اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان والكفر [23] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


الإيمان والكفر [23] - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
لقد كان كتاب معالم في الطريق هو خلاصة منهج سيد قطب رحمه الله في الحياة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة في الأوساط الفكرية؛ لما يحمله من أفكار تعيد ذكرى إعدامه، والأجواء التي سادت ذلك الوقت، ونحن لا نستطيع أن ننكر نشاطات الرجل الدعوية والحركية التجديدية التي تُوجِّت بالصمود حتى الموت، ولكن لا يعني هذا العصمة من الخطأ، فإن هذا ليس لأحد من الخلفاء الراشدين ولا لمن بعدهم من التابعين فضلاً عن رجال هذا العصر.
لمحة موجزة عن تفسير الظلال
أما بعد:فقد شرعنا في دراسة حول قضية المنهج عند الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وذكرنا أن المنهج عند الأستاذ سيد رحمه الله يتركز بالذات في كتابه: معالم في الطريق، وذكرنا أن معالم في الطريق هو خلاصة تفسيره للقرآن الكريم، وهو: في ظلال القرآن، وقد أخذ الأستاذ سيد رحمه الله عهداً على نفسه حينما شرع في كتابة تفسيره في ظلال القرآن: أن يبتعد عن الموضوعات اللغوية والنحوية، والقضايا الجدلية والكلامية، وأيضاً المسائل الفقهية، وذكر أن الإسراف في ذلك يحجب القرآن عن روحه، ويستر جمال النص القرآني الأخاذ.قال رحمه الله تعالى: كل ما حاولته ألا أغرق نفسي في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية تحجب القرآن عن روحي، وتحجب روحي عن القرآن، وما استطردت إلى غير ما يوحيه النص القرآني ذاته من خاطرة روحية أو اجتماعية أو إنسانية، وما أحفل القرآن بهذه الإيحاءات.اختلف الكاتبون في علوم القرآن وفي التفسير في موقع كتاب الظلال بالنسبة لغيره من أنواع أو اتجاهات التفسير، فهناك اتجاه التفسير بالمأثور الذي يتصدره تفسير الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله، وتفسير الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله، هناك التفسير بالمعقول أو بالرأي وهو ينقسم إلى مذموم ومحمود، وهناك التفسير اللغوي أو الأدبي أو البياني وغير ذلك؛ فبعض هؤلاء كالأستاذ الدكتور محمد الصباغ حفظه الله صنف كتاب ظلال القرآن في ضمن التفسير البياني للقرآن، أي: الذي يركز على النواحي البيانية واللغوية، ليس المقصود النواحي اللغوية كما فعل مثلاً أبو حيان في البحر المحيط، وإنما المقصود التذوق البلاغي لجلال وروعة القرآن، لكن ما من شك هو ليس تفسيراً بالمأثور الذي ينضبط بقواعد علوم التفسير الذي ذكرها الكاتبون في علوم القرآن، لكن مع ذلك هو ذكر أنه عبارة عن تفكير، وليس تفسيراً بالمعنى المتعاهد والمعروف حينما يذكر اصطلاح التفسير، فهو تفكير كما ذكرنا قد يصيب فيه المفكر وقد يخطئ، وهو عبارة عن انفعالاته الروحية، وتذوقه الأدبي لنصوص القرآن الكريم، ومع موهبته الأدبية -التي سبق أن أشرنا إليها- فإن هذا التفسير كما يقول الدكتور الصباغ حفظه الله: