اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل الذكر للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


فضل الذكر - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
ذكر الله تعالى هو زاد الروح وغذاؤها، وهو سلوة النفس وجلاؤها، به تسمو الروح إلى العلياء، وبه تتصل برب الأرض والسماء، وهو لذة لها لا تعادلها لذة، وسلوة لها لا تعادلها سلوة، وأنيس لها في السر والخلوة، يفيض على النفس من الروحانية ما لا تدركه إشارة، ولا تحيط به عبارة.
النهي عن الدعاء بالبلاء واستجلابه
الحمد لله الذي جعل ذكره لذة للمتقين، يتوصلون به إلى خيرَي الدنيا والدين، وجُنة واقية للمؤمنين سهام الشياطين، وشر إخوانهم المتمردين، من طوائف الخلق أجمعين.وصلى الله على خير البشر الذي أُنزل عليه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]، فبيّن للعباد من فضائل الأذكار، وما فيها من المنافع الكبار، والفوائد ذوات الأخطار، ما ملأ الأسفار، وتناقلته ألسن الرواة في جميع الأعصار، وعلى من صاحبه ووالاه، وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً لا يدرك منتهاه.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خَفَتْ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم! آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قال: فدعا الله له، فشفاه)، هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه كما ذكرنا عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين)، وهذا فيه استحباب عيادة المريض، ( قد خفت ) أي سكن وسكت، والمقصود أنه ضَعُف وسكن وسكت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هل كنت تدعو بشيء -أي: هل كنت تدعو الله بشيء- أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا) أي: أنه تمنى أن تعجل له العقوبة، فنفس هذا اللسان ونفس هذا الفم الذي خرجت منه هذه الدعوة فاستجيبت كان يمكن أن يخرج منه سؤال الله العافية فتستجاب أيضاً؛ لأنا نهينا عن تمني البلاء، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاثبتوا)، لكن ليس للإنسان أن يسعى إلى استجلاب البلاء، ولا أن يتمناه، فربما صدر منه الضجر أو الشكوى أو التسخط على قدر الله عز وجل، فإن للبلاء أهلاً كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه حينما دخل عليه، يقول: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك -أي: مريض-، وعليه قطيفة، يقول: فوضعت يدي على جبهته فقلت: ما أشد حماك يا رسول الله! قال: نعم، إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر)، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، فللبلاء أهل ذكروا في هذا الحديث أو في غيره من الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، فللبلاء أهل، فمن لم يكن من أهل البلاء ربما لم يطقه فصدر منه السخط، لكن إذا ازداد يقين العبد وابتلي فإن الله يعينه على الصبر على ذلك، لذلك كان السلف والصالحون -كما جاء في الحديث- كان أحدهم أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء؛ لقوة يقينهم فيما عند الله عز وجل من الثواب، أو لأنهم أمثل الناس وأشدهم تمسكاً بطريق الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلاته زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، فالعبد إذا ابتلي رغماً عنه بعد أخذه بالأسباب وسعيه حسب الإمكان فإن الله تعالى يعينه حينئذ، وأما إذا استجلب لنفسه البلاء بتقصير أو تراخ في الأخذ بالأسباب فإنه يوكل إلى نفسه ولا يعان إلا أن يشاء الله عز وجل.ففي هذا الحديث كان هذا الصحابي يدعو الله عز وجل: (اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا) أي: حتى يأتي يوم القيامة وليس عليه شيء يستحق العقوبة من أجله، ويصفو له الثواب بدون كدر، فنفس هذا اللسان الذي دعا هذه الدعوة في وقت الإجابة فاستجيبت له كان بإمكانه أن يدعو بالعافية كما جاء في الحديث الضعيف: (إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي) فهذا حديث ضعيف معروف، لكن المقصود أن العافية أوسع، والذي يستجيب لك في الدعاء بالبلاء يستجيب في الدعاء بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه قد خفت -أي سكن وسكت وضعف حتى صار مثل الفرخ-: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم) .
