اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [5] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [5] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
من أركان الإيمان وأصوله: الإيمان باليوم الآخر، وهو شامل لكل غيب بعد الموت، فيدخل فيه الإيمان بالبرزخ، والإيمان بأحداث البعث والنشور، والإيمان بالعرض على الله تعالى، والإيمان بالحساب، والإيمان بالميزان، وبالصحف، وبالجزاء بالجنة أو النار. ومن أركان الإيمان: الإيمان بالقدر، وهو أن يسلم العبد ويوقن بأن كل شيء خلقه الله تعالى بقدر.
الإيمان باليوم الآخر

  فصل الله بين البشر في يوم المحشر
ثم يأتي الله لفصل القضاء، ثم يكون الحساب، ويكون الميزان فتوزن الأعمال، ثم يذهبون إلى الجنة والنار، والنار تكون قبل الجنة، فالوصول إلى الجنة لا يكون إلا عن طريق النار؛ لأن الجسر منصوب على متن جهنم، والذي يذهب إلى الجنة يمر بهذا الجسر الذي فوق النار، ومن شاء الله عز وجل أن يقع في النار وقع وخطفته الكلاليب التي على جوانبها، ومن وفقه الله عز وجل تجاوز ذلك، والناس يمرون على الصراط على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يزحف زحفاً، ودعوى الرسل يومئذٍ: (اللهم! سلم سلم) وهذه الشفاعة فيها دليل على أن من استحق النار يشفع له بأن لا يدخلها، فقولهم: (اللهم! سلم سلم) معناها أن يستحق النار يدعى له أن يسلم منها، فهي شفاعة لمن استحق النار أن يسلم منها، وهذه من أنواع الشفاعة.ويقول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم:71] والورود هو المرور على الصراط؛ لأن من مر على الصراط يكون قد ورد النار؛ لأنه مر في سمائها، لكن ذلك يكون بتفاوت السرعة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي ذكرناه سابقاً.فيقع في النار من يقع، ومن يتجاوز النار فإنه يكون من أهل الجنة، والذين يتجاوزونها يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص من بعضهم لبعض، وهذا الاقتصاص لا يترتب عليه عذاب؛ لأنهم قد تجاوزا النار، وإنما يترتب عليه التفاوت في الدرجات في الجنة، فيؤخذ من هذا لهذا، ومن هذا لهذا، ثم يكون الناس في الجنة على الدرجات التي انتهوا إليها وليس عليهم حقوق للآخرين، فالإيمان باليوم الآخر يدخل تحته كل ما يكون بعد الموت، وما يكون في الموقف، وما يكون في الحساب، وما يكون عند الميزان من وزن الأعمال وتطاير الصحف باليمين والشمال، وكذلك الحوض الذي يكون في عرصات القيامة، فمن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ثم بعد ذلك الذهاب إلى الجنة، والوصول إلى الجنة إنما هو عن طريق النار، فيقع في النار من يقع، ويسلم منها من يسلم، ثم يكون الناس في الجنة أو في النار، ومن دخل الجنة فإنه يبقى فيها أبد الآباد وليس بمخرج منها، كما قال الله عز وجل: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:47-48] فقال تعالى: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ، ولم يقل: (خارجين) لأنهم لا يفكرون في الخروج، وإنما الذي يخشى منه أن يُخرجوا، فجاء التعبير وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ، وأما أهل النار فقد قال الله تعالى عنهم: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [المائدة:37]؛ لأنهم يبغون الخروج، ولكن لا يكون لهم ذلك، وهذا في الكفار، وأما من كان من أهل الإيمان ودخل النار فإنه يعذب فيها على مقدار معصيته، ولكنه لا بد من أن يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (الوابل الطيب): الدور ثلاث: داران باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان: دار الطيب المحض، وهي الجنة، ودار الخبث المحض، وهي النار التي فيها الكفار، ودار جمعت بين خبث وطيب، وهي النار التي فيها العصاة وأصحاب الكبائر، فإن هذه يخرج منها من كان فيها ويذهب إلى الجنة، وتبقى ليس فيها أحد من العصاة، وعلى هذا فتكون الجنة باقية إلى غير نهاية، والنار التي فيها الكفار باقية إلى غير نهاية.والحاصل أن الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه كل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أخبار عن هذه الأمور المغيبة، من حين الموت إلى دخول الجنة والنار والبقاء فيهما إلى غير نهاية، فهذا هو الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة.
الإيمان بالقدر
إن الله عز وجل قدر مقادير الخلائق، فالناس يشتغلون في أمر مقدر، وليس عملهم في شيء لم يسبق له تقدير، بل إن كل شيء قد سبق به القضاء والقدر، قال الله عز وجل: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، وقال: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22]، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) أي: حتى نشاط النشيط وخمول الخامل، وكسل الكسول، فكل شيء مقدر حتى العجز والكيس، وقال الله عز وجل: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]، وقال عليه الصلاة والسلام في وصيته لـابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وهذا الحديث من أحاديث (الأربعين النووية)، وهو الحديث التاسع عشر، وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس ، فقد سبق القدر بكل ما هو كائن، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن العمل فأخبرهم أن كل شيء بقدر قالوا: (ألا نتكل على كتابنا وندع العمل؟!) أي: ما دام أنه قد سبق القضاء والقدر، وأن كل سيصير إلى ما قدر له: ألا نتكل على كتابنا؟! فقال صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.وقد بيّن الله تعالى طريق الخير من الشر، وأعطى الناس عقولاً يميزون بها بين ما ينفع وما يضر، وأنهم إن سلكوا الطريق الذي فيه السلامة سلموا، وإن سلكوا الطريق الذي فيه الشقاوة فإنهم يشقون، وتكون تلك الشقاوة قد حصلت بمشيئتهم وإرادتهم التابعة لمشيئة الله وإرادته.
  مراتب القدر الأربع
وكل أمر مقدر لا بد فيه من أمور أربعة: الأول: الإيمان بعلم الله الأزلي الذي لا بداية له، فالله تعالى ليس له بداية، وليس لعلمه بداية، والله تعالى علم كل ما هو كائن، علم الله تعالى ذلك في الأزل قبل أن يخلق اللوح المحفوظ.الأمر الثاني: الكتابة في اللوح المحفوظ، فقد خلق الله تعالى اللوح المحفوظ، وخلق القلم فأمره بكتابة كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وقد جرى القلم بكتابة ما هو كائن، وذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، يقول الله عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22]، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51].الأمر الثالث: الإرادة والمشيئة، وهو أن الله عز وجل أراد أن يوجد هذا الذي علمه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالشيء الذي شاءه الله لا بد من أن يوجد، والشيء الذي لم يشأه الله لا يمكن أن يوجد، ولهذا فعقيدة المسلمين في القدر مبنية على هاتين الكلمتين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولهذا يقول الشاعر:ما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكنفما شئتَ -يا الله!- كان وإن لم أشأ، وما شئتُ أنا إن لم تشأ لم يكن، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومشيئة الله عز وجل نافذة.الأمر الرابع: الخلق والإيجاد طبقاً لما علمه أزلاً، وطبقاً لما كتبه في اللوح المحفوظ ولما شاء الله عز وجل، والله تعالى هو خالق العباد، وخالق أفعال العباد، قال الله عز وجل وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]إذاً: فلا بد في الإيمان بالقدر أن يؤمن الإنسان بهذه المراتب الأربع، وكل أمر مقدر يكون في هذه الأمور الأربعة، مثاله: وجودنا في مكان معين مجتمعين، فالهيئة التي نكون عليها والكيفية قد سبق بها علم الله عز وجل أزلاً، فقد سبق علمه تعالى بأننا سنجتمع في ذلك الوقت وفي هذا المكان، وكتب الله ذلك في اللوح المحفوظ، وشاء الله أن نجتمع، ثم حصل اجتماعنا وأوجد الله ذلك الذي علمه وكتبه وشاءه، فتجتمع هذه الأمور الأربعة في كل مقدر.
الأسئلة

 إشكال وجواب
السؤال: إذا كان نفس الجسد هو الذي يبعث ويعذب فما معنى أن ضرس الكافر مثل أحد؟الجواب: ليس هناك تنافٍ؛ لأن الجسم يكبر، فيكون جسم الكافر في النار صخماً، كما أن الذين يدخلون الجنة يدخلونها على طول أبيهم آدم ستين ذراعاً كما جاء بذلك الحديث، فلا يدخلون وهم على حجمهم في الدنيا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [5] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net