يمتاز هذا التفسير بأسلوب مؤلفه الموهوب، فهو يعرض موضوعات القرآن ومعانيه بأسلوب أدبي حي أخاذ سهل بليغ، فقد اجتنب كثيراً من المصطلحات العلمية التي نعثر عليها في كتب التفسير، فكان كتابه سائغاً مفهوماً مقبولاً من جماهير القراء، على أنه كان يكثر من استعمال بعض الكلمات التي تكاد تكون خاصة به، وإن الذي يألف أسلوب المؤلف يستطيع أن يدرك بسهولة معناها، لا سيما وأنه قد شرح بعضها في كتابه التصوير الفني في القرآن، ومن الطبيعي أن نجد في كتابة الكتاب الكبار بعض الكلمات التي يكثرون من تردادها، كما نجد بعض الجمل الخاصة التي تعد مظهراً من مظاهر الأساليب الشخصية.يقول: أيضاً يعالج هذا التفسير الموضوعات القرآنية، والحقيقة هذا هو سر هذه الحرارة العالية التي يتضمنها أسلوب الأستاذ سيد قطب عموماً في المرحلة الثالثة بالذات الأخيرة، وبالذات في كتابيه المعالم والظلال، سر هذه الحرارة العالية، والحماس الصادق نحو قضايا الإسلام، هو: أنه عالج الموضوعات القرآنية باعتزاز بالإسلام يفوق الوصف، وإيمان به، وبعقلية حركية تدعو إلى استئناف العمل بالقرآن في قوة وصراحة وحيوية، وإلى إعادة سلطان القرآن على الحياة الإنسانية في نطاق الأفراد والأمم والعالم كله، كما عالج هذا التفسير بوعي عميق أصيل، وبحرارة بالغة، وعاطفة كريمة صادقة قضايا المسلمين الفكرية والاجتماعية والسياسية، كما ألم بقضايا الفكر المعاصر والحضارة القائمة، وأعلن بكل وضوح وتصميم: أن المبادئ القرآنية هي ما تحتاجه الإنسانية في أزمتها الراهنة اليوم، ويتمتع المؤلف بتحرر تام من كل قيود العبودية الفكرية التي يوصف بها عدد من المفكرين المعاصرين، وهو على معرفته بحضارة الغرب لم يكن مأخوذاً بها، ولا مأخوذاً بالجوانب البراقة فيها، كان يقدرها حق قدرها، ويقومها التقويم السديد، ويحذر من سيئاتها ومن مساوئها التي تزحف على ديار الإسلام، وتهدد حياتهم كلها، والمؤلف يضع العقل في محله الذي ينبغي أن يوضع فيه، دون أن يغلب العقل بتحميله ما لا يقوى على حمله، ودون أن يعطله فلا يسخره فيما خلقه الله له، ويربط المؤلف بين آيات القرآن التي فيها النور والهدى، وبين واقع الجيل العظيم الذي تلقى هذا القرآن ليعمل به، ويقيم جوانب حياته عليه، وهو في تفسيره يدعو المسلمين إلى أن يأخذوا أنفسهم بالجد، ويعملوا بالقرآن كما فعل أهل الصدر الأول زمن النبوة، ويحثهم على الانقلاب من واقعهم المريض المتخلف ليكونوا سعداء في بلادهم، وليسعدوا الإنسانية كلها؛ لأنه يقرر أن المسلمين يملكون بهذا القرآن ما لا يملكه أحد سواهم في الدنيا، وليس عليهم إلا أن يكونوا هم الواقع الحي لمبادئ الإسلام لتجد فيهم الإنسانية المعذبة الشقية طلبها.يقول الدكتور الصباغ : وأخيراً: فإن هذا التفسير يبرز قضية وحدة الرسالات السماوية التي بعث الله بها أنبياءه ورسله؛ إذ كانت جميعاً تدعو إلى التوحيد، وإسلام النفس لله وحده في الطاعة والعبادة.