 

أهمية فقه الدعاء وأحكامه
وهذا الحديث من الأحاديث التي تبين خطورة عدم فقه الدعاء، فلابد أن يكون الإنسان محيطاً ومتعلماً فقه الدعاء وغيره من العبادات، فهناك بعض الأمور التي تعين الإنسان على اغتنام أوقات الإجابة، وتحري الأمور التي تجعله مجاب الدعوة، وهناك بعض الأمور التي لابد أن يزيلها قبل أن يدعو، وهناك شروط في نفس الدعاء حتى يستجاب، فهذا الرجل لما لم يكن عنده فقه دقيق بآداب الدعاء وأحكامه وقع في هذا الخطأ، فدعا الله عز وجل وتمنى البلاء، فاستجاب الله له وآتاه هذا البلاء، وهذا كما قال عز وجل: وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11]، (فقال: نعم، كنت أقول: اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله!) أي: أنه تعجب، وهذا دليل على جواز أن يقول الإنسان إذا تعجب من شيء: سبحان الله، (سبحان الله! لا تطيقه، أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم! آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)، وأشهر الأقوال في تفسير حسنة الدنيا أنها العبادة والعافية، وحسنة الآخرة هي الجنة والمغفرة، (قال: فدعا له صلى الله عليه وسلم فشفاه الله عز وجل)
 

النهي عن تمني تعجيل العقوبة والبلاء، واستحباب زيارة المريض
ففي هذا الحديث النهي عن تمني تعجيل العقوبة، وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، فكان المفروض أن يقولوا: اللهم! إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، أو فارزقنا اتباعه، أما أن يتمنى الإنسان البلاء، ويطلب العقوبة فهذا من عدم الفقه في عبادة الدعاء. فهذا الحديث فيه فضل الدعاء: (اللهم! آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) وهذا الدعاء يقال أيضاً عند الكرب، وفيه استحباب عيادة المريض والدعاء له، وفيه كراهية تمني البلاء؛ لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكى، وكما بينا فإن عدم الاهتمام بفقه الدعاء قد يحول دون استجابة هذا الدعاء، وإذا استجيب له فقد يقع الإنسان في بلاء وكرب، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر بعض أدعيته الطويلة: (وأعوذ بك من دعوة لا يستجاب لها)، إذاً فالدعوة التي لا يستجاب لها دعوة شريرة، وقد بلغ شرها وشؤمها أن النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها.وقال في حديث آخر: (وأعوذ بك من دعاء لا يسمع) أي: لا يستجاب، فقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله من حمده، هذا ما تيسر فيما يتعلق بالحديث السابق الذي رواه أنس رضي الله عنه.
 

الحث على الذكر
ثبت في كثير من الآيات والأحاديث فضل الذكر ودعاء الله عز وجل، فمن هذه الآيات قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كثيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42]. ومنها أيضاً: قوله عز وجل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]، فالشكر يتعدى باللام تقول: قد شكر الله لك، أو شكرت له، وهذا أبلغ من أن تقول: شكرته أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]. وقال عز وجل: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205]. وقال جل ذكره: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]. وقال عز وجل مخاطباً نبيه زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما سأل الله أن يجعل له آية قال: قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كثيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران:41]، فقد عطل لسانه عليه السلام عن كل كلام إلا ما كان فيه ذكر، (( آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ))، فكان إذا أراد أن يتكلم عطل لسانه، وامتنع عن النطق إلا إذا كان هذا الكلام بذكر الله عز وجل.وسأل موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ربه أن يجعل له وزيراً: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:29-32] لماذا كل هذا؟ كَيْ نُسَبِّحَكَ كثيراً * وَنَذْكُرَكَ كثيراً* إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:33-35].وقال أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً بعد ما أخبره أنه يحبه، فقال له: (لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، فدل هذا على أن الذكر ليس بالسهل، بل يحتاج إلى معونة من الله عز وجل؛ حتى يصرف عن الإنسان الصوارف الشاغلة التي تحوَّل همته من هذه الكنوز العظيمة التي يفوز بها إذا اشتغل بذكر الله عز وجل. وقال سبحانه وتعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كثيراً [الأحزاب:21]، وقال عز وجل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، وقال عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد:28-29].
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
خطأ الاشتغال بالمفضول وترك الفاضل
عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن أبواب الخير كثيرة ولا أستطيع القيام بكلها، فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر علي فأنسى) ، وفي رواية: (إن شرائع الإسلام قد كثرت وأنا قد كبرت فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر علي فأنسى، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)، فهذا من فقه التجارة مع الله سبحانه وتعالى، فالإنسان قد يشتغل بالعمل المفضول ويترك الفاضل، مع أن المفضول قد يكون أيسر وأسهل، ويعود عليه بربح كثير، وقد يشتغل بهذا الموجود فيضيع فيه عمره، وهذا من مكائد الشيطان أن يشغل الإنسان عن التجارة التي تعطي ربحاً أكثر بما يحصل ثواباً أقل، فينبغي أن يتفطن الإنسان لهذه المسائل الدقيقة، ولا يشتغل بالمفضول عن الفاضل، فضلاً عن ألّا يشتغل بهذا ولا ذاك، فهذا حظ الشيطان وسلطانه عليه أقوى وأكثر، فكثير من الناس وخصوصاً من ينتسبون إلى السنة نجدهم يكثرون الذم والتنفير عن أحوال الصوفية وبدعهم التي يبتدعون في أمور الذكر والدعاء وغيرها حتى ينطبع في نفس بعض الناس -بدون قصد- بغض الذكر، وبعض الناس يفتنون بمظاهر الدنيا وزخرفها، فيصل بهم الأمر إلى أن يقولوا: العمل عبادة، والفعل هذا أفضل من الصلاة، وأفضل من التسبيح، حتى ينشأ في قلوب الناس احتقار الذكر، حتى أن بعض الناس يقول: أنا لا أعترف بشيء اسمه تسبيح أو تهليل، فهذه الأشياء من كلام الصوفية، فينسد هذا الباب العظيم من أبواب الخير، وقد عدّه النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال؛ بسبب عدم الفقه في هذا الأمر.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
معرفة ثواب الذكر من جهة الشرع
نحن لا نملك الميزان الذي نوزن به الأعمال، بل يخبرنا به الوحي على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث البطاقة الذي رواه ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء) .فمعرفة مقادير هذه الأعمال العظيمة ليس إلينا، وإنما نعرفه عن طريق الوحي، فالوحي يخبر أن هذه الأذكار ثوابها عظيم جداً، والناس في غفلة عن هذا، فهذه تجارة رابحة، فمن استطاع أن يستثمر أرباحه فيها فليستثمر، فهذا إبراهيم عليه السلام لما قابل الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج قال له: (يا محمد! أقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأخبرهم أن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) فهذه نصيحة من أبينا إبراهيم عليه السلام ينصحنا نحن المسلمين بها، ويخبرنا بها نبي سبق المؤمنين إلى الجنة، ويخبرنا عن شيء يقع في الجنة، فلا يحتقر هذا الأمر العظيم أو يزدريه أو يزهد فيه إلا أحمق ناقص العقل. وجاء في الحديث الصحيح: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن) فهي لا تكلفك شيئاً، ويخبرنا الوحي أنها ثقيلة جداً في الميزان، ( ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ). وجاء في الحديث الآخر: (من قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] عشر مرات بنى الله له بها قصراً في الجنة)، فهذا شيء يسير على ألسنتنا لكنه عند الله عظيم، فالذكر من أشرف العبادات، وإذا تأملنا في المعاني التي تندرج تحت هذه التسبيحات والأذكار لوجدنا معاني عظيمة جداً من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن النقائص، وإثبات الكمالات له عز وجل، واعتراف العبد بالنقص والخطأ والزلل، وهذه المعاني العظيمة الجليلة تستوجب هذا الأجر العظيم وإن رغمت أنوف الذين تقصر عقولهم وهممهم عن فهم هذه الأشياء.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
الترهيب من الغفلة عن ذكر الله
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة) والترة هي النقص، قال الله عز وجل في القرآن: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35] أي: لن ينقصكم، ومعنى التره في هذا الحديث: التبعة، وترت الرجل ترة أي: أنقصته نقصاً، ففي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة) أي: تَبِعة ونقص وحسرة يوم القيامة. وقد أوجب بعض العلماء على الإنسان ألّا يجلس مجلساً إلا ويذكر الله تعالى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وبعض الذين غرتهم الحياة الدنيا من الذين يقومون بالتدريس أو يجلسون في بعض المجالس التي يعقدونها في الجامعات، أو المحاضرات، أو غيرها يستكبرون عن هذا، أو يزدرون مثل هذه الأعمال العظيمة، فهذا عميد أدب الغرب دخل مرة من المرات محاضرته وهو يريد أن يستهزئ بهذه السنة الشريفة فقال لطلابه: أكثركم قد يضحك مني إذا بدأت محاضرتي كما يبدأ الشيوخ: بالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أنا لا أفعل هذا، وما ذلك إلّا لأنه متمجن ومتحجر، وهو أيضاً محروم من هذا الأجر العظيم، ومستحق لهذه الحسرة التي توعده بها رسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. فمن السنة أن الإنسان إذا كان في مجلس ضيافة، أو يوجد ضيوف عنده في البيت، أو كان في مجلس مذاكرة، أو في محاضرة، أو في أي مجلس يجلسه؛ ألّا يخلو هذا المجلس من ذكر الله عز وجل، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جاء في بعض الأحاديث الوعيد على ترك ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة) ومعنى ذلك أنه يستحب أن تذكر الله في الطريق وأنت تمشي. وفي رواية: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم ترة -أي: تبعة-، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم)، وخاتمة هذا الحديث تدل على وجوب ذلك؛ لأن الوعيد لا يقع إلا على ترك الواجب أو ارتكاب المحرم، فهنا ينذر النبي صلى الله عليه وسلم من جلس مجلساً ولم يذكر الله فيه، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم،بأنه يكون يوم القيامة تحت المشيئة: إن شاء الله أن يعذبه عذبه، وإن شاء أن يغفر له غفر له، فهذا يدل على وجوب تعطير المجلس بذكر الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة)، أي: كأنهم كانوا مجتمعين على جيفة حمار منتنة، ويكون عليهم ذلك المجلس حسرة يوم القيامة. وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها)، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يَتحسر عليه أهل الجنة؛ أنهم بعد أن يدخلوا الجنة يتحسرون على أي ساعة أو لحظة مرت بهم في الدنيا ولم يعمروها بذكر الله عز وجل. وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة).
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
من فضائل الذاكرين الله كثيراً
عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه أن نفراً من بني عذرة ثلاثة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يكفنيهم؟ -أي: من يقوم بضيافتهم؟- فقال طلحة : أنا، فكانوا عند طلحة -أي: باتوا عند طلحة واستضافهم في بيته رضي الله عنه-، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثاً فخرج فيه أحدهم فاستشهد، ثم بعث بعثاً فخرج فيه آخر فاستشهد، قال: ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة : فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة -أي: رآهم في منامه في الجنة-، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، -أي: أنه تقدمهم في المنزلة في الجنة مع أنه لم يستشهد، وإنما مات على فراشه- ورأيت الذي استشهد أخيراً يليه -أي: أن الثاني كان يلي ذلك الذي مات على فراشه في المنزلة- ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم -أي: في المرتبة- قال: فدخلني من ذلك! فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أنكرت من ذلك؟! ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله). فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من فعل طلحة كيف يتعجب لهذا مع أنه أمر طبيعي، فالمؤمن إذا مد له في أجله بعد أخيه فعمر أوقاته بالتسبيح والذكر والتكبير والتهليل، فهذه ترفع درجاته حتى ربما ارتفع فوق مقام من سبقه بالشهادة. ومما ثبت أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ذكر الله عز وجل في الخلوة ما جاء في (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، فهذا يدل على فضل ذكر الله عز وجل في الخلوة حيث لا يراه الناس، فإذا اجتمع له ذكر الله في الخلوة مع البكاء من خشية الله عز وجل حتى تفيض عيناه فإنه يكون يوم القيامة في ظل الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
فضائل مجالس الذكر
جاءت أحاديث كثيرة في فضيلة مجالس الذكر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك ؟ قالوا: آلله ما أجلسنا غيره، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة) أي: لأنهم جلسوا يذكرون الله عز وجل.وعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم) .وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل). وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له من حين يخرج من بيته كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم) يعني: أن الله عز وجل يفرح به، يتبشبش له.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
الحث على حضور مجالس الذكر
وقد حث الشارع على حضور مجالس الذكر هناك حديث آخر وهو فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه أيضاً في فضيلة حلق الذكر، قال: (إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة). وحينما نذكر كلمة الذكر فلا يتبادر إلى الذهن التسبيح والتكبير والتهليل فقط، بل إن كل عامل لله بطاعة فهو ذاكر له، وأشرف مجالس الذكر هي مجالس العلم، وقد جاء عن بعض أئمة السلف وقد كانوا في مجلس علم يتعلمون الحلال والحرام، فلما أطالوا في المجلس قام أحد هؤلاء الطلاب فقال: نجلس الآن نذكر الله تعالى، فغضب هذا العالم وقال: فيم كنا إذاً؟! يعني: أن مجالس الحلال والحرام هي من أعظم مجالس الذكر، وهي أغيظ للشيطان من غيرها؛ لأنها تبصر الناس بمعالم دينهم وطاعة ربهم سبحانه وتعالى، فمجالس الذكر أعم من أن تكون مجالس التسبيح والتهليل والتكبير، بل إن أشرف مجالس الذكر هي مجالس العلم كما ذكرنا، بل إن مجلس العلم أفضل من صلاة النافلة، فالإنسان الذي يترك مجلس العلم ويشتغل بالنافلة قليل الفقه، ولو علم لما أعرض عن مجلس العلم، لأن مجلس العلم أفضل عند الله عز وجل من الاشتغال بصلاة النافلة.عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر)، ونحن نعلم أن الملائكة لهم وظائف شتى، فهناك ملائكة للريح، وملائكة لكذا، ملائكة لكذا، فهذه الملائكة ليست لها وظيفة سوى أنهم يدورون في الأرض يبحثون عن مجالس الذكر، فيخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (أن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجت هذا الملائكة إلى الله عز وجل وصعدوا إلى السماء، فيسألهم الله عز وجل -وهو أعلم بهم- من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتي؟! قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يارب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟! قالوا: ويستغفرونك، فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، فيقولون: رب! فيهم فلان عبد خطاء -أي: كثير الخطايا والذنوب- إنما مر فجلس معهم -أي: كأن له حاجة عند أحدهم، أو هو عابر سبيل، ولم يقصد التواجد في مجلس الذكر لأجل الذكر- فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).فهذا الحديث دليل قوي على أن بركة الصالحين تعم من يجلس في مجالسهم حتى ولو لم يكن منهم، ومن كثّر سواد قوم حشر معهم. #10) التحذير من حضور مجالس الشر :- وكما حث الشارع على حضور مجالس الذكر فقد نفّر عن مجالسة الكذابين، وحذر من مجالسة الخطائين، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72] أي: كأن الإنسان إذا جلس في مجالس اللغو فإن هذه إهانة له تنافي الكرامة التي كرمه الله عز وجل بها، سواء كانت تلك مجالس اللعب واللهو، أو مجالس للأغاني، أو مجالس للأفلام، فكل هذا اللهو الفارغ ملعون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)، فكل هذه الأشياء ملعونة ومطرودة ومبعدة من رحمة الله عز وجل، ومبعدة لمن اشتغل بها عن ذكر الله تبارك وتعالى.فلا ينبغي حضور مجالس الزور كما قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72]، وسواء كان الزور أعياد المشركين، أو كان مجالس اللهو والكذب والمسرحيات والأفلام والفيديو وغير ذلك من مجالس الشياطين.وقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]، والإعراض: هو تجافي القلب وكراهيته لهذه المجالس، ومجانبته لأهلها، فلا ينبغي حضور هذه المجالس ولا قربها؛ تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله، وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، وصيانة لدينه عما يشينه؛ لأن مشاهدة الباطل فيه شركة، ولهذا قال عز وجل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، وقال عز وجل: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19]، وقال عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا [طه:125] * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126]، وقال عز وجل: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15] * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:16]، وقال عز وجل في المنافقين: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قليلا [النساء:142]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9].فينبغي الاشتغال بمجالس الذكر، ومن لازم ذلك الإعراض عن مجالس اللهو، وهذا على نقيض ما يذهب إليه أتباع الشياطين ممن يقولون ساعة لقلبك وساعة لربك، وفي الحقيقة هي ساعة لربك، ولا تكون خالصة لله، وساعة لشيطانك، وهذه شركة في تقسيم الوقت، بل إنّ المسلم يمتثل ما قاله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، وهذه التقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان، وبعض الناس يأتون بأشياء تخالف ما قد أحكمه الله عز وجل، فبدلاً من أن يتحاكموا إلى شرع الله عز وجل فإنهم يقسمون أعمارهم إلى قسمين: حظ للشيطان، ويزعمون أن الحظ الآخر لله عز وجل، وما أمرهم إلا كما قال الله عز وجل: فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136]فتقسيم مُلك السموات والأرض إنما هو لله تعالى، وليس كما يقول الملاحدة الكفار: الدين لله والوطن للجميع، فيقسمون وكأنهم يملكون هذا الكون، وتلك القسمة تنافي قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:189]، وهؤلاء عباد الله عز وجل يملكهم ويملك نواصيهم.فالمقصود أن هذا التقسيم: ساعة لربك، وساعة لقلبك، مما ينافي مقاصد الشريعة، ويمكن أن يضاف إليها: لقلبك المريض، فلا يقول مثل هذا الكلام إلّا مريض القلب، وأما المسلم فإنه يطيع الله عز وجل في كل أحواله، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163].فهذه المجالس -كما بينا- نحن مأمورون بالإعراض عنها كما قال عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]، وهذه صفة: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:11] أي: أنهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقال عز وجل: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41].وقد عدد العلماء أسماء مجالس اللهو والفساد؛ ليدلونا على كثرة مفاسدها، فمن ذلك أنهم سموا هذه المجالس أعني: مجالس المسرحيات والغناء والأفلام ومجالس الفجور المعروفة سموها باسم اللهو، والغناء والموسيقى سموها أحياناً لهو الحديث، وسموها بالزور، واللغو، والباطل، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، ومنبت النفاق، وقرآن الشيطان، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان ومزمور الشيطان، والسمود كما جاء في بعض الآيات.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
التحذير من حضور مجالس الشر
وكما حث الشارع على حضور مجالس الذكر فقد نفّر عن مجالسة الكذابين، وحذر من مجالسة الخطائين، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72] أي: كأن الإنسان إذا جلس في مجالس اللغو فإن هذه إهانة له تنافي الكرامة التي كرمه الله عز وجل بها، سواء كانت تلك مجالس اللعب واللهو، أو مجالس للأغاني، أو مجالس للأفلام، فكل هذا اللهو الفارغ ملعون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)، فكل هذه الأشياء ملعونة ومطرودة ومبعدة من رحمة الله عز وجل، ومبعدة لمن اشتغل بها عن ذكر الله تبارك وتعالى.فلا ينبغي حضور مجالس الزور كما قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72]، وسواء كان الزور أعياد المشركين، أو كان مجالس اللهو والكذب والمسرحيات والأفلام والفيديو وغير ذلك من مجالس الشياطين.وقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]، والإعراض: هو تجافي القلب وكراهيته لهذه المجالس، ومجانبته لأهلها، فلا ينبغي حضور هذه المجالس ولا قربها؛ تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله، وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، وصيانة لدينه عما يشينه؛ لأن مشاهدة الباطل فيه شركة، ولهذا قال عز وجل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، وقال عز وجل: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19]، وقال عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا [طه:125] * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126]، وقال عز وجل: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15] * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:16]، وقال عز وجل في المنافقين: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قليلا [النساء:142]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9].فينبغي الاشتغال بمجالس الذكر، ومن لازم ذلك الإعراض عن مجالس اللهو، وهذا على نقيض ما يذهب إليه أتباع الشياطين ممن يقولون ساعة لقلبك وساعة لربك، وفي الحقيقة هي ساعة لربك، ولا تكون خالصة لله، وساعة لشيطانك، وهذه شركة في تقسيم الوقت، بل إنّ المسلم يمتثل ما قاله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، وهذه التقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان، وبعض الناس يأتون بأشياء تخالف ما قد أحكمه الله عز وجل، فبدلاً من أن يتحاكموا إلى شرع الله عز وجل فإنهم يقسمون أعمارهم إلى قسمين: حظ للشيطان، ويزعمون أن الحظ الآخر لله عز وجل، وما أمرهم إلا كما قال الله عز وجل: فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136]فتقسيم مُلك السموات والأرض إنما هو لله تعالى، وليس كما يقول الملاحدة الكفار: الدين لله والوطن للجميع، فيقسمون وكأنهم يملكون هذا الكون، وتلك القسمة تنافي قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:189]، وهؤلاء عباد الله عز وجل يملكهم ويملك نواصيهم.فالمقصود أن هذا التقسيم: ساعة لربك، وساعة لقلبك، مما ينافي مقاصد الشريعة، ويمكن أن يضاف إليها: لقلبك المريض، فلا يقول مثل هذا الكلام إلّا مريض القلب، وأما المسلم فإنه يطيع الله عز وجل في كل أحواله، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163].فهذه المجالس -كما بينا- نحن مأمورون بالإعراض عنها كما قال عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]، وهذه صفة: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:11] أي: أنهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقال عز وجل: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41].وقد عدد العلماء أسماء مجالس اللهو والفساد؛ ليدلونا على كثرة مفاسدها، فمن ذلك أنهم سموا هذه المجالس أعني: مجالس المسرحيات والغناء والأفلام ومجالس الفجور المعروفة سموها باسم اللهو، والغناء والموسيقى سموها أحياناً لهو الحديث، وسموها بالزور، واللغو، والباطل، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، ومنبت النفاق، وقرآن الشيطان، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان ومزمور الشيطان، والسمود كما جاء في بعض الآيات.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
من فوائد الذكر أنه يكسب الأعضاء قوة
ونقتصر هنا على ذكر بعض الفوائد المهمة التي تنشط القلب على المواظبة على الذكر، فيقول العلماء: إن العبادة -وخصوصاً ذكر الله عز وجل- تنشط البدن وتلينه، وتذهب النوم والفتور اللذين يكسلان البدن، ويقسيان القلب، فيقول هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فيما أخبر الله عنه: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52] فثمرة الاستغفار والتوبة أن يرسل الله الرزق الوفير، والمطر الكثير، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52]، وهذه التوبة -كما يقول المفسرون- تشمل جميع القوى، فيزيد الله عابديه قوة في إيمانهم ويقينهم ودينهم وتوكلهم وغير ذلك مما هو من جنس ذلك، ويزيدهم قوة في أسماعهم وأبصارهم وأجسادهم وأموالهم وأولادهم وغير ذلك. ولقد (علّم النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وعلياً رضي الله عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، وذلك لما سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من العمل والسعي والخدمة، فعلمهما ذلك وقال: إنه خير لكما من خادم)، فدل هذا على أن الذكر يعطي العبد قوة تعينه على أداء هذه الوظائف، ويكون ذلك أفضل للعبد من الخادم الذي يتحمل عنه أداء هذه الوظائف. وهذا الذكر بالذات وهو: التكبير أربعاً وثلاثين، ثم التسبيح ثلاثاً وثلاثين، ثم الحمد ثلاثاً مما يكيد فيه الشيطان للإنسان، فإذا أراد الإنسان النوم صرفه الشيطان عن هذا الربح الوفير، لذلك نبّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فالشيطان يأتي إلى العبد إذا أراد النوم فيكسله، ويطير بهمته، ويذهب بها في أن يصبر عليه، ويأتي به، فانتبهوا لذلك.وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رضي الله عنهم: (أسمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب في البحر؟)، يقصد مدينة القسطنطينية التي تسمى اليوم استانبول، (لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، وقالوا: لا إله إلا الله والله أكبر)، وكما هو معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم تنبأ أن مدينة القسطنطينية ستفتح مرتين، وقد حصل الفتح الأول على يد السلطان محمد الفاتح العثماني، وسيكون قبيل خروج الدجال، فهي الآن لم تعد دار إسلام، فقد ارتدت على يدي أتاتورك، فيخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه في آخر الزمان إذا أتاها هؤلاء المسلمون المؤمنون ليفتحوها فإنهم لا يفتحوها بسلاح ولا بسهام ولا بقتال، وإنما يكون ذلك بالتسبيح وبالذكر، فالذكر أحياناً قد يبلغ من القوة بحيث أنه يأتي بهذه الأشياء، (فإذا أتوا هذه المدينة قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، يقولون الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر فيفرج لهم، فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم صريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعو) ، فالقسطنطينية في المرة الثانية ستفتح بالتهليل والتكبير، فهذا من الأدلة على أن الذكر يكون قوة في الذاكر حسب إيمانه ويقينه. وقد كان حبيب بن سلمة يستحب إذا لقي عدوَّا، أو ناهض حصناً أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ناهض يوماً حصناً للروم فانهزم، فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن.قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الذكر يعطي للذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً.وقد اقتدى الإمام ابن القيم نفسه رحمه الله تعالى بشيخه، فكان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله تعالى حتى يتعالى النهار، ويقول: هذه غدوتي، لو لم أفعلها سقطت قواي.وقال وهب بن منبه : من يتعبد يزدد قوة، ومن يتكسل يزدد فترة. كان مع صلة بن أشيم -في قصة طويلة معروفة-، فنام هذا الرجل تلك الليلة، وأما صلة فبقي طول الليل قائماً يصلي، فيقول الرجل: فأصبح كأنه بات على الحشايا، أي: أصبح صلة وفيه من القوة والنشاط مع أنه كان سهران في قيام الليل، فأصبح وكأنه بات على الحشايا، وأصبحت ولي من الكسل والفتور ما لا يعلمه إلا الله عز وجل.وقال عطاء الخراساني : قيام الليل حياة للبدن، ونور في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البصر والأعضاء كلها، إن الرجل إذا قام بالليل أصبح فرحاً مسروراً، وإذا نام عن حزبه أصبح حزيناً مكسور القلب كأنه فقد شيئاً، وقد فقد أعظم الأمور له نفعاً.وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.فيكفي في هذا الباب كله ما رواه أصحاب المسانيد والصحاح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد)فكل إنسان إذا أراد أن ينام فإن الشيطان يأتيه ويعقد على قافيته ثلاث عقد- (ويضرب مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
الذكر من أعظم التجارات مع الله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.ثم أما بعد: عباد الله! دنا رحيلكم، وقد بان سبيلكم، وقد نصحكم دليلكم، ودلكم على تجارة هي من أعظم التجارات مع الله عز وجل، فإن الله عز وجل قد أخبر بتجارة، فقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف:10] * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:11]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها).ويقول القائل: أخي! إنما الدنيا كسوق تزينت .......................وكل امرئ لابد يدخل سوقهاسواء بهذا كارهاً أم راضياولابد من بيع ولابد من شراولابد يمشي رائحاً أو غادياوسلعته الكبرى التي سيبيعهاهي النفس لكن من يكون الشاريافإن باعها لله أعتقها إذاً وكان له من جمرة النار واقياوجنة ربي كانت الثمن الذيسيقبضه الإنسان فرحان راضياوقد ربح البيع الذي تم عقدهوجل الإله المشتري جل ربيافنحن في هذه الدنيا في تجارة، وهذه التجارة إما أن تكون مع الله عز وجل وإما أن تكون مع الشيطان، والتاجر الناصح هو الذي ينظر في السلع، فيأخذ أخف هذه السلع مئونة وأعظمها ربحاً، ولاشك أن ذكر الله عز وجل من أعظم التجارات، وهو الباب المفتوح بين العبد وبين ربه، إلا أن يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصري : التمس الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وفي تلاوة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق، فخبروني بالله عليكم: أي عمل أيسر من ذكر الله عز وجل يترتب عليه من الأجر ما يترتب على ذكر الله عز وجل؟!
