اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقيدة الولاء والبراء [4] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


عقيدة الولاء والبراء [4] - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
الولاء والبراء أحد قلاع التوحيد، وأحد أركان الإسلام التي يجب على كل مسلم أن يفهمها ويطبقها في عقيدته ومعاملاته مع من حوله، وقد ضرب السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم أروع المواقف البطولية في الولاء للإسلام وأهله، والبراءة من الكفر وأهله.
حكم إقامة المسلم في بلاد الكفار
حكم الإقامة في بلاد الكفار فيها تفصيل؛ فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: أن يقيم عندهم، ويرضى ما هم عليه من الكفر، ويعاونهم على المسلمين، فهذا كافر، قال صلى الله عليه وسلم: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)، وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: من نشأ في بلاد الأعاجم فصنع نوروزهم -يعني: اشترك في احتفالاتهم ومهرجانهم- وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة.قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهذا يقتضي أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور.فمن رضي بما هم عليه من الكفر، وانشغل بمدحهم وعيب المسلمين، وعاونهم على المسلمين فهذا كافر مرتد بهذا الفعل وهذه الموالاة.القسم الثاني: أن يكون همه لأجل مصلحة دنيوية من مال أو ولد أو بلاد وهو لا يظهر دينه مع قدرته على الهجرة، ولا يعينهم على المسلمين بنفس ولا مال ولا لسان، ولا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، فهذا لا يكفره العلماء لمجرد جلوسه ومكثه بين أظهرهم، ولكن يقولون: إن هذا قد عصى الله ورسوله بترك الهجرة، وإن كان مع ذلك يبغضهم في الباطن؛ لقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: (ظالمي أنفسهم) أي: بترك الهجرة، ثم قال: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع وبنص هذه الآية. وتجد العلماء لهم كلام شديد جداً يصل إلى التكفير في حق من يتجنس بجنسية هذه البلاد، وبعض الناس لغفلتهم عن الولاء والبراء، وعن العمل بلوازم لا إله إلا الله يأخذ جنسية بعض هذه البلاد الكافرة، ويعتبره مكسباً، وهو يدفع لقاء ذلك ثمناً من دينه، والإنسان إذا تجنس بهذه الجنسيات إذا لم يجند هو في جيوش هذه البلاد فأولاده سيصبحون من هذه البلاد، ويدخلون جيوشهم، ولابد أن يشتركوا معهم في حربهم إذا حاربوا المسلمين، ويصبحون يعاملون كأي مواطن من تلك البلاد، له حقوق وعليه واجبات تجاه هذه الدولة الكافرة، فلا ينبغي التساهل في أمر أخذ الجنسيات؛ لأن العلماء لهم كلام شديد يصل إلى تكفير من يتجنس بجنسيات هذه البلاد الكافرة.روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين، يعني: أن بعض المسلمين ممن كانوا قادرين على الهجرة من مكة إلى المدينة بقوا في مكة وهم قادرون على الهجرة، فكان المشركون يظنون أنهم مثلهم من الكفار، فحينما خرجوا لمقاتلة المسلمين كانوا يخرجونهم معهم؛ لأنهم في الظاهر مع المشركين! يقول ابن عباس : إن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97] بأنهم لم يهاجروا.وقد سد الله سبحانه وتعالى باب الأعذار الواهية، فأي إنسان يعتذر عن الهجرة لا يخرج عذره عن هذه الثمانية المذكورة في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]. فإذا كانت مكة هي أشرف بقاع الأرض، وأوجب الله عز وجل الهجرة منها، ولم يجعل محبتها عذراً في عدم مغادرتها حينما كانت الهجرة واجبة فكيف بغيرها من البلدان؟! القسم الثالث: ممن يكون في بلاد المشركين فهو من لا حرج عليه في الإقامة بين أظهرهم، وهم نوعان:النوع الأول: أن يكون مظهراً دينه، فيتبرأ منهم وما هم عليه، ويصرح لهم ببراءته منهم لأنهم ليسوا على حق، بل إنهم على باطل، وهذا هو إظهار الدين الذي لا تجب معه الهجرة كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:1-6]، فأمره أن يخاطبهم بأنهم كافرون، وأنه لا يعبد معبوداتهم، وأنهم على الشرك وليسوا على التوحيد، وأنه قد رضي بدينه الذي هو عليه، وبرأ من دينهم الذي هم عليه كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يونس:104-105].فمن قال مثل ذلك للمشركين لم تجب عليه الهجرة، وليس المراد بإظهار الدين أن يترك الإنسان يصلي ولا يقال له: اعبد الأوثان، إظهار الدين الذي يذكر العلماء أنه شرط في جواز الإقامة بين المشركين ليس مجرد أن يلتزم شعائر الإسلام من إقامة الصلاة مثلاً أو أنهم لا يجبرونه على عبادة الأوثان، فإن اليهود والنصارى لا ينهون من صلى في بلدانهم، ولا يكرهون الناس على أن يعبدوا الأوثان، بل المقصود بإظهار الدين هو التصريح للكفار بالعداوة، وإذا لم يحصل التصريح للمشركين بالبراءة منهم ومن دينهم لم يكن إظهار الدين حاصلاً.وإظهار الدين بهذا المعنى يرخص في عدم الهجرة من تلك البلاد.وهنا نذكر حادثة بئر معونة الحادثة المشهورة، فإنه لما قدم عامر بن مالك المشهور بملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الإسلام، ولكنه لم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد! لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال صلى الله عليه وسلم: (أخشى عليهم أهل هذه البلاد) فقال له: أنا لهم جار، وتعهد أنه سوف يحميهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين رضي الله عنهم، وكان ذلك في شهر صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة، فلما نزلوها بعثوا أحدهم -وهو حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب، بل عدا عليه وقتله، فلما طعن حرام بن ملحان بالرمح صاح وقال: فزت ورب الكعبة! ثم استنفر عامر بن الطفيل بني عامر يستعديهم على بقية الدعاة السبعين من الصحابة الذين خرجوا لدعوة هؤلاء في دار الكفر في بلادهم، فأبوا أن يجيبوه وقالوا: لن نخفر عهد عامر بن مالك ، فاستدعى عليهم قبائل من سليم من عصية ورعل وذكوان، فأجابوه وانطلقوا فأحاطوا بالقوم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم فقتل المسلمين عن آخرهم، وكان من الدعاة رجلان بعيداً عنهم لم يشهدا هذه الوقعة الغادرة، أحدهما عمرو بن أمية الضمري ، ولم يعرفا النبأ إلا فيما بعد، فأقبلا يقاتلان عن إخوانهما فقتل زميله معهم، وأفلت هو فرجع إلى المدينة. فمكث الرسول عليه الصلاة والسلام شهراً كاملاً يقنت ويدعو على قبائل سليم: رعل وذكوان وعصية.وفي هذا الحادث يقول الدكتور البوطي في كتابه فقه السيرة: لا يجوز للمسلم المقام في دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه، ويسن له ذلك إن أمكنه إظهار دينه، والذي يدل عليه هذا المشهد من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان مقام المسلم في دار الكفر ابتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك، فذلك من أنواع الجهاد التي تتعلق مسئوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذي إن قام به البعض قياماً تاماً سقطت المسئولية عن الباقين وإلا اشتركوا كلهم في الإثم، وهذا الكلام أشار إليه صاحب مغني المحتاج في فقه الشافعي .فالقسم الذي لا حرج عليه في الإقامة بين أظهر المشركين هو الذي يقدر على إظهار دينه بالمعنى الذي أوضحناه.النوع الثاني: أن يقيم عندهم مستضعفاً فيجوز، وقد بين الله الاستضعاف في كتابه في قوله: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98]، وفي قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [النساء:75].يقول البغوي رحمه الله تعالى: إن الأسير المسلم عند الكفار إذا استطاع الخلاص منهم لم يحل له المقام بينهم، فإن حلفوه أنهم إذا تركوه لا يخرج إلى دار الإسلام فحلف؛ وجب عليه الخروج، ويمينه يمين مكره لا كفارة عليه فيها، وإن حلف لهم من غير أن يحلفوه فعليه الخروج إلى دار الإسلام، ويلزمه كفارة يمين. أما حكم السفر إلى بلاد الكفار الحربية لأجل التجارة ففي ذلك تفصيل: فإن كان ي
 

بعض مظاهر الولاء والبراء في الإسلام
نشير إلى بعض مظاهر الولاء والبراء كما بينها الشارع الشريف:
 حرمة مشاركة الكفار في أعيادهم
أيضاً: من مقتضيات الولاء والبراء: عدم مشاركتهم في أعيادهم، وهذا أمر يحتاج إلى تفصيل كثير كما بيناه من قبل، وهو حكم مشاركة المسلمين الكفار في أعيادهم، وأن هذا لا يجوز؛ لأنه من الموالاة المحرمة، وأن المسلمين ليس لهم إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، وما زاد عن ذلك فهو من البدع إن كانت أعياداً في الدين أو من جملة هذه الدعوات الوطنية والقومية التي هي من الباطل ومن الزور، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72]، وهذه الأعياد الوطنية كلها ليست من الإسلام في شيء، بل ليس للمسلمين إلا عيدان وهما الفطر والأضحى.
من قصص الصحابة في الولاء والبراء
نختم هذا البحث ببيان بعض المواقف العملية من قصص الصحابة رضي الله عنهم في الولاء والبراء، ونقدم بين يدي ذلك قول المقداد بن الأسود رضي الله عنه حينما قال: والله! لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية لا يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، ففرق بين الوالد وولده، حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً، وقد فتح الله تعالى فقل قلبه بالإيمان، ويعلم أنه إن هلك دخل النار؛ فلا تقر عينه وهو يعلم أن خليله في النار، وإنها للتي قال الله عز وجل: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان:74].قال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك للصحابة رضي الله عنهم: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم -يعني: كأنهم معكم في هذا الجهاد- قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر)، فهذه موالاة ومناصرة للمسلمين حتى الذين لم يخرجوا معهم في الجهاد في غزوة تبوك، فيكنون للذين حبسهم العذر الموالاة القلبية والوجدانية كأنهم يسيرون معهم في كل واد وفي كل مكان، والمعذورون مع إخوانهم بالدعاء والمتابعة والارتباط القلبي، فذكر أنهم كأنهم معهم في مثل هذا الجهاد، وهذه من أعظم صور الموالاة.
 قصة مصعب بن عمير وامرأة أنصارية
أمثلة الولاء والبراء كثيرة جداً في سيرة الصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك ما هو معروف من قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه وانتقاله من النعيم والترف إلى الزهد نصرة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والأمثلة كثيرة ونختمها بقصة المرأة الديناريه، من بني دينار، هذه المرأة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم عائداً من غزوة أحد إلى المدينة خرج الناس من المدينة للاستفسار عن النبي صلى الله عليه وسلم وذويهم الذين كانوا مشتركين في المعركة، وهذه المرأة في يوم أحد قتل أبوها وزوجها وأخوها وابنها، فلما نعوا لها لم تكترث كثيراً فكانت قلقة على حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا كلما يقولون لها: احتسبي عند الله أباك، تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! يقولون: احتسبي عند الله أخاك.. احتسبي عند الله ابنك.. احتسبي عند الله زوجك.. كانت في كل مرة تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قالوا: خيراً يا أم فلان! هو بحمد الله كما تحبين قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته سالماً قالت مشيرة إلى مصيبتها بفقد أبيها وزوجها وأخيها وابنها: كل مصيبة بعدك جلل، يعني: تهون كل مصيبة بعد سلامة النبي صلى الله عليه وسلم.
من قصص المتأخرين في الولاء والبراء

 قصة فتاة أسبانية
من مواقف الولاء ما حكاه الأستاذ عبد الله عفيفي في بعض كتبه، يحكي قصة من القصص التي عاشها ورآها بنفسه يقول: في أصيل يوم من صيف سنة 1914م كنت واقفاً في جمهور الواقفين في محطة طنطا أترقب القطار القادم من الإسكندرية لأركبه إلى القاهرة، لقد كان كل الواقفين في شغل في تلك الدقائق المعدودات في توديع وإشفاق وترقب وانتظار وحمل متاع، وتنقيض آخر، وكنت في شغل بصديق يجاذبني حديثاً شيقاً ممتعاً، وفي تلك اللحظات الفانية وبين ذلك الجمع المحتشد راع الناس صياح وأصوات، وتردد واضطراب ومسابة ومدافعة، ثم أسكتوا فإذا فتاة في السابعة عشرة من سنها يقودها إلى موقف القطار شرطي عات شديد، وساع من سعاة معتمد الدول قوي عتيد، ومن خلفها شيخ أوروبي جاوز الستين، مكتئب مهموم، وهي تدافع الرجلين حولها بيدين لا حول لهما، أقبل القطار ثم وقف فكان كل ينسى بذلك الموقف موقفه وما حصل له، ثم أقعدت الفتاة، وصعد معها من حولها، وعجلت أنا وصاحبي فأخذنا مقاعدنا حيث أخذوا مقاعدهم، كل ذلك والفتاة على حال من الحزن والكرب لا يجمل معها الصبر، ولا يحمد منها الصمت، سألت الشيخ: ما خطبه؟ وما أمر الفتاة؟ فقال وقد أطرقه الدمع وقطع صوته الأسى: إنني رجل أسباني، وتلك ابنتي، عرض لها منذ حين ما لم أعلمه، فصحوت ذات صباح على صوتها تصلي صلاة المرأة المسلمة، ومنذ ذلك اليوم احتجزت ثيابها لتتولى أمر غسلها، وأرسلت خمارها الأبيض على صفحتي وجهها وثغرها، ثم أخذت تقضي وقتها في صلاة وصيام وسجود، وكانت تدعى رون ، فأبت إلا أن تسمى فاطمة ، وما لبثت أن تبعتها أختها الصغرى، وصارت أشبه بها من القطرة بالقطرة والزهرة بالزهرة، ففجعت لهول ذلك الأمر، وقصدت أحد أساقفتنا، فأخذ يعاني رياضتها ولم يجد إلا ثباتاً وامتناعاً، وعزت على هذا القسيس شيبته، فكتب إلى معتمد الدولة الأسبانية بأمر الفتاة الخارجة عن دينها، وهنالك آمر المعتمد حكومة مصر فساقت إليه الفتاة كما ترى برغمها ورغم أبيها ليقذف بها بين جوانب الدير تسترد فيها دينها القديم، قلت: أو أرضاك أن تساق ابنتك سوق الآثمات المجرمات على غير إثم ولا جريمة؟ فزفر الرجل زفرة كادت تجزع لها قلبه وأحناء ضلوعه، ثم قال: أنا لقد خدعت، وغلب أمر الحكومتين أمري، فما عساني أفعل؟! على أثر ذلك انثنيت إلى الفتاة وهي تعالج من أهوال الحزن وأثقاله ما تخشع الراسيات دون احتماله، فقلت: ما بالك يا فاطمة ؟! وكأنها أنست مني ما لم تأنسه ممن حولها، فأجابتني بصوت يتعثر من الضنا: لنا جيرة مسلمون أذهب إليهم فأستمع أمر دينهم، حتى إذا أخذني النوم ذات ليلة، رأيت النبي محمداً صلى الله عليه وسلم في هالة من النور يقول وهو يلوح إلي بيده: اقتربي يا فاطمة .يقول: ولو أنك أبصرتها وهي تنطق باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لرأيت رعدة تمشي بين أعطافها وأطرافها حتى تنتهي إلى أسنانها فتخالف بينها، وإلى لسانها فتعقله، وإلى وجهها فتحيل لونه، فلم تكد تستتم كلمتها حتى أخذتها رجفة فهوت على مقعدها كأنها دماء منسكبة ... إلى ذلك الحد!غشي الناس ما غشيهم من الحزن، وأبصرت بشيخ يتمشى في ردهة القطار، فطلبت إليه أن يؤذن في أذنها، فلما انتهى إلى قوله: أشهد أن محمداً رسول الله، تنفست الصعداء، وأمعنت بالبكاء، وعاودتها سيرتها الأولى، فلما أفاقت قلت لها: ومم تخافين وتفزعين؟! قالت: إنه سيؤمر بي إلى دير حيث ينهلون من السياط دمي، ولست من ذلك أخاف إلا أن أخوف ما أخاف يومئذ أن يحال بيني وبين صلاتي ونسكي، فقلت لها: يا فاطمة ! أولا أدلك على خير من ذلك؟! قالت: أجل، قلت: إن حكم الإسلام على القلوب، فما عليك لو أقررت بين يدي المعتمد بدينك القديم، وأودعت الإسلام بين شفاف قلبك حتى لا يفوتك أن تقيمي شعائره حيث تشائين، وهنالك نظرت إلي نظرة ازدراء حتى خشيت على نفسي، ثم قالت: دون ذلك حز الأعناق، وتفصيل المفاصل. يعني: فإنني إن أطعت نفسي عصاني لساني، وكان ضلالاً ما توصلت به أنا وأبوها ومن حولها، يقول: كان ذلك حتى أوفينا على القاهرة، فحيل دونها، ولم أعلم بعد ذلك شيئاً من أمر فاطمة ؛ لأني لم أستطع أن أعلم، رحمة الله وبركاته عليك يا فاطمة ، أما أنت بأولى سديدات الرأي الحر والإيمان الوثيق. هذا نموذج من النماذج المعاصرة للولاء والبراء، وقد أطلنا في هذه القضية لما ترون من أهميتها البالغة، وإن شاء الله نفرد الكلام على السفر إلى الخارج، ونريد ممن لهم تجارب في هذا الأمر أن ينصحوا لنا؛ نظراً لأن كثيراً من الناس تعشش في عقله بعض هذه الأفكار، وصاروا ينظرون إلى هذا الجانب حسناً، ويتغافلون عن كثير من الفساد والضياع والانهيار الذي يلقاه من يذهب إلى بلاد الكفار وهو غير مسلح بالإيمان.
أهمية الحديث عن الولاء والبراء في الإسلام

 الولاء والبراء في نصوص السنة
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الولاء والبراء كثيرة، منها ما رواه الإمام أحمد بسند حسن عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (بايعه على أن تنصح لكل مسلم، وأن تبرأ من الكفار). وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله). وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لن يذوق عبد طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله، وقال: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يذوق عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وإما عامة مؤاخاة الناس اليوم فقد صارت على أمر الدنيا، وذلك لا يغني عنهم شيئاً.فإذا كان على عهد ابن عباس قد صار أمر مؤاخاة الناس على أمر الدنيا فكيف بزماننا هذا؟! فلابد لنا أن نفهم هذه القضية، وأن نفهم معناها ونلتزم بها، فما هي معالم الموالاة وصورها التي يجب على المسلم أن يفهمها وأن يلتزم بها؟
معنى الولاء
كلمة الولاء تطلق على معان كثيرة كما ذكر أهل العلم من أهل اللغة، جاء في لسان العرب: الموالاة كما قال ابن الأعرابي : أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما بالصلح، فيكون له في أحدهما هوى فيجاريه أو يحابيه، ووالى فلان فلاناً إذا أحبه، والولي اسم يطلق على جماعة كثيرة، يطلق على الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف الذي معه حلف مع صاحبه والمتعاقد معه على النصرة والصهر والعدل والمعتق والمنعم عليهم. هذه معاني الموالاة، وهي تدور في صورها على معنى القرب، يقال: ولي فلان فلاناً إذا قرب منه أو إذا تابعه، وأهم معانيها الحب والنصرة، والله سبحانه وتعالى قد بين في غير موضع أن الحب لابد أن يكون لله سبحانه وتعالى وفي الله عز وجل كما قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجوب الحب في الله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار). فأول شيء في الموالاة الحب في الله سبحانه وتعالى والبغض في الله، فلابد للمؤمن أن يحب المؤمنين، وأن يحب الله عز وجل حب العبادة، وأن يحب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حباً في الله سبحانه وتعالى، فهذا الحب تابع وأثر من آثار حب المؤمن لربه عز وجل.
 الولاء والبراء في نصوص السنة
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الولاء والبراء كثيرة، منها ما رواه الإمام أحمد بسند حسن عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (بايعه على أن تنصح لكل مسلم، وأن تبرأ من الكفار). وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله). وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لن يذوق عبد طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله، وقال: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يذوق عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وإما عامة مؤاخاة الناس اليوم فقد صارت على أمر الدنيا، وذلك لا يغني عنهم شيئاً.فإذا كان على عهد ابن عباس قد صار أمر مؤاخاة الناس على أمر الدنيا فكيف بزماننا هذا؟! فلابد لنا أن نفهم هذه القضية، وأن نفهم معناها ونلتزم بها، فما هي معالم الموالاة وصورها التي يجب على المسلم أن يفهمها وأن يلتزم بها؟

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقيدة الولاء والبراء [4] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net