هذه بعض الفوائد الجيدة، والثمار الزكية التي تقتطف من تفسيره في ظلال القرآن، لكن كما ذكرنا من قبل: أن هذا الكتاب ليس خلواً من بعض المؤاخذات التي قد يتجاوز عنها إذا تذكرنا أن أسلوبه أسلوب الأديب الذي قد يسترسل مع مشاعره وإيحاءات الكلمات، لكن إذا قسنا بعض القضايا التي خلف من بعد الأستاذ سيد قطب رحمه الله خلفاً حملوها ربما فوق ما تحتمل، أو كانت هي بالحقيقة هذه النصوص من كتابيه تحتمل ما وقعوا فيه من اتخاذها أصولاً وقواعد يبنى على أساسها مذهب أو منهج أو اتجاه فكري محدد المعالم، لا يوافق ما عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، وبالذات في قضية الكفر والإيمان، فتقبل مثل هذه التوجهات في مجال الدعوة العامة من قبل حث المسلمين على هذه القضايا التي أشرنا إليها آنفاً من بث روح الاعتزاز بالإسلام فيهم، والاستعلاء على المناهج الكفرية، وفضح وكشف سبيل المجرمين... إلى آخر هذه الميزات التي نقرها جميعاً ولا ننكر فضلها وشدة حاجتنا إليها.لكن أين نضع مثلاً معالم الطريق في المكتبة؟ وأين نضع كتاب: هل نحن مسلمون مثلاً للأستاذ محمد قطب رحمه الله؟ هل يوضع بجوار شرح العقيدة الطحاوية، أو معارج القبول، أو السنة لـابن أبي عاصم ، أو شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، أو غير ذلك من كتب العقيدة؟ أم أنه يوضع في الجانب الفكري من المكتبة، كتاب مثلاً: هل نحن مسلمون؟ هل نعامله على أنه يقصد بذلك أننا كفار؟ ولابد أن ندعوا الناس إلى الإسلام من جديد؛ حتى يدخلوا في الإسلام، ويستأنفوا إسلامهم، أم أنه عبارة عن محاولة لإيقاظ الروح الإسلامية عند المسلمين لتنبيههم ضد مؤامرة أعداء الإسلام، أو من الغزو الفكري الذي يتلون بألوان وصور شتى؟ فمن الظلم مثلاً لكتاب: هل نحن مسلمون؟ أن نضعه مع كتب التوحيد الاصطلاحية والعلمية المقعدة لمنهج وضوابط وقواعد وأصول أهل السنة والجماعة، فهكذا ينبغي أن نتعامل مع هذه الكتب، فعند الانضباط عند التقريب والتأصيل والمحاكمة بالميزان العلمي الدقيق، فينبغي أن نعود إلى علماء أهل السنة والجماعة، ورموز أهل السنة والجماعة في كل العصور الذين ضبطوا هذه المسائل وقعدوها، وكما ذكرنا من قبل قضية: من هو المسلم؟ من هو الكافر؟ بم يخرج المسلم من الإسلام؟ بم يدخل الكافر في الإسلام؟ ليست قضية غفلت عنها الأمة أربعة عشر قرناً، هذه القضية حسمت منذ القدم، وموجودة في كتب الردة من كتب الفقه، وغيرها من كتب التوحيد وواضحة وضوحاً يغنينا عن محاولة الاجتهاد من جديد في تحديد كيفية التعامل مع هؤلاء الناس.
 

تتمة مناقشة قضية المنهج عند سيد قطب في (معالم في الطريق)
لا نستطيع أن ننكر أن الأستاذ سيد رحمه الله كانت في نشاطاته الدعوية والحركية مظاهر يمكن أن نسميها تجديدية باعتبار أنه جدد هذه المشاعر، وتوج كل هذه الحسنات بأن صمد وثبت عليها حتى دفع حياته ثمناً لها في سبيل الله إن شاء الله تعالى، لكن لا يعني هذا العصمة من الخطأ؛ فإن هذا ليس لـأبي بكر ولا لـعمر ولا للخلفاء الراشدين، ولا لأئمة الإسلام في كل العصور، فمن مقتضى النفس ومن مقتضى أدب العصمة: أن يؤخذ من قوله ويترك كما فعل مع أئمة الإسلام