اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان والكفر [29] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


الإيمان والكفر [29] - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)

الأسئلة

  حكم التعبير عن السلفية بسلفية المنهج عصرية المواجهة
السؤال: استعمل في الآونة الأخيرة في بعض المصنفات تعبير سلفية المنحى، وسلفية المنهج، عصرية المواجهة، على أساس أن هذا التعبير فيه رد على من يحيون السلفية في بضع القضايا التاريخية التي لم تعد تمثل معترك الإسلام في واقعنا المعاصر؟ الجواب: هذه العبارة ينبغي تحتاج لنوع من التوضيح؛ لأن فيها إيهاماً، فلا نقول كما تقول هذه العبارة: سلفية المنهج عصرية المواجهة، لكن نقول: سلفية المنهج سلفية المواجهة، قال الله تبارك وتعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، هل حينما نتلو هذه الآية في هذا الزمان نقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة عصرية، أم أن فيها من العموم ما يقضي استفراغ الوسع في الأخذ بأسباب القوة، هل يفهم حينما نقول: سلفية العصر سلفية المواجهة، أما الجهاد في سبيل الله في هذا الزمان يكون بالسيوف والرماح والنبال والخيول حتى نحترز فنقول: عصرية المواجهة؟ أم أن هذا الاحتراز نحن لا نحتاج إليه، وإلا نحفظ الأمة الإسلامية في متحف من متاحف التاريخ. فسلفية المواجهة هي بطبيعتها لابد أن تكون عصرية؛ لأن المنهج شامل لكل زمان ولكل مكان، أيضاً مفهوم هذه الثنائية: سلفية المنهج عصرية المواجهة، مفهومه إدخال البعد الزمني في تعريف السلفية، وبالتالي كأن هذا انسياق وراء المفهوم الغربي للسلفية الذي يعني الرجوع إلى الوراء، وأنها فهم متجه إلى الوراء. فلما نقول سلفية المنهج يعني فهم متجه إلى الخلف، عصرية المواجهة فهم متجه للأمام، نحن نقول: المنهج السلفي لا هو متجه للخلف ولا هو متجه إلى الأمام، بل هو متجه إلى أعلى، بمعنى أن السلفية ليست رجوعاً للوراء، السلفية هي عملية ارتقاء وتسامي وصعود إلى مستوى السلف الصالح رضي الله تبارك وتعالى عنهم.فإدخال العنصر الزمني أو البعد الزمني في التعريف بالمنهج، على أساس أن له بعد زمني يتجه إلى الوراء، معناه: أنه لا يصلح لمواجهة مشاكل العصر المتجه للأمام، فكأن السلفية هي مجرد تراث ذكري لا يتضمن منهجاً للتعامل مع كل العصور. باختصار: نستطيع أن نعبر عن الحقيقة في هذا الأمر أننا نريد بالضبط بسلفية المنهج وسلفية المواجهة: نريد أن نعيش عصرنا، ونواجه مشكلاته بنفس الطريقة التي نتوقع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا سيسلكونها إذا عاشوا في عصرنا. فالسلفية لا تتجه كما ذكرنا لا إلى الوراء ولا إلى الخلف، إنما السلفية تتجه إلى أعلى، فهي عملية ارتقاء وارتفاع إلى مستوى السلف الصالح رضي الله عنهم في عقيدتهم ومفاهيمهم وسلوكهم وأخلاقهم والتزامهم وغيرها من الثوابت التي لا تتفاوت بتفاوت العصور، وارتقاء إلى مستوى العصر الذي نعيشه، هناك لابد أن يكون مواجهة لتحديات هذا العصر، وارتفاع إلى مستوى العصر أخذاً بالأسباب التي أمرنا الله بها في قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60]. فكل ما يحقق مصالح المسلمين، ويوفر لهم عناصر القوة بكل أنواعها؛ ينبغي أن نرتقي إليه، هذا هو جوهر السلفية للتعامل مع العصر، لا كما يحصل من بعض الإخوة للأسف الشديد أو بعض الناس ممن يستسلمون أمام البعد الحضاري الشاسع بيننا وبين الكفار في هذا الزمان، ولا يقوى على مواجهة الواقع الذي يتحداه، لكنه يهرب منه بشتى الأحلام، فيتوقع أننا مسلمون وموحدون وحينما نحارب الكفار ستنزل علينا معجزة من السماء، وينزل معنا الملائكة تحارب حتى لو قاتلناهم بالرماح والسهام والسيوف، وسوف نغلبهم لأننا موحدون، كلا. أنت ما طبقت الآية، ولا احترمت الأسباب وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، حينما دافع الله عن بيته الحرام بالطير الأبابيل فإنه لم يكن هناك إسلام، ولم ينزل قرآن، ولم تأت سنة، ولا قامت الأمة بعد.فلا ينبغي أن نتوقع أن ينصر الله دينه بكلمة (كن) جرى في السنة أنه لا بد من الابتلاء، ولابد من الجهاد والبذل في سبيل هذا الدين، أما مجرد النوم والأماني فيعني هذا الهروب من مواجهة الحقيقة. صورة أخرى من الهروب أمام البعد الحضاري الشاسع بيننا وبين هؤلاء: أن بعض الناس يقول: هي الحل والمخرج من البعد العظيم، وستحصل حرب نووية تدمر فيها القوة الكافرة كلها، ويقضى على كل العالم، ويبقى المسلمون ثم بعد ذلك هم الذين يقومون من جديد بالرماح والسيوف ويجاهدون ويعيدون الإسلام من جديد. هذا هروب من مواجهة الحقيقة. أولاً: البعد الحضاري، من المستطاع ملء الفجوة فيه لولا الخونة الذين أذلوا المسلمين لأعداء الله في الشرق والغرب، والذين أشركوا كل قوى الكفر في تحديد مصير المسلمين، ولم يشركوا المسلمين أنفسهم في تحديد هذا المصير، والآن يحدد مصيرنا اليهود والنصارى، ونحن لا حول لنا ولا قوة، ثم نقول: الدول لا تدفع الأموال لوجه الله حقاً ويشترون بها أولياء الشيطان ليذلوا المسلمين ويسيمونهم سوء العذاب. المقصود: أن هذا الأمر داخل في الأسباب المادية بشيء من الصبر والإصرار والهمة، وهناك قابلية لحصول نوع من التقدم بالنسبة للمسلمين يمكنهم من مواجهة أعداء الله مهما بلغ بطشهم، لكن بالعلوم الحديثة، وبالأخذ بجميع أسباب القوة وليس بالأماني ونجلس وننام ونقول: أماني إن تك حقاً تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدافلا بد من مواجهة المشكلة كما تواجه أي مشكلة أخرى واستفراغ الوسع في الأسباب، ثم بعد ذلك يجيب الله المضطر إذا دعاه، بعد ما نأخذ بالأسباب لا بالأحلام، وننتظر حدوث خوارق من السماء؛ لأن هذا لم يقع حتى مع أشرف خلق الله، نعم الله قادر أن يقول للشيء: كن فيكون، فيصبح كل من في الأرض عباد ربانيين ليس فيهم مشرك ولا مبتدع ولا ضال ولا فاسق، لكن ليس لهذا خلقت، وهذا ينافي الحكمة التي خلق الله من أجلها الخلق ليبتليهم. فالمنهج السلفي أو منهج أهل السنة والجماعة لا يعني ولا يشير إلى جيل ولا إلى أجيال مضت، ولكن تتسع دائرته لتشمل الحاضر والمستقبل. أيضاً لأنه لا يتعلق بالزمن والعصور، ولكن يتعلق باتباع طريقة ثابتة واحدة حتى وإن قل أصحابهم، فكما ذكرنا هذا التعبير: سلفية المنهج وعصرية المواجهة كأن فيه دمغاً للسلفية أنها دعوة رجعية تنافي التقدم، ولذلك احتيج لهذه الثنائية وأن يقال: سلفية المنهج عصرية المواجهة، وهذا انسياق وراء المفهوم الغربي للسلفية، فالسلفية عند الغربيين عقدة من أسلافهم الصالحين، ويسمون دائماً السلف عندهم بالقرون الوسطى