اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [29] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [29] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
جاءت الشريعة برفع الضرر عن الناس ومنع الإضرار بهم، وقد قعد الفقهاء لذلك قواعد شرعية عظيمة، ومن رفع الضرر عن الناس أنه لا يعطى الحق لمدعيه دون بينة، بل الأصل براءة ساحة المدعى عليه حتى يثبت عليه الحق، ولذا قبلت الشريعة منه يمينه دفعاً للتهمة الموجهة إليه إن لم يثبت الحق عليه.
شرح حديث (لا ضرر ولا ضرار)
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) ].هذا الحديث حديث عظيم مشتمل على كلمات فيها نفي الضرر والضرار، وهو من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشتمل على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي رفع الضرر والضرار، وهو خبر بمعنى النهي، أي: النهي عن الضرر والضرار.
  الأمر برفع الضرر
الحديث مشتمل على قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر قد يأتي بمعنى الخبر، كما أنَّ الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن الأول ما جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فإن مما قيل في قوله: (فاصنع) أنه أمر بمعنى الخبر، ومعنى ذلك أن الإنسان الذي لا يستحي فإنه يصنع ما يشاء، فهو أمر بمعنى الخبر، وليس المقصود بالأمر ظاهره. وهنا خبر بمعنى الأمر، ومعناه النهي عن الضرر والضرار، ومثله قول الله عز وجل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ [البقرة:197] فهو خبر بمعنى النهي عن الرفث والفسوق والجدال، يعني: فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل. وهنا قوله: (لا ضرر ولا إضرار) يعني: لا يحصل منه ضرر ولا يحصل منه إضرار. فهو نهي عن الضرر ونهي عن الضرار.والحديث يدل على رفع الضرر والضرار، وعلى أن الواجب على المسلم ألا يحصل منه ضرر ولا ضرار لغيره، بل يحرص على ألا يحصل الضرر منه لا بقصد ولا بغير قصد.
شرح حديث ابن عباس في البينة على المدعي واليمين على المنكر
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ].ذكر الإمام النووي أن هذا الحديث رواه البيهقي بهذا اللفظ، أي بلفظ: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، قال النووي : وبعضه في الصحيحين، فقد جاء في الصحيحين: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن اليمين على المدعى عليه) هكذا عند البخاري وعند مسلم ، فأكثره في الصحيحين، وإنما الذي ليس في الصحيحين جملة (البينة على المدعي).وجاء في الصحيحين -أيضاً- ذكر البينة على المدعي، وذلك في حديث الأشعث بن قيس رضي الله عنه: أنَّه وقع خلاف أو خصومة بينه وبين ابن عم له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بينتك أو يمينه) يعني: عليك البينة، فإن أتيت بها وإلا فلك يمينه.فقوله: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) هذا هو لفظ البيهقي ، وقد جاء عنده بعدة ألفاظ منها هذا اللفظ.وقول النووي : [ وبعضه في الصحيحين ] لعله يشير إلى الحديث الذي فيه: (اليمين على المدعى عليه) فرواية الصحيحين (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن اليمين على المدعى عليه) معناها: أن أكثر الحديث في الصحيحين، لكن ليس فيه هذه الجملة، وهي (البينة على المدعي). لكنها -كما قلت- موجودة في الصحيحين من حديث الأشعث بن قيس ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينتك أو يمينه)، وفي بعض الألفاظ: (شاهداك أو يمين)، لكن لفظ البينة أعم من الشاهدين؛ لأنها تشمل كل ما يبين الحق من شهود وقرائن وغير ذلك.
 طلب البينة في الأمور الدينية
كما أن البينة تكون مطلوبة في أمور الدنيا فإنها مطلوبة في أمور الدين، وذلك أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام لا تقبل دعواه دون أن يقيم البينة، والبينة هي اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن ادعى محبة الله ورسوله فالبينة التي تدل على صدقه أن يكون متابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يكون سائراً على نهج الرسول عليه الصلاة والسلام، هذه هي البينة، ليس كل من يدعي أنه محب للرسول صلى الله عليه وسلم يكون صادقاً في ذلك؛ لأن من الناس من يدعي محبته صلى الله عليه وسلم، وعلامتها عنده ارتكاب أمور مبتدعة، أو أمور محرمة غير سائغة مستنده فيها دعواه أنه يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه يأتي بالبدع، فيأتي -مثلاً- يتمسح بالجدران التي عند قبره، ويقول: أنا أحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يعصي الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهذه ليست علامة المحبة. يحتفل بميلاده صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا أحبه. وهذه ليست علامة المحبة، فالمحبة هي الاتباع، قال الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] وهذه الآية يسميها بعض العلماء: آية الامتحان والاختبار، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة، والبينة هي الاتباع قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] فالبينة والعلامة على محبته للرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون متبعاً له، سائراً على نهجه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وعلى هذا فإن الدعاوى بدون بينات لا عبرة بها ولا قيمة لها، وإنما المعول عليه في الدعاوى هو البينات التي يأتي بها المدعي، فإذا أتى المدعي بالبينة على دعواه فعند ذلك تكون الدعوى صحيحة ويكون صادقاً فيما يقول، وأما إذا كانت الدعوى مجرد كلام ولم يأت بالبينة فيما يتعلق بأمور الدنيا -وهي الشهود وغير ذلك مما يثبت به الحق- وكذلك -أيضاً- في أمور الدين، حيث يدعي محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مخالف لمنهجهه وطريقته وسنته صلى الله عليه وسلم فإن هذه مجرد دعوى ولا عبرة بها، وإنما تكون الدعوى معتبرة إذا أقيمت البينة على ذلك، والبينة على ذلك هي اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]. فقوله: فَاتَّبِعُونِي هذا هو الدليل على صدق المحبة، فإذا وجد الاتباع فإن الدعوى قد أقيمت عليها البينة، وإن وجدت الدعوى ولكن وجد ما يخالفها ووجدت معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن هذا ينافي المحبة، ولا يكون الإنسان صادقاً في دعواه بأنه يحب الرسول صلوات وسلامه وبركاته عليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة

 مراد الشاطبي بعدم تعيين من ابتدع في الدين دون البدع العظيمة
السؤال: نرجو بيان معنى كلام الشاطبي رحمه الله في الموافقات حيث قال: ينبغي عدم تعيين من ابتدع في الدين، دون البدع العظيمة كالخوارج، وذلك حفظاً للوحدة والألفة والمودة بين عموم المسلمين. انتهى؟ الجواب: هذا الكلام يتعلق بالعالم إذا أخطأ وكان فيه شيء من البدعة، فإنه لا يعامل معاملة أصحاب البدع الذين هم مجانبون لأهل السنة والجماعة ومخالفون لأهل السنة والجماعة. يعني: أن من حصل منه شيء من ذلك فإنه يعذر، فلا يبدع ولا يهجر ولا يترك ما عنده من الحق بسبب ما حصل منه من الخطأ. وكم من علماء المسلمين من لا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم، ومع ذلك وقعوا في شيء من البدعة، فلو أنهم عوملوا معاملة أهل البدع؛ لم يعول على شيء مما جاءوا به وعلى ما عندهم من العلم. ومن المعلوم أن من العلماء من هو من أهل الحديث وعنده أمور منكرة فيما يتعلق بالعقيدة، كأن يكون عنده تخليط، وقد يكون ابتلي ببعض مشايخه، وغالباً ما يكون الضرر والبلاء على التلاميذ من الشيوخ إذا كانوا منحرفين.فمن كان من أهل العلم بالسنة وحصل منه شيء من الخطأ في العقيدة أو غير العقيدة لا يعامل معاملة أهل البدع كالقدرية والمعتزلة، والرافضة والخوارج، وإنما يؤخذ من علمه ويدعى له، ولا يتابع على خطئه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [29] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net