكم على أهله بالخسارة، قال عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] سبحان الله! أوحي إلى الرسول وإلى الذين من قبله من الرسل شريعة عامة من أول الرسل إلى آخرهم محمد، أوحي إليهم فبلغوا ونبهوا وأكد عليهم وكرر عليهم أن الشرك عظيم، وأنه إذا أشرك الرجل ولو كان نبياً لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].
حقيقة الخسارة ومفهومها
فهذه مظاهر الخسارة التي تحصل للإنسان إذا ابتعد عن دين الله عز وجل، أما ما هي الخسارة؟ فسوف أتحدث عنها إن شاء الله باختصار. بغير الدين تكون خسارة الدنيا؛ قلق واضطراب وحيرة وضيق وهم وأمراض خذ ما شئت في الدنيا، وعند الموت يخرج خاسراً لا يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله، نعم إذا خرج من الدنيا ما يقدر يقول: لا إله إلا الله. هذا خسران؛ لأن علامات حسن الخاتمة أن يقول الشخص: لا إله إلا الله، وعلامات سوء الخاتمة ألا يقول: لا إله إلا الله، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) وهذه لا أحد يستطيع أن يقولها إلا الذين عاشوا عليها، من صبغ حياته بلا إله إلا الله، وعجن نفسه حتى صارت لا إله إلا الله تسير في عروقه وتتردد مع أنفاسه، وعينه محكومة بلا إله إلا الله، وأذنه ويده محكومة بلا إله إلا الله، ولا إله إلا الله تهيمن عليه، عند الموت يقول: لا إله إلا الله، ما يحتاج من يذكره، لماذا؟ أصبحت لا إله إلا الله متكاملة فيه، لكن من عاش على غير لا إله إلا الله فإنه لا يستطيع أن يقولها عند الموت، وإذا خرج بغير لا إله إلا الله هذه علامة سوء الخاتمة والعياذ بالله.كثير من الناس يموتون ويلهمون لا إله إلا الله، وقد أخبرني رجل من إخواننا في الله عن رجلٍ صالح مات وهو مؤذن كان يشتغل مؤذناً وحصلت له وعكة، وأصيب بغيبوبة وفقد شعوره أسبوعاً كاملاً، لا يعرف ليلاً ولا نهاراً ولا صلاة ولا شيئاً، يقول ولده: وكنت عند رأسه أشرف على تمريضه، وبعد منتصف الليل وأنا نائم عنده وهو في الغيبوبة، ولا يأكل ولا يشرب حتى أذاه لا يعرف ما يخرج منه، يقول: وإذا به يوقظني وجلس واستقبل القبلة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله ثم وضع جنبه على الأرض ومات، ختم له بخير، من الذي علمه؟ من الذي ثبته؟ من الذي لقنه؟ هذا عمله ثبته هنا ليخرج متوجاً بلا إله إلا الله، يخرج يحمل بطاقة ورخصة مرور إلى الجنة اسمها لا إله إلا الله، جواز سفر يقدمه لرضوان ويدخل الجنة، هذا الجواز الذي ينفع.وناس ما قالوا لا إله إلا الله، شخص يخبرني عن رجل كان يبيع ويشتري في العقارات، ولكن بغير الطريق الشرعي، وإلا فالبيع والشراء في العقار ليس فيه شيء إذا راعى الإنسان أوامر الشرع وخاف الله، صدق وبين ولا دلس على أحد ولا كذب، أما إذا خان فقد غدر والله لا يهدي كيد الخائنين، كان هذا الرجل -والعياذ بالله- سيئ في معاملاته، ولم يكن يراعي أمر الله، كان يضيع صلاته ودينه من أجل العقار، ولما جاءه الموت قالوا له: قل لا إله إلا الله! قال: على شارعين، ما يعرف لا إله إلا الله، يعرف أرضية على شارعين، قالوا: قل لا إله إلا الله قال: رخصة بلدية، ومات على شارعين جهة على جهنم وجهة على لظى، لماذا؟ لأنه عاش عليها، ومن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه.رجل كان يعمل في حراج السيارات، وطوال الليل وهو يصيح على الميكرفون، ولما جاءه الموت قالوا: قل لا إله إلا الله قال: (خربان تربان)، قل لا إله إلا الله قال: (سكر في موية كومة حديد)، ومات.وشخص كان يغني ومات وهو في السيارة، وعصر (الدركسون) بطنه ومات وكان يغني مع المغنية، وأتوا عليه ميتاً ومنتكساً وفي آخر لفظ من حياته والمسجل شغال على الأغنية وهو يردد بعدها ويقول: (هل رأى الحب سكارى مثلنا)، يغنى مع (أم كل شوم) (هل رأى الحب سكارى مثلنا)، لا والله ما رأى أفشل منك، نعم الآن كمل السكرة هناك لا حول ولا قوة إلا بالله.من الآيات التي تلوتها في المحاضرة في سورة المجادلة قوله عز وجل: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:18-19].ومن سورة الفرقان يقول عز وجل: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان:12] الله أكبر! تشهق وفي الحديث: (والذي نفس محمدٍ بيده! إن النار لتشهق على صاحبها كما تشهق البغلة على الشعير) تغيظاً وزفيراً عليه وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ [الفرقان:11-13] نار وضيق، نعوذ بالله من النار والضيق، ومقرنين يقرنون في الأصفاد كما تقرن البقرة في الأضماد في يديها مع رجليها ورقبتها وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:13-14]. خسارة عند الخروج من الدنيا حين يخرج ولا يقول: لا إله إلا الله، والله عيب أن تعيش -يا أخي- ستين أو سبعين سنة وتخرج من الدنيا وليس معك من الدنيا حتى لا إله إلا الله، أين تضعها؟ تسجلها في ورقة من أجل أن يلقنونك إياها عند الموت؟ تضعها في مسجل؟ ليس لك إلا أن تثبت عليها من الآن، تثبت عليها يثبتك الله عليها؛ لأن الله يقول: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27] يعني الآن وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27] يعني في القبر، حينما تسأل في قبرك من ربك؟ ومن دينك؟ وما نبيك؟ فتقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. تثبيت، من يثبت الله؟ الذين آمنوا وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم:27] يضله الله عن لا إله إلا الله ما يقولها؛ حتى أن شخصاً مدخناً قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: أعطوني دخاناً! يريد أن يكيف حتى في القبر، لا يوجد دخان لا يوجد إلا عذاب الآن، قل لا إله إلا الله، قال: والله ما أقولها أنا بريء منها، ثقلت على لسانه وما استطاع أن يقول لا إله إلا الله، مصيبة وخسارة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] وفي القبر يضله الله فلا يقول ربي الله، يقول: هاه.. لا أعلم.وفي القبر ربح لأهل الإيمان، يكون قبرك روضة من رياض الجنة، يُفتح لك باب من عند رأسك إلى الجنة وأرجلك إلى الجنة، وعن يمينك ويسارك إلى الجنة، ويأتيك من روحها وطيبها ونعيمها، ويأتيك عملك على أحسن هيئة ويقول: أبشر بالذي يسرك، قال: من أنت فوجهك الذي يأتي بالخير، قال: أنا عملك الصالح حفظتني فحفظك الله، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.وبعد ذلك يوم القيامة تبعث من قبرك لا خوف عليك؛ لأنك ناجح ورابح، يقول الله عز وجل: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].ويظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وتشرب من حوض النبي شربة لا تظمأ بعدها أبداً، ينقطع الظمأ عند تلك الشربة وتأخذ كتابك بيمينك، ثم توزن فيرجح ميزانك ثم يقال لك: ادخل الجنة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:70-71] هذا فوز عظيم في كل مراحل الحياة في الدنيا، والموت، والقبر، وعرصات القيامة، والجنة دار السعداء -نسأل الله من فضله- التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أما بغير الإيمان وبغير الدين خسارة في الدنيا ولو معك مال فهي خسارة، وخسارة في الدنيا ولو معك منصب وعندك دنيا وكل شيء لكن لا يوجد الدين خسارة، تخسر الأمن، والراحة القلبية، وتعيش في قلق وفي حيرة واضطراب، ثم عند الموت تخرج وقد خسرت لا إله إلا الله، وفي القبر خسر البعيد من ربه وما دينه ومن نبيه، ويوم القيامة يخسر خسارة ما بعدها خسارة، يطرد عن الحوض طرداً، يأتي يريد أن يشرب فتذوده الملائكة بسياط من نار، اذهب لا تشرب من هنا، من زمهرير، من الغسلين، اشرب من الحميم والغساق، لماذا؟ لأنك كنت تشرب من المعاصي في الدنيا، ما كنت تشرب من السنة والقرآن والدين، كان مشربك معكراً خطأ من أوله إلى آخره، هناك وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:36-37].ويوزن فيخف ميزانه؛ لأنه تافه رخيص لا وزن له لا قيمة له، ماذا عند العاصي إلا المعاصي، لكن الطائع عنده وزن وعنده إيمان. وأيضاً يأخذ كتابه بشماله؛ لأنه كان يمشي خطأ، كان يمشي على الشمال، ما كان يمشي مع الله، ما كان يمشي بالاتجاه الصحيح، كان اتجاهه دائماً خطأ في خطأ، ولهذا يأخذ كتابه بشماله ويقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27] ثم بعد ذلك لا يظله الله في ظل عرشه، ويسحب على وجهه في النار -أعوذ بالله من النار- يسحب على وجهه يقول الله: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر:48]. هذا -أيها الإخوة- هو الخسران المبين، فلنراجع حساباتنا مع الله، ولنصحح أوضاعنا، ومن كان مذنباً فليستغفر.
 الإشراك بالله وابتغاء منهج غير الإسلام
وهناك مظهر من مظاهر الخسارة وهو: أن يبتغي الإنسان منهجاً أو ديناً في هذه الدنيا غير الإسلام قال عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].ومن مظاهر الخسران العظيم وأختم به المجلس هو: الشرك بالله؛ خسارة ليس بعدها ربح، كل خسارة في المعاصي تتعوض بالتوبة أو بالمغفرة أو بالتهذيب أو بالتنقية في النار، أما الشرك فلا يغفره الله إلا إذا تاب الإنسان منه قبل الموت؛ وإذا مات مشركاً فإن الله قد حكم على أهله بالخسارة، قال عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] سبحان الله! أوحي إلى الرسول وإلى الذين من قبله من الرسل شريعة عامة من أول الرسل إلى آخرهم محمد، أوحي إليهم فبلغوا ونبهوا وأكد عليهم وكرر عليهم أن الشرك عظيم، وأنه إذا أشرك الرجل ولو كان نبياً لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].
فضائل شهر رمضان
قد أظلنا -أيها الإخوة- شهر الرحمة والغفران، جاءنا شهر رمضان، اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، بعد يوم أو يومين يدخل علينا رمضان، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، شهر تفتح فيه أبواب الجنان فلا يغلق منها باب والحديث في الصحيحين ، وتغلق فيه أبواب النيران فلا يفتح منها باب، وتغل فيه مردة الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. يغفر الله فيه للأولين والآخرين من أهل هذه القبلة، التائبين المنيبين المذنبين الراجعين إلى الله عز وجل، شهر عظيم يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) هذا في البخاري ومسلم. وفي الصحيحين أيضاً: (من قام رمضان -يعني: التراويح والقيام- إيماناً -يعني: تصديقاً- واحتساباً -طلباً للمثوبة عند الله عز وجل- غفر الله له ما تقدم من ذنبه) تخرج من آخر رمضان مغسولاً كيوم ولدتك أمك ما بقي عليك ذنب واحد.في الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له) إذا لم يغفر لك في رمضان متى إذن يغفر لك؟!! الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة إلى ألف حسنة، متى إذن يغفر لك؟ تغل فيه الشياطين ولا يوجد فيه شيطان، لا يوجد إلا شياطين الإنس، ولهذا الذي لا يهتدي في رمضان ليس معه قرين من الجن يضله هو نفسه شيطان؛ لأنه إضلال في غير رمضان عن طريق الوسواس، ولكن في رمضان الوسواس حقك مربوط هناك، ولكنك شيطان البعيد حتى في رمضان، ولذا ترون المؤمنين الذين حبست شياطينهم طيبين، فإذا جاء ليلة العيد فك الله الشياطين فجاء اليوم الثاني فلم يصل في المسجد، ركبه إبليس ورده ينام مع زوجته، فلا يصلي في المسجد، لماذا؟ ركب عليه كما كان يركبه في شعبان، لكن لما انحبس في رمضان جاء يصلي وجاء يقرأ القرآن، بدأ يذكر الله، وبدأ عنده خير، هذا خير لعل الله أن ينفعه به ويتوب عليه إذا واظب والتزم وواصل واستمر في عبادة الله عز وجل بعد رمضان كما كان في رمضان.
 التوسع في تهذيب الأخلاق في رمضان
شيء أختم به المجلس وهي قضية التوسع في الأخلاق في رمضان، رمضان شهر تهذيب الأخلاق، والانتصار على النفس، والتمرد على الشهوات والمباحات، والحلال فضلاً عن الحرام، ولذا جاء في الحديث وهو في الصحيحين قال: (فإن سابه أحد فليقل: إني صائم) أخلاقك هادئة، وأعصابك باردة، ولا أحد يستثيرك أبداً، وإذا أغضبك شخص واستثارك لا تغضب عليه ولا تنفر منه؛ لأنك صائم، وإنما تقول: جزاك الله خيراً، سامحك الله -يا أخي- أنا صائم ولا أستطيع أن أقول شيئاً، لماذا؟ لأنك متمرد على الشهوات، فكيف تقع في هذا، لكن الواقع الآن والذي يحصل أن الناس كلهم غاضبون في رمضان، لا تقرب منه سيذبحك، يا ويلك إن دخلت على مدير إدارة أو موظف تراجع بعد الظهر، حتى الفراش يقول: لا تدخل عليه الآن؛ لأنه صائم ورمضان كريم، فيضع عمامته على فمه، وإذا أتيت تنظر إليه وتسلم عليه ما يرد السلام، لماذا؟ قال: رمضان كريم، اذهب عنا، رمضان كريم يعني تضارب الناس، من أجل أن بطنك خاوية، يعني: الذي يتحكم في أخلاقك ومشاعرك بطنك، إذا كانت بطنك ممتلئة أنت مبسوط، وإذا بطنك ليس فيها شيء فأعوذ بالله. رمضان كريم يعني أخلاقك كريمة، مراجع غضبان من مراجعته، ودخل عليك وأنت جالس في المكتب وقال: أنت مقصر وأنا كل يوم آتي ما ألقاك والله أشتكيك، وأنت صائم ماذا تقول له؟ تقول له: جزاك الله خيراً، صدقت أنا مقصر، وأنا فعلاً عندي ظروف، وأنا صائم الآن لا أستطيع أن أرد عليك، أين معاملتك يا أخي؟ معاملتي عندك يا شيخ! أنت الذي أخرتها، أنجزها الآن أين هي؟ وأذهب لمتابعتها حتى أنجزها له، لماذا؟ لأني صائم ما أنتقم منه، لكن عندما أكون شكلاً آخر أين معاملتك؟ عندي. طيب تعال غداً وذهب يبحث لها ومزقها، وذهب لصاحب الوارد قال المعاملة رقم كذا أتتني كذا استلمتها أنا، قال: نعم استلمتها توقيعك عليها، قال: لا ليس توقيعي هذا، هذا مقلد عليه، ما رأيتها وهو قد مزقها، فإذا جاء المراجع من غده قال له: المعاملة عندك. قال: ليست عندي. قال: موقع عليها، قال: ذهبت أمس أبحث عنها أو انظر توقيعي فإذا هو ليس بتوقيعي، شخص ضيعها وزور التوقيع، لماذا؟ وهو يقول: إنه صائم هذا الكذاب، يمزق معاملات المسلمين ويعمل غشاً على الناس ويكذب على الله، لماذا؟ لأنه ما عرف الصيام حقيقة.فنريد -أيها الإخوة- أن نفهم من الصيام أنه تهذيب للأخلاق ورفعة للنفس وإعطاء وبذل، وفي الحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلهو أجود بالخير من الريح المرسلة).هذه -أيها الإخوة- بعض المعاني عن رمضان الكريم.
نصيحة للمدخنين في استغلال شهر رمضان بترك التدخين
نصيحة لإخواننا الصالحين الذين نحبهم في الله، والذين هم مبتلون بالدخان أو الشيشة إلا أن معهم الآن فرصة للتوبة إلى الله منها في رمضان، فكما استطاع أن يمسك عنها من السحور إلى الإفطار كم ساعة؟ أربعة عشر ساعة، ونفسه ماشية مثل الحمار لا تقول كلمة، لماذا؟ لأنه قهرها، هل يستطيع في الظهر أن يأخذ له سيجارة؟ لا يستطيع ولو نفسه توسوس لا يستطيع يوسوس لماذا؟ لأنه منتصر عليها، لكن إذا أفطر أتت إليه وقالت: هيا أفطرت، لا قل: الذي حرمها وأنا صائم يحرمها وأنا مفطر، إلى متى، والله ما أشربها، واليوم الثالث أو الرابع يأتيك صداع وزكام خذ لك حبة نعناع في جيبك، ومسواك وادع الله، وسلمت من عذاب الله ووفرت صحتك ووفرت مالك وأرضيت ربك، وكنت قدوة صالحة لأولادك، وكنت قدوة صالحة لمجتمعك، وصرت رجلاً ربانياً طيباً، أما دخان تدخن على من؟ تحرق ريالك وتغضب ربك، وتخرب جوفك، وتقوي مصانع الأعداء؛ لأن أكثر مصانعهم دخان؛ لأنهم خبثاء ما عندهم إلا خبث -والعياذ بالله- وتكون قدوة سيئة لأولادك ودينك كل هذا خسارة عليك سواء شيشة أو دخاناً؛ لأن بعضهم يقول: أبشرك تركت الدخان لكن وقعت في الشيشة، هذه ألعن من تلك -والعياذ بالله- وكلها خبيثة والله حرم الخبائث وقال: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].- وفي الختام -أيها الإخوة- هذا كتاب جاءنا من فضيلة الشيخ شيخنا وحبيبنا الشيخ/ سعيد بن عبد الله الدعجاني حفظه الله، ومتعنا بحياته، وبارك في عمره، وهو مشرف الآن على مشاريع خيرية في هذا البلد، ومن ضمنها المشروع الخيري لإعانة الشباب المتزوجين، وهذا المشروع -أيها الإخوة- سبق أن تكلمت معكم فيه وقلت: إنه من أهم المشاريع الخيرية التي ينبغي أن نساهم فيها، وأن يكون لنا دور في دعمه، وأن يكون لنا ولو لبنة واحدة في بناء أسرة مسلمة؛ لأن الشاب الذي يريد أن يعف نفسه ويكمل دينه وليس له مال، ثم يأتي الصندوق فيمده بقرض، أو يعطيه إعانة ولك منها عشرة ريالات، أو خمسة، أو خمسون، هذه لبنة في بناء أسرة إسلامية قامت على دين الله لك ثوابها إلى يوم القيامة، فنرجو منكم المساهمة وهناك صناديق ستكون عند الأبواب للمجاهدين الأفغان ولهذا المشروع.وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
 التوسع في تهذيب الأخلاق في رمضان
شيء أختم به المجلس وهي قضية التوسع في الأخلاق في رمضان، رمضان شهر تهذيب الأخلاق، والانتصار على النفس، والتمرد على الشهوات والمباحات، والحلال فضلاً عن الحرام، ولذا جاء في الحديث وهو في الصحيحين قال: (فإن سابه أحد فليقل: إني صائم) أخلاقك هادئة، وأعصابك باردة، ولا أحد يستثيرك أبداً، وإذا أغضبك شخص واستثارك لا تغضب عليه ولا تنفر منه؛ لأنك صائم، وإنما تقول: جزاك الله خيراً، سامحك الله -يا أخي- أنا صائم ولا أستطيع أن أقول شيئاً، لماذا؟ لأنك متمرد على الشهوات، فكيف تقع في هذا، لكن الواقع الآن والذي يحصل أن الناس كلهم غاضبون في رمضان، لا تقرب منه سيذبحك، يا ويلك إن دخلت على مدير إدارة أو موظف تراجع بعد الظهر، حتى الفراش يقول: لا تدخل عليه الآن؛ لأنه صائم ورمضان كريم، فيضع عمامته على فمه، وإذا أتيت تنظر إليه وتسلم عليه ما يرد السلام، لماذا؟ قال: رمضان كريم، اذهب عنا، رمضان كريم يعني تضارب الناس، من أجل أن بطنك خاوية، يعني: الذي يتحكم في أخلاقك ومشاعرك بطنك، إذا كانت بطنك ممتلئة أنت مبسوط، وإذا بطنك ليس فيها شيء فأعوذ بالله. رمضان كريم يعني أخلاقك كريمة، مراجع غضبان من مراجعته، ودخل عليك وأنت جالس في المكتب وقال: أنت مقصر وأنا كل يوم آتي ما ألقاك والله أشتكيك، وأنت صائم ماذا تقول له؟ تقول له: جزاك الله خيراً، صدقت أنا مقصر، وأنا فعلاً عندي ظروف، وأنا صائم الآن لا أستطيع أن أرد عليك، أين معاملتك يا أخي؟ معاملتي عندك يا شيخ! أنت الذي أخرتها، أنجزها الآن أين هي؟ وأذهب لمتابعتها حتى أنجزها له، لماذا؟ لأني صائم ما أنتقم منه، لكن عندما أكون شكلاً آخر أين معاملتك؟ عندي. طيب تعال غداً وذهب يبحث لها ومزقها، وذهب لصاحب الوارد قال المعاملة رقم كذا أتتني كذا استلمتها أنا، قال: نعم استلمتها توقيعك عليها، قال: لا ليس توقيعي هذا، هذا مقلد عليه، ما رأيتها وهو قد مزقها، فإذا جاء المراجع من غده قال له: المعاملة عندك. قال: ليست عندي. قال: موقع عليها، قال: ذهبت أمس أبحث عنها أو انظر توقيعي فإذا هو ليس بتوقيعي، شخص ضيعها وزور التوقيع، لماذا؟ وهو يقول: إنه صائم هذا الكذاب، يمزق معاملات المسلمين ويعمل غشاً على الناس ويكذب على الله، لماذا؟ لأنه ما عرف الصيام حقيقة.فنريد -أيها الإخوة- أن نفهم من الصيام أنه تهذيب للأخلاق ورفعة للنفس وإعطاء وبذل، وفي الحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلهو أجود بالخير من الريح المرسلة).هذه -أيها الإخوة- بعض المعاني عن رمضان الكريم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخسران المبين للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net