المظلمة، وبالعهود المظلمة في أوروبا؛ لأن هؤلاء لهم حق في أن تصيبهم هذه العقدة من جراء ما عاناه أسلافهم من حرب للتقدم العلمي، والاكتشافات العلمية، وقهر الكنيسة وبطشها، والعقيدة الشركية التي قدمتها لهم، ومحاكم التفتيش، إلى غير ذلك مما حصل في أوروبا، وقد حكيناه في مناسبات أخرى، فكان لهذا الفعل رد فعل ظهر في فصل الدين عن الحياة، والكفر بالدين، ورفع شعار: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس، فسلفهم السيئ الظالم المشرك الوثني عقدوا، فيسمونها العصور المظلمة، فأوروبا والغرب ما رأوا النور أبداً بعد هذه القرون المظلمة، وحتى في هذا الزمان هم ما زالوا يعيشون في بربرية هي أشد من العصور المظلمة التي يعيبونها. الشاهد: أن موقفهم من السلفية هو انعكاس لمفهوم السلفية عندهم، فيقولون: السلفية رجوع إلى الوراء، حتى انساق بعض الصحفيين وراء هذا المفهوم، فدائماً يعبرون عن الرجعي بكلمة سلفي، حتى إن بعض الصحفيين في إحدى المجلات الإسلامية للأسف لما تكلم عن السلفية الناصرية، يعني: الذين يريدون أن يعودوا إلى فكر عبد الناصر ، يسمونهم: السلفية الناصرية، يعني: كل شيء يشير إلى الوراء فهو سلفي، وكما يفعل زكي نجيب محمود في كثير من مقالاته، يقولون: كيف يكون الجيل الحالي أكثر سلفية من الجيل الماضي؟ ترى البنت تمشي مع أمها البنت سلفية، وأمها متبرجة في ملابسها. هذا معنى كلامه، فيقول: كيف نجد الثورة في الشباب في كل العالم تتجه إلى الأمام، ونجد بيننا من يدعوهم إلى السلفية، يدخلون تعريف السلفية أنها رجوع إلى الوراء دائماً. كذلك أوروبا لما تخلت عن الدين، وعما كان عليه أسلافها تقدمت، أما نحن فلا يوجد مبرر أبداً أن نتأثر بهذا المفهوم عن السلفية وننساق خلفه؛ لأن أسلافنا هم خير أخرجت للناس. أعلى أنموذج بشري دب على هذه الأرض في سورة هذه الجماعة أو العصابة المؤمنة التي أخرج الله بها العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، بالنسبة لنا الأمر عكسي: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو الإسلام بهذا المنهج القويم. مما يزيد الاشتباه في هذا التعبير المهم وهو سلفية المنهج عصرية المواجهة باقي السؤال: أن هذا التعبير يشيع رداً على من يحيون السلفية في بعض القضايا التاريخية التي لم تعد تمثل معترك الإسلام في واقعنا المعاصر، فهذا مما يؤكد أن ما فهمناه في محله، وأن المقصود بهذه الثنائية الإشارة إلى البعد الزمني الذي أشرنا إليه، يعني: ما المقصود بالقضايا التاريخية، وإحياء مثل هذه القضايا التاريخية؟ كثير من الناس يشيرون بهذا التعبير، وكل من هب ودب يشنع على السلفيين؛ بأنهم يحيون قضايا اندثرت كما يفعل كثير من المشائخ، ولعلكم تتابعون ذلك، هذا فيه جناية الحقيقة على منهج أهل السنة والجماعة، وجناية معماة ومغطاة؛ لأن هذه القضايا التي يشيرون إليها هي على قسمين: هناك بعض البدع عادة أهل السنة وعلماء أهل السنة أنهم لا يبدأون بإثارة أي شيء لم يتكلم فيه السلف الأوائل، لكن كانوا كلما ظهرت بدعة وخرج المبتدعة بصورة من صور الانحراف يتصدون لهم، فيؤلفون الكتب ويناظرونه ويناقشون دلالاته من منطلق قوله تبارك وتعالى: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187]، ومن منطلق قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8]. فمن هذا المنطلق كانوا يضطرون إلى الرد على أهل البدع، وكانوا يدفعون دفعاً إلى التصدي لهؤلاء المبتدعة، فليست كل قضايا العقيدة كانت رداً على المبتدعة، وهناك منها فعلاً ما كان رد فعل لبعض الضلالات، فاضطر علماء أهل السنة أن يردوا على هؤلاء، لكن إذا انقرضت البدعة، وانقرضت بعض هذه البدع واضمحلت فالموقف الصحيح هو إماتتها والسكوت عنها، وأوضح مثال لذلك: قضية خلق القرآن. أما إذا نفس البدعة ظهرت في ثوب عصري جديد .. ظهرت البدعة نفسها، والضلالة نفسها في ثوب عصري جديد، بل تبوأت مراكز التأثير على كل صعيد، فلا شك أن كشف أمرها ودحر شبهاتها من فروض الكفايات، بل إن في ربطها بالفرقة الأم تجسيداً لخطرها، ووجوب سلوك المسلك الذي سلكه السلف الصالح معها، وما في شك أن من أبرز مميزات الدعوة السلفية: تحصين أتباعها ضد هذه البدعة؛ ولذلك لا تكاد تجد فيهم التلون والتقلب في قضايا العقيدة؛ لأن عندهم وضوح شديد في هذه الأمور الأساسية، الدولة الرافضية الخبيثة لما قامت بقيادة الخميني -عليه من الله ما يستحقه- ما اشتبهت أبداً على سلفي سواء في شرق الأرض أو في غربها؛ لأن أصول المنهج هي التي تشدهم إلى الأصل، منهج أهل السنة والجماعة يعطيهم البصيرة في الحكم على مثل هذه الفرق من أول نظرة: بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27]، بخلاف غيرهم ممن يهملون العقيدة، بل يعيرون السلفيين بالاهتمام بالعقيدة ممن ذهبوا إلى الخميني ، وذهبوا إلى الشيعة وبايعوه على إمامة المسلمين، وقالوا: رضينا بـالخميني إماماً وزعيماً، وقالوا للشيعة: نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، فيم تعذرهم؟ في لعن الصحابة؟ ! تعذره في تكفير أبي بكر وعمر وسائر الصحابة؟ ! وأن الأمة كلها ارتدت بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يبق على الإسلام إلا خمسة؟ ! تعذرهم في تكذيب قوله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]؟ لو كانوا يعرفون ما معنى أهل السنة والجماعة التي ينتسبون إليها كانتساب العوام؛ بل العوام أسلم من هذه الحيثية، فلما غاب عن أنظارهم صفة الفرقة الناجية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة: هي الجماعة}، جماعة الصحابة، أو كما جاء في رواية أخرى ضعيفة: {هي ما أنا عليه وأصحابي}، أو: {هي من كان ما أنا عليه اليوم وأصحابي}؛ لكنها صحيحة المعنى، فإذا كانت الفرقة الناجية هي على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهل يمكن أن الفرقة الناجية تخذل؛ بحيث أنها تقع في موالاة من يكفرون أصحابه ويلعنونهم ويصفونهم بالزندقة؟ ! هل هذا يعقل؟ ! هذه ثمرة إهمال قضايا العقيدة التي لمسناها في كثير من المواقف، ليس فقط في هذه القضية.الشاهد: أن البدعة إذا ظهرت من جديد فالرد عليها ليس إحياء لقضايا تاريخية؛ بل هو حالة دفاع عن النفس، أو بتعبير أدق: دفاع عن العقيدة التي هي أعظم الحصون والسدود التي تحمي الأمة، فإذا انهار خط الدفاع الأول الذي هو العقيدة ينهار بعده كل شيء في هذه الأمة.فتوعية المسلمين والشباب ضد هذه البدع، وتحصينهم إذا شاعت البدعة من جديد في مجتمعنا لا يسمى هذا إحياء لقضايا تاريخية قد اندثرت، مثلاً: قضايا التوحيد.. قضايا الأسماء والصفات.. الكلام على ضلالات الصوفية، هل هذه قضايا تاريخية اندثرت، أم أن هذا واقع نعيشه ونلمس آثاره؟ ! وبالذات في بلاد الأعاجم ومع الأعاجم من المسلمين.كنت قريباً مع شاب يعيش في بريطانيا من مورشت التي هي الجزيرة التي بجانب مدغشقر في جنوب أفريقيا في الشرق، هذا يتبع فرقة صوفية تسمى النقشبندية، وشيخهم الكبير موجود في جزيرة قبرص، يحكي أشياء عن شيخه بمنتهى الانبهار؛ من أنه يعلم الغيب، وأنه يعلم ما في الأرحام، وأنه يعلم ما يكون غداً، قلت: هذه صفات الإله! يقول: لا، لكن الله هو الذي يعلمه! ! ضلال في ضلال.يقول: إن الحائط انشق لشيخه، وظهرت هالة من النور، ثم أتاه النبي صلى الله عليه وسلم حاملاً طفل صغير، ويقول له: هذا هو المهدي، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام سلمه المهدي حتى يعمله الطريقة إلى حين خروجه، وأن المهدي الآن موجود.فيقول لي: إن شيخه الآن يقوم بتعليم المهدي.فهل حينما نتكلم في التحذير من ضلالات الصوفية، والقديانية والبهرية وهذه الفرق الضالة، وتوعية الناس بالعقيدة، هل في هذا إحياء لقضايا تاريخية، أم أن هذا شيء نعيشه الآن؟أما المعتزلة فتكاد تكون الآن مسيطرة على مرافق التعليم في الجامعات، في أقسام الفلسفة وغيرها، يكاد الفكر المعتزلي هو الفكر الذي يتستر خلفه العلمانيون الآن، الذين لا يريدون أن يطعنوا في الإسلام صراحة؛ حتى لا تنكشف حيلهم؛ لكن يتسترون وراء هذه الفرق ويحيون هذه المناهج، وبالذات منهج المعتزلة. القدر كمثال: هل الكلام في القضاء والقدر إحياء لقضايا تاريخية ماتت واندثرت؟ كلا. هذا عدم فهم لأصل الإسلام، هل كل قضايا العقيدة هي ردود فعل؟ أم أنه يجب على كل مسلم أن يتعلمها ابتداء حتى يستحق وصف المؤمن، وإلا فما معنى حديث جبريل؟ ! {ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى}، ما معنى هذا؟ كيف نؤمن بالقدر؟ عامة الناس لا يعرفون القضاء والقدر إلا عند نزول المصائب، يقول: هذا قضاء وقدر! كما كانوا يسألون في التحقيقات سؤال أساسي: هل مقتل الفريق بدوي كان قضاء وقدر، أو مدبر؟ فالحادثة الفعلية كلها بقضاء وقدر، فليس لديهم فهم للقضاء والقدر.والسؤال المشهور بين الشباب الفارغ الخاوي: الإنسان مخير أم مسير؟ هذه قضية القضاء والقدر فقط، أما قضية القدر بمعنى حقائق وقعت في الغيب يخبرنا بها الوحي الصادق حتى تستقر في قلوبنا، وعقيدة لنا تشكل مفهوماً لنا من صلب الإيمان! فهذا ليس عندهم خبر فيه، وعامة المثقفين تجدهم قريبين جداً من القدرية.فالقضاء والقدر عقيدة كسائر العقائد لابد أن نتعلمها من مشكاة النبوة حتى نستحق وصف المؤمن، المؤمن هو الذي يؤمن بالقضاء والقدر، وفي الأحاديث: {ان مت على غير ذلك دخلت النار}، أو {لم تفلح أبداً}، كما قال عبادة بن الصامت لابنه عند الموت: إن الإيمان بالقضاء والقدر هو أعظم سبب من أسباب النجاة.إذاً: قضية مثل هذه القضية أنا أذكرها كمثال وليست مجرد رد فعل، وحدث تاريخي؛ لأن البدع قام المسلمون بالرد عليها، وإذا افترضنا عدم وجود هذه الفرق الضالة، سيبقى واجب علينا أن نتعلم العقيدة، نعرف كيف نعرف الله؟ هذا أصل أصول الدين، معرفة الله، أما هم يسخرون من هذه القضايا ويرفضونها، ويشتغلون بالقضايا النظرية التي لا عمل من ورائها، وهل قضايا العقيدة لا عمل من ورائها؟ بل إن وراءها أخطر الأعمال الذي هو عمل القلب: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:225].قضية الأسماء والصفات، دائماً يبرزونها على أنها أيضاً قضية جدلية، وربما بعض العلماء اضطروا للكلام بالتفصيل في قضايا العقيدة بطريقة كلامية كرد فعل للبيئة الثقافية التي كانت تواجههم وطبيعة أهل البدع في زمانهم كـشيخ الإسلام وغيره، وصحيح أنه يجب أن تبتعد عن هذا الخوض الكلامي الجدلي أو يفرغ فيه المتخصصين، لكن عموم المسلمين يبقى عليهم واجباً أن يعرفوا ربهم.والغريب أن كل الفرق تجعل معرفة الله عز وجل والتوحيد أصل أصول الدين، حتى الفرق الضالة كالمعتزلة أو الخوارج وكما سماه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى وهو من أئمة أهل السنة: بالفقه الأكبر، وسمى الأوراق التي جمعها في العقيدة: الفقه الأكبر، وذلك بالنسبة إلى فقه الفروع.فالشاهد من هذا الكلام: أننا ابتلينا ببعض الجهلاء في هذا الزمان، حتى ما تعارف عليه أهل البدع في القرون الماضية هم لا يصلون إلى مستواهم، يقولون: هذه قضايا جدلية، وأحياناً نجد بعض هؤلاء يأتي بهذه القضايا في صورة نكت يضحك عليها الناس، كالسواك، والجلباب، واللحية إلى آخر المنظومة التي تحفظونها، ولا يدرون أن إيمانهم يكون في خطر بهذا الضحك، يضحكون على شعائر الإسلام بحجة أنهم يهتمون بعظائم الأمور، وهؤلاء الناس يهتمون بالسفاسف، فهذا خطر عظيم، وينبغي أن من يوجد في هذه المجالس يقوم وينكر على المستهزئ بآيات الله، ويحذره نصيحة له من هذا الخطر، ويتداول الناس الأشرطة كما يتداولون شرائط الأغاني والأشياء المضحكة، فهذا شيء لا ينبغي السكوت عليه، أن يجعل الناس يضحكون على شعائر الإسلام ويسخرون منه، وهذا ليس بالأمر الهين.الشاهد: أن العقيدة ينبغي أن تشغل المساحة العظمى في خريطة الدعوة الإسلامية، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول لله، ويؤمنوا بي وبما جئت به}، فهذا مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.على أي الأحوال: إن فضح سبيل المجرمين سواء كان غزوهم للإسلام من الداخل أم من الخارج فهو من المقاصد الأساسية لهذه الشريعة: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55]، وليست كل القضايا التي تناقشها السلفية هي قضايا تاريخية، وربما أحياناً حصل فعلاً في بعض العصور -كرد فعل للبيئة الثقافية- إطالة واستطراداً كثيفاً في بعض هذه القضايا التاريخية، وحتى ربما قضايا كلامية وفلسفية، ولكن هذا نرفضه ولا نتبعه إذا لم يوجد في عهدنا مثل ما وجد عندهم؛ لكن يبقى بعد هذا أصل الدين وقضايا التوحيد لا بد أن تتعلمها حتى تستحق وصف المؤمن، تؤمن بالله، كيف تؤمن بالله؟ تؤمن بملائكته، كيف نؤمن بالملائكة؟ يعني تستوعب النصوص، هل نؤمن بالملائكة عن طريق العقل؟ لا. سبيل للعقل كي ندرك هذه الأشياء، كيف يعرف العقل أن الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]؟ من أين يأتيه هذا الخبر؟ كيف يعرف كل النصوص التي وردت في أسماء الله وصفاته تبارك وتعالى؟ العقيدة تعرف عن طريق التلقين، والتلقين يكون عن طريق الوحي، ونحن نأخذ هذه الأخبار لتستقر في قلوبنا ونصدقها؛ حينئذ نستحق وصف الإيمان.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان والكفر [29] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net