اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقيدة الولاء والبراء [3] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


عقيدة الولاء والبراء [3] - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
الهجرة من ديار الكفر والعصيان إلى ديار الطاعة والإسلام من ألزم وأوثق مقتضيات الولاء والبراء، فبها تتحقق محبة المؤمنين بمجاورتهم ونصرتهم، وكذلك بغض الكافرين بمفارقتهم وعدم تكثير سوادهم، وأعظم رابطة تجمع بين المسلمين هي رابطة الإسلام، وبها تنتفي بقية الروابط الأخرى من جنس، أو لون، أو عصبية جاهلية.
بعض أحكام الهجرة المتعلقة بالولاء والبراء

 العبادة في الهرج كالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه معقل بن يسار رضي الله عنه: (العبادة في الهرج كهجرة إلي) أخرجه مسلم والترمذي.قول النبي صلى الله عليه وسلم: (العبادة في الهرج) هو: الفتنة واختلاط أمور الناس، ( كهجرة إلي ) قال النووي رحمه الله: وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها -كما في مثل هذه الأزمان- ويشتغلون بالدنيا، ولا يتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى وذكره وطاعته إلا الأفراد القلائل من الناس.ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه الإمام أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد أن رجلاً قال له: يا أبا سليمان ! اتق الله؛ فإن الفتن قد ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا. يعني: الفتن كان بينها وبين المسلمين باب وهو عمر ، فإذا كسر هذا الباب جاءت الفتن كما هو معلوم في التاريخ، فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به مثلما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد. وهذا الأثر ينطبق علينا في هذا الزمان، فالإنسان عندما يتأمل في أي مكان حوله لا يجد شبراً قد خلا من الفتنة، فقد تكون جالساً في بيتك، تعتزل الناس، فيدخلون عليك الموسيقى والتلفزيون والفيديو والأغاني إلى البيت، فتجد أنه ما خلا شبر من هذه الفتن! وقد جاء تفسير الهرج في بعض الأحاديث بأنه كثرة القتل وإراقة الدماء.قال المناوي رحمه الله: ( كهجرة إلي ) يعني: من يثبت على دينه في وقت الغربة، ووقت الفتنة التي تصرف الناس عن دينهم، وتعظيمه وإقامة حدوده، يقول: فمن صبر على ذلك فثوابه كأنه هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونال الثواب الكثير، أو يقال: الهجرة في الأول كانت قليلة لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهرج قليل، قال ابن العربي : وجه تمثيله بالهجرة أن الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة. يعني: إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو لم تكن أصلاً هناك دار إسلام، أو لم يستطع أن يهاجر من دار البدعة إلى دار السنة، أو من دار الظلم إلى دار العدل فعليه انتقال نفسي بأن يهجر المعاصي، ويهجر المحرمات، فينتقل من الفتنة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، ويهجر معاصي الله، وهذا أحد أقسام الهجرة التي تجب على كل مسلم.
الارتباط الوثيق بين الهجرة وعقيدة الولاء والبراء

 بعض حقوق المسلم المترتبة على الموالاة والمناصرة
يجب على المسلم أن يقيم مع إخوانه المسلمين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته -أي: معيشته، فيحفظها ويضمها له- ويحوطه من ورائه) كالرداء والقميص، فالإنسان إذا ارتدى رداءً أو قميصاً فإنه يحوطه من ورائه، أي: أنه يحفظه ويصونه، ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان والنصيحة، وكل هذه النصوص الواردة من المحبة والمودة بين المؤمنين هي من مقتضيات الولاء والبراء، وتبين الحقوق التي تترتب على هذه المحبة، وأهمها المودة والنصرة، وهذه النصوص كلها تغنينا عن الاستدلال بالحديث الذي يكثر الاستدلال به من قبل كثير من الخطباء، وهو ما ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)رواه الطبراني في معجمه الصغير، وهو حديث ضعيف، ولا يصح الاحتجاج به، ولا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا جاء الصباح أغنى عن المصباح، فالأدلة الصحيحة تغنينا عن الأدلة الضعيفة. أيضاً: يترتب على هذه الموالاة والمناصرة بعض الحقوق مثل: الزيارة والإكرام، والسلام، وحماية العرض، والمواساة بقدر المستطاع... إلى آخر ما هو معلوم من حقوق المسلم على أخيه المسلم.
مقتضيات الأخوة الإسلامية ودعائمها

 الرابطة الحقة بين المسلمين هي: لا إله إلا الله
فالحاصل من هذا الموضوع أن الرابطة الحقيقة التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف، هي رابطة (لا إله إلا الله) فهذه الرابطة تجعل المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضاً، هذه الرابطة لا لتربط فقط بين المسلمين في الأرض، وبين بعضهم البعض، وإنما عطفت أهل السماء على أهل الأرض، وهم ملائكة حملة العرش، ومن حول العرش من الملائكة، فهم يستغفرون الله لبني آدم في الأرض، قال عز وجل: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [غافر:8]* وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9]. فبين الله سبحانه وتعالى أن هذه الرابطة: لا إله إلا الله، ربطت سبيل المؤمنين في الأرض، وبين الملائكة في السماء، وبين حملة العرش، فجعل العلة في هذا الدعاء قوله سبحانه وتعالى في حق الملائكة (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، أي: فاغفر للذين آمنوا، فربط الإيمان بين أهل السماء وأهل الأرض، وهذه هي أعظم الروابط التي ربطت كل من في هذا الكون بعضه ببعض.ومما يوضح أن الرابطة الحقيقية هي: دين الإسلام، قول الله سبحانه وتعالى في أبي لهب وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ [المسد:3]، وقابل موقف أبي لهب من الإسلام وما نزل فيه من القرآن، وبغض النبي صلى الله عليه وسلم له لكفره وصده عن سبيل الله؛ بما لـسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جاء في حقه حديث: (سلمان منا أهل البيت)، وإن كان بعض العلماء. يضعفون الحديث، ولقد أجاد من قال: لقد رفع الإسلام سلمان فارسوقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وأجمع العلماء على أن الرجل إن مات وليس له من الأقارب إلا ابن كافر فإنه لا يرثه، ويكون إرثه للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده من صلبه الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة، فدل على أن الأخوة الإيمانية أقرب من الأخوة النسبية، هذه الأخوة التي لا يحدها الزمان والمكان، قال الله سبحانه وتعالى بعدما ذكر المهاجرين وامتدحهم، ثم ذكر الأنصار وامتدحهم: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]. لا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة: لا إله إلا الله، فلا يجوز النداء بأي رابطة غيرها، ومن والى الكفار محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، وقوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73]، فلما غاب هذا المعنى، وزال من قلوب المسلمين، ولم يعد الدين والإيمان هو الحد الذي يعتمده قلب المؤمن في موالاته للمؤمنين وعدائه للكافرين؛ اختلط الحابل بالنابل في موضوع الولاء والبراء، ووقع ما أخبر الله به: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقيدة الولاء والبراء [3] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net