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.
ذكر الله تعالى من أعظم نعيم أهل الجنة
وقد كان مقرراً أن نتكلم يعني عن حياة القبور، ولكن لعل الله عز وجل يجعل لنا فرصة للتوبة والإكثار من ذكره سبحانه، وقد ذكر شيخنا ما فيه الكفاية لأولي الدراية، ولكن نزيدكم علماً بفوائد ذكر الله عز وجل، وأنه من نعيم الدنيا لو يعلم الناس، وهو أيضاً من نعيم أهل الجنة، فقد ورد في (صحيح مسلم) (أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، طعامهم ذلك جشاء يخرج على جلودهم أطيب من ريح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس)، وقال مالك بن دينار : ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل، فالعبد لو جلس مثلاً نصف ساعة أو ساعة يذكر الله عز وجل فلاشك أنه يجد حلاوة في قلبه، ويجد أن قلبه يتمتع بذكر الله عز وجل، فهو من أعظم نعيم الدنيا، والجنة ليست دار تكليف ولكنها دار نعيم، ومع ذلك فقد جعل الله عز وجل من نعيم الجنة ذكره عز وجل، وقد جاء في بعض الآثار: أنّ لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا، فأهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهم النفس، فنحن لم نبذل جهداً في النفس، بل حتى إنك تجد المغمى عليه يتنفس فلا يبذل جهداً في أخذ النفس، فأهل الجنة كذلك يسبحون، ويحمدون الله عز وجل على هذا النعيم، والجنة دار النعيم، وهذه المجالس -كما جاء في بعض الآثار- هي رياض الجنة، ولاشك أن العبد المؤمن يجد فيها متعته، وهي نزهة لقلوب المؤمنين، فتتمتع فيها القلوب بسماع الحكمة وذكر الله عز وجل، فالعبد العاقل الذي هو يريد أن يربح أعظم الأرباح من الله عز وجل، فنحن مثلاً لو جمعنا أوقات الصلوات سنجدها مثلاً ساعة في اليوم، وإذا كان أحد يقوم الليل فتصير ساعتين مثلاً، فتستطيع أن تضم إلى هذه الساعات القليلة ساعات كثيرة من العبادة وتكون مع الله عز وجل، وإذا كنت مع الله عز وجل كان الله عز وجل معك بالتأييد والنصرة، وتستطيع وأنت واقف تنتظر السيارة مثلاً أن تحرك لسانك بذكر الله عز وجل، وتستطيع وأنت راكب المواصلات أن تحرك لسانك بذكر الله عز وجل، ولاشك أن العبد يجد فرصاً كثيرة جداً؛ لكثرة الذكر، بحيث أنه يكثر ساعات عبادته، فبدلاً من ساعتين يجعلها أربع أو خمس أو ست ساعات، والله عز وجل هو المعين على ذلك، ونسأل الله عز وجل الإعانة، وهذا الحديث حديث مسلسل بقول كل شيخ لتلميذه: (والله إني لأحبك، فلا تنس أن تدعو في دبر كل صلاة: اللهم! أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) فهذه علامة على المحبة، وهي وصية غالية من حبيب لحبيبه، وصى بها النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً ، ووصى بها معاذ من خلفه حتى دوَّن الحديثَ أئمةُ السنة في كتبهم، فهذه الوصية وصية غالية، ونسأل الله عز وجل أن يعيننا عليها، وأن تكون ألسنتنا رطبة بذكر الله عز وجل، وكذلك وصى الله عز وجل هارون وموسى لما أرسلهما إلى فرعون فقال: وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42]، فيستعان بالذكر على الشدائد، وكثرة الذكر في الشدة علامة على المحبة كما في قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كثيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45]، فأمر الله عز وجل بكثرة الذكر عند لقاء العدو، فهو قوة للقلب، وقوة للبدن، والذكر في الشدة علامة على المحبة كما قال عنترة : ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهمفذكر العبد ربّه عز وجل عند الشدة علامة على محبته لله عز وجل، وهو من أعظم الأسباب إلى محبة الله عز وجل، فنسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على العمل بهذه الوصية الغالية، وأن يدرب ألسنتنا على ذلك، فإذا تدّرب اللسان على ذلك تحرك بذكر الله عز وجل دون مشقة أو تكلف من العبد.اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأبصارنا، وأسماعنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.سبحانك اللهم وبحمدك! أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
 من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات
واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.وقال عطاء : من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم.وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .وصح عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى).وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.يقول الإمام ابن بطّال : معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل الذكر للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net