اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [13] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [13] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
لقد أحل الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، فتبين الحلال من الحرام، وثم أمور تشتبه على الناس ما بين الحل والحرمة، فأرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى اجتنابها؛ لأن التساهل فيها يؤدي إلى الوقوع في المحظور دون أن يشعر العبد، ولذا كان السلف رضوان الله عليهم يتركون بعض المباحات -فضلاً عن المشتبهات- تورعاً منهم وبُعداً عن الحرام وحذراً منه.
شرح حديث: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن)
الحديث السادس من الأربعين النووية للإمام النووي رحمه الله: عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).هذا حديث عظيم من جملة الأحاديث التي ذكر العلماء أن مدار الإسلام عليها؛ وذلك لما اشتمل عليه الحديث من بيان الحلال والحرام، وما يشتبه بالحلال وبالحرام، وما يكون فيه الاحتياط والسلامة، ثم بيان عظيم لشأن القلب، وأنه ملك الأعضاء، فبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.والحديث رواه النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ..، وقال فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات أنه كان خطب به النعمان على المنبر، قيل: بالكوفة، وقيل: بحمص، وكان أميراً عليهما، فيمكن أن يكون ذلك حصل هنا أو هنا، وكان قد أكد سماعه أنه أهوى بيديه إلى أذنيه -يعني: مؤكداً السماع- مع قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون جمع بين التأكيد للسماع بالقول وبالإشارة الدالة على ذلك الفعل، الذي هو سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.و النعمان بن بشير من صغار الصحابة، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره ثمان سنوات، وفي هذا دليل على أن الصبي المميز يصح تحمله في صغره، ويؤدي في حال كبره، وهذا معتبر عند العلماء، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سمعها النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، وكذلك غيره من صغار الصحابة الذين سمعوا من النبي عليه الصلاة والسلام في حال صغرهم وأدّوا في حال كبرهم، ومثل ذلك الكافر الذي تحمل في حال كفره وأدى في حال إسلامه، فإن تأديته في حال الإسلام معتبرة لما تحمله في حال كفره؛ لأنه في حال الكفر غير مأمون، فإذا أدى حال كفره فلا يعتد بكلامه، ولكن إذا أدى بعد إسلامه فإنه مؤتمن على ما يأتي به؛ لأنه مسلم يخبر عن شيء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
 أهمية القلب في سائر أعضاء الجسم
ثم بين عليه الصلاة والسلام بعد ذلك عظم شأن القلب، وأنه بمثابة الملك للأعضاء، وأنها تابعة له، وأنه بصلاحه تصلح الأعضاء، وبفساده تفسد الأعضاء.فقال عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، وقد ذكر هذه الجملة بعدما تقدم من ذكر وجوب ترك المحرمات وترك الأمور المشتبهة؛ لئلا يصل الإنسان إلى الأمر المحرم، وهذا فيه إشارة إلى أن سلامة المكاسب الطيبة والحرص على أن تكون بعيدة من المحرمات ومن الأمور المشتبهات -كل ذلك- له دخل في صلاح القلب وفساده؛ لأن استعمال الحرام والوقوع فيه مما يؤدي إلى فساد القلب، وكسب الحلال والابتعاد عن الحرام هو الذي يكون به صلاح القلب؛ لأن القلب يصلح باستقامة صاحبه على طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يفعل المأمورات ويجتنب المنهيات، وهذه هي تقوى الله عز وجل؛ لأن تقوى الله: أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله وعذابه وقاية تقيه منه، وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات، وهذه هي مناسبة ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم للقلب بعد ذكر الحلال والحرام.فإن ترك المحرم والمشتبه يعتبر من أسباب صلاح القلب، والعكس بالعكس، فإن الوقوع في الحرام والمشتبهات وترك المأمورات من أسباب فساد القلب، فعلى الإنسان أن يجعل بينه وبين الحرام مسافة بأن يترك الشيء الذي لا بأس به حذراً مما به بأس، ولهذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بذكر القلب بعد هذه الأمور، وهذا هو وجه ذكره بعدها.ثم فيه بيان عظم شأن القلب وأنه ملك الأعضاء، وأنها بصلاحه تصلح وبفساده تفسد، وقد مهد لذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في بيان عظم شأن القلب بهذا التمهيد، لأن الإنسان إذا سمع هذا التمهيد وهذا التقديم -(ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله)- فإنه يتطلع ويحرص على معرفة هذه المضغة.ثم ما هي هذه المضغة؟قال: (ألا وهي القلب) فبعد أن بين عظم شأنها وعظم فائدتها في حال صلاحها، وشدة خطورتها في حال فسادها، بعد ذلك جاء البيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها القلب، وأتى في ذلك بأداة التنبيه التي هي: (ألا) لأن (ألا) في حد ذاتها أداة تنبيه (ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة .. ألا وهي القلب) فهذه أداة تنبيه تجعل الإنسان يتنبه ويعرف أهمية ما بعدها؛ لأن ذلك مما ينبغي الالتفات إليه والاهتمام والعناية به.وبهذا يتبين لنا أن حديث النعمان بن بشير حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد اشتمل على هذا الإيضاح وهذا البيان وهذا الحصر للأشياء إلى ما هو حلال بين، وإلى ما هو حرام بين، وإلى ما هو مشتبه، ثم بيان الذي على الإنسان أن يسلكه لسبيل المشتبه، وأنه إذا تركه فقد أخذ بأسباب السلامة لدينه وعرضه، وإذا لم يفعل ذلك فإنه قد عرّض عرضه للقدح، وعرض دينه للنقص، وأدى به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم، ثم هذا البيان والإيضاح من رسول الله صلى الله عليه وسلم لضرب هذا المثل العظيم الذي قرب فيه الأمر المعنوي بتشبيهه بهذا الأمر الحسي، وهو من كمال بيانه ونصحه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. والله تعالى أعلم.
الأسئلة

 حكم مقاطعة المنتجات الأجنبية
السؤال: ما حكم مقاطعة المنتجات الأجنبية؟ وهل للمقاطعة أصل؟ الجواب: هذا يرجع إلى الدولة، وهي التي تقاطع، وإذا قوطعت هي فهل تتحقق المقاطعة؟ أما كون الشيء موجود في البلد فالإنسان يأخذ ما يشاء ويتصرف فيما يشاء، ولا يمنعه من ذلك مانع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [13] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net