في كل العصور، كما جاء في الحديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فإذا هذه فضائله مبثوثة في كل مكان، ومحبته يدين الناس بها لله، ويتقربون إلى الله بحبه والدعاء له جزاء ما صمد أمام الطغيان، وجزاء ما قدم للدعوة الإسلامية، والحركة الإسلامية، لكن لا يعني هذا أن هذه المحبة تجعلنا نغفل عن بعض المزالق التي وقع فيها بصفته البشرية، وقد نبهنا عليها عدة مرات، وكما يقول الشاعر:كفى المرء نبلاً أن تعد معايبهفمن النبل أن تعد معايب الإنسان، ويقول الآخر:وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيعفلابد أن نفصل بين الحق وبين الرجل، الرجل يمكن أن يكون معه الحق، ويمكن أن يكون ليس معه الحق، أما الحق فهو حق دائماً لا تتخلى عنه هذه الصفة في وقت من الأوقات، فعلى هذا الأساس شرعنا الأسبوع الماضي في تلخيص ندوة الجهاد في الفكر الإسلامي المعاصر التي عقدت بالإمارات، وكان موضوعها: قضية المنهج عند الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وقدم البحث الأساس فيها الدكتور جعفر شيخ إدريس حفظه الله، ودارت المناقشة من كثير من أعلام الدعوة في هذا الزمان، ويكاد الجميع متفقون على وجود مؤاخذات في موضوع المنهج عند الأستاذ سيد قطب رحمه الله، وإن اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا، فبعضهم يقول: إنها نصوص أسيء فهمها، وبعضهم يقول: إن هذه كانت بسبب الطابع الأدبي الذي غلب عليه جعله يسترسل في هذه القضايا، وبعضهم قال: السبب هو الجانب النفسي، والظروف النفسية التي ألف فيها الكتاب. إلى غير ذلك، لكن هذه الخيوط كلها تؤدي إلى مؤدى واحد وهو: أن هناك مؤاخذات، وعند ميزان هذه الأفكار تتضح هذه المؤاخذات.
  خاتمة البحث في منهج سيد في كتاب المعالم
أختتم الكلام بتعليق الدكتور جعفر شيخ إدريس على المناقشات حول بحثه، قال الدكتور جعفر حفظه الله: لقد عجبت لبعض الإخوان الذي طلبوا مني أن أتحدث عن كل فكر سيد قطب ؛ لأن طريقتي في البحوث التي تقدم للمؤتمرات أن أتكلم عن جزئية واحدة، فأنا لا أكتب كتاباً، وإنما أكتب بحثاً في حدود عشرين صفحة، ولقد دلتني تجربتي على أنه إذا كان البحث أكبر من ذلك فإنه لا يقرأ، وأنا في البحث أتحدث عن قضية جزئية هي المنهج، والمنهج في كتاب المعالم، وأما: ولماذا كتاب المعالم؟ فلأنه -كما قلت- أكثر الكتب الإسلامية انتشاراً، وأكثرها تأثيراً، لهذا اهتممت به، وكما قال بعض الإخوان: فإنه يمثل مرحلة من مراحل سيد قطب رحمه الله.ومن خصائص سيد قطب في هذا الكتاب أنه ينتقد نفسه، أي: ينتقد المراحل التي تحدث فيها عن العدالة الاجتماعية، ومعركة الإسلام والرأسمالية، وأنا لا أوافقه على ذلك، بل أعتقد أن هذه الكتابات كانت مهمة لما يسميه هو قضية العقيدة. وهذا مثل قول بعض العلماء: إن شيخ الإسلام في آخر حياته في سجنه الأخير ندم على الوقت الذي أنفقه في المجادلة الكلامية والرد على أهل البدع والمناطقة والفلاسفة وغيرهم، وأنه كان يود لو أنه اشغل هذا الوقت بالقرآن وبتدبر القرآن؛ لما شعر من عظم الفائدة التي فتحت عليه لما خلا بالقرآن، ورد على ذلك بعض الناس وقالوا: لو أن ابن تيمية لم يكتب هذه الأشياء لحرمنا من خير كثير عرفناه من خلال ردوده على هؤلاء.كذلك هنا الأستاذ سيد في مقدمة المعالم انتقد نفسه في المراحل السابقة في كتاب: (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، و(معركة الإسلام والرأسمالية)، والكتابات الأولى. فهنا يقول الدكتور جعفر : أنا لا أوافق على ذلك. ويذكر دليله على أنه لا ينبغي انتقاد هذه المؤلفات الأولى، يقول: كنت قبل أن أقرأ كتب سيد قطب منضماً إلى جماعة سلفية في السودان، وكنت أعرف عنها تفاصيل العقيدة، وما أظن أنه كانت لي مشكلة، ولكن حينما واجهت الشيوعيين وقالوا لي: إن الإسلام ليس فيه نظام اقتصادي .. إلى آخره أصار حكم بأني -وأنا طالب بالثانوية آنذاك- شعرت بالزعزعة، والذي رد إلي اليقين والاطمئنان هو كتابات سيد قطب في تلك المرحلة، فالذي أنتقده عليه أنه ظن أن الدخول في هذه التفاصيل من اقتصاد وغيره لا يكون إلا لشيء عملي للدولة، لكنه مهم من الناحية الفكرية كما دلتنا تجربتنا، فأنا لا أتحدث عن كل ما كتب سيد قطب ، وإنما أتحدث عن قضية واحدة في كتاب واحد. ثم قال: إن هذا الكتاب -المعالم- ناقشناه في السودان منذ سنين طويلة؛ لأن السودان في ذلك الوقت كان ينعم بالديمقراطية، ومن دون البلاد العربية الأخرى كما أظن، وكان رد فعل الكتاب واضحاً عند الناس، وكانوا يناقشونه، لذلك قضيت شهرين في جلسات عامة كهذه في الجامعة تناقش كتاب: (معالم في الطريق)، وما أستطيع أن أصف لكم كيف كان رد فعل الطلاب عندما أقول لهم: إن سيد قطب أخطأ هنا وأخطأ هناك. حتى إن أحدهم قال لي بعد أن كبر وتخرج من كلية الشريعة: كنت في البداية لا أقبل شيئاً مما قلت. لكنه بعد التفكير وبعد أن مر بخبرات كثيرة قبل بعض ما قلت، ثم إن هذا أصبح له منهجاً، وأصبح لا يقبل الكلام الذي يقال له في الكلية إلا بدليل، قلت له: لقد قلت لنفسك: ما دام سيد قطب قد أخطأ فمن مالك ؟ ومن الشافعي وغيرهما؟ ومع كل هذا فلا ينبغي أن نقلل من تأثير سيد قطب رحمه الله، سواء تأثيره بشخصه أم بكتبه، خاصة كتاب المعالم.أما مسألة الصحابة فلم أذكرها؛ لأنها مسألة أقرها، ولقد أقرها الدكتور القرضاوي حيث قال: إن بعض الأفراد وصلوا إلى هذه الدرجة. ولكن قد يؤخذ عليه المنهج؛ لأنه علق هؤلاء الشباب بشيء لا يمكن أن يصلوا إليه، وهذا يصيبهم بشيء من الإحباط، وتكلمنا عن هذه النقطة بالتفصيل من قبل. أما مسألة المجتمع الإسلامي فـسيد قطب يعتقد أن الشيء المثالي هو الذي يذكره القرآن، وأنه هو الصورة الوحيدة، وكل ما نقص عنها فليس بإسلام، وهو بذلك علق الشباب بصورة مثالية لا يستطيعون أن يصلوا إليها، وأعطاهم صورة للمجتمع الإسلامي، أو لنظام الحكم الإسلامي ما زالت مؤثرة في كثير من الناس، وكل شيء ينقص عنها فهو ليس إسلامياً، وبذلك لا توجد حكومات إسلامية، ولا مجتمع إسلامي منذ عهد الخلفاء الراشدين كما يرى كثير من الناس.وأقول: إن هذا ضار من ناحية المنهج؛ لأن سؤالاً ملحاً سيظل يسأله الإنسان لنفسه: من أنت؟ ومن هؤلاء الذين يستطيعون أن يحققوا في القرن الخامس عشر ما لم تستطع أن تحققه كل أجيال المسلمين طول هذه المدة مع كل ما نعرف فيها من قمم شامخة في العلم وفي السلوك؟! وأظن أن الذي نهتم به ينبغي أن لا يكون تبرئة سيد قطب رحمه الله مما قال، مع أني لا أدري ماذا كان يعني بالضبط؟ ولكن كلماته إذا أخذناها على ظاهرها تدل على ما قلت، وأهم من ذلك: أن الناس فهموا من هذه الكلمات هذه المعاني التي ننتقدها وفهموها على غير تواطؤ منهم، فقامت عندنا جماعات في السودان في الستينات تقول مثلما قالت جماعات في مصر وفي اليمن من غير اتصال بينهم ولا تعارف، وكان الجامع بينهم هو هذا الكتاب.أما مسألة معابد الجاهلية فأذكر أن بعض هؤلاء الذين كانوا يأتونني كانت أهم قضية يتحدثون معي فيها هي اعتزال معابد الجاهلية -أي: المساجد-، فقلت لهم: والله إنكم شياطين، فأرجى عمل عندي هو أن أذهب إلى المسجد، وأنتم لا تقولون لي: اترك الجامعة، أو اترك السوق، وإنما تقولون: اترك المسجد باعتباره من معابد الجاهلية. فتلك ظاهرة فهمها الناس من فكر سيد قطب ، وتهمنا في تصحيح مسار الحركة الإسلامية.وأقرر أن سيد قطب لم ينكر الفقه ولم ينكر السنة، ولكنه كان يقول: في هذه المرحلة الأولية ينبغي أن لا نهتم بالفقه. نعم إنه تأثر بـأبي الأعلى ، ولكن تأثره بـأبي الأعلى كان بالكتابات الأولى لهذا الأخير، فلـأبي الأعلى كتاب اسمه: (منهاج الانقلاب الإسلامي)، وهو -أيضاً- صورة مثالية لا يمكن أن تتحقق، ولكن لأن أبا الأعلى كان يقود حركة ويعمل ويواجه الناس، الأمر الذي لم يتح للأستاذ سيد قطب رحمه الله الذي ظل طوال المدة مع كتبه ومع فكره، من أجل ذلك فقد غير كثيراً من هذه الأفكار المثالية، ومنهاج الانقلاب الإسلامي الذي كنت أحفظ بعض عباراته وكنت متحمساً لها، مثل: إن الناس الموجودين الآن في هذا المجتمع لا يصلح أحدهم لأن يكون جندياً في المجتمع الإسلامي. وهذه صورة مثالية أخذها سيد قطب عنه، كما أخذ عنه مسألة تفسير (لا إله إلا الله).فـسيد قطب لا يقول فقط: إن المجتمع الذي يستحل ما حرم الله كافر؛ لأن هذه مسألة معروفة، وما كانت تثير جدلاً، ولكنه يقول كلاماً خطيراً، خاصة إذا أخذنا كلماته بظاهرها، وأظن أن مشكلة سيد قطب رحمه الله: أن دراساته الأولى كانت في النقد الأدبي حيث يباح للإنسان الاسترسال، وأن يقول ما شاء من الكلمات؛ لأنه شيء لا ينبغي أن ينبني عليه عمل، وإنما هو يتذوق نصاً أمامه، فهو أولاً لم يكن فقيهاً، لم يكن فيلسوفاً، لم يكن منطقياً، لم يكن قانونياً، تلك كانت دراساته الأولى، لهذا فإني أحذر من أخذ كلماته على ظاهرها، ولكننا لا نستطيع أن نقول لكل الناس: افعلوا هذا. خاصة في مثل قوله: إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة، فالأمة المسلمة ليست أرضاً كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوماً كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي.بهذا نكون مررنا على البحث والتعليقات التي كانت عليه.
اتجاهات التكفير.. نشأتها وتطورها
بقي في قضية المنهج عن سيد قطب رحمه الله كلاماً نضيفه من كتاب المستشار سالم علي البهنساوي ، الكتاب يحمل اسم: الحكم وقضية تكفير المسلم، تكلم فيه عن بدء نشوء اتجاهات التكفير في الستينيات، وذكر أن بعض هؤلاء الشباب انتهوا في حماسهم إلى القول بمقاطعة المجتمع الذي يعيشون فيه حتى لو صلى أفراده وصاموا وحجوا، وهذه المقاطعة تتمثل في أمور الانعزال، مثلاً: مقاطعة المساجد؛ لأن الصلاة فيها خلف أئمتها تتضمن الشهادة لهم بالإيمان وهم كافرون. الهجرة إلى الصحراء أو الكهوف والجبال؛ لأن ذلك هو السبيل الذي سلكه النبي لإقامة دولة الإسلام.التوقف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المجتمعات كافرة وليس بعد الكفر ذنب، بل عدم المساهمة في أي إنتاج؛ لأن ذلك يؤدي إلى تماسك المجتمع الجاهلي، ثم ذكر أيضاً بعض العبارات التي اعتمد عليها هؤلاء الشباب من كلام سيد قطب رحمه الله في الظلال والموجودة أيضاً في كتابه: المصطلحات الأربعة.
  قضية الجماعات المؤمنة
إن موطن الداء في هذه القضية هو الشبهات التي أثارها كل من الشهيد سيد قطب وأستاذنا المودودي رحمهما الله، أو غيرهم ممن يصفون المجتمعات بالجاهلية، فقد علمنا أن هذا الوصف قد يراد به جاهلية الكفر والاعتقاد، كما في قول الله عز وجل: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )[المائدة:50] .وقد يطلق على المجتمعات المؤمنة، وهنا يراد به جاهلية المعصية والعمل، باختصار هو يذكر مثلاً قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ )[الأحزاب:33]، فلو أن امرأة مسلمة مؤمنة موحدة تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لكنها متبرجة، وتصلي إذا جاء وقت الصلاة وتغطي نفسها وتصلي، هل هذه كافرة مثل التي لم تشهد الشهادتين؟ وإذا حدثت تقول: لعل الله يهديني أو يتوب علي .. إلى آخره هي لم تستحل معصية التبرج، ولكنها قبلت عقيدة الإسلام، وشهدت الشاهدتين، هل هذه تعتبر كافرة؟ هذه فيها تبرج الجاهلية الذي جاء في القرآن، لكن هل لأنها متبرجة تصير كافرة بمجرد فعل التبرج وإن لم تستحله؟ فهذا فعل من أفعال الجاهلية، ولذلك ترجم البخاري وبوب لبعض الأحاديث فقال: باب المعاصي من أمر الجاهلية، واستشهد بحديث أبي ذر ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : {أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية} لكن شكري مصطفى وأشياعه فهموها على أن هذه جاهلية الكفر والخروج من الملة، والمقصود: أن هذا خلق من أخلاق الجاهلية، وفرق بين أن تصف شخص بأنه جاهلي كافر وثني مشرك وبين شخص فيه جاهلية.والعجيب أنهم انتهوا إلى كفر الإمام البخاري نفسه، كما صنع شكري مصطفى لما قال بنفسه: نقبل الأحاديث ولكن هو كافر، وأي واحد يقول: هناك كفر دون كفر فهو خارج الدائرة تماماً، وكافر وخارج من الملة.كنت أناقش بعضهم وهو الآن في أعلى المناصب في جماعة التكفير وكان زميلاً لي في الثانوية، وكنت أناقشه في بداية ارتباطي بهذه الجامعة، فكنت أقول له: قال الإمام النووي كان يقول: يطلع ابن تيمية فنقول له: النووي يقول كذا وكذا! يسخر من الإمام النووي رحمه الله تعالى، فالاستخفاف بالعلماء، وتكفير العلماء، وتكفير الأمة منذ قرون عديدة وأنها ما عرفت إسلاماً، وكانت تنتظر حتى تأتي هذه الطائفة المنقذة ويولد الإسلام من جديد، سبحان الله! هذا ضلال مبين، هذا على شدتهم على أهل الإسلام كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام في صفة الخوارج: {يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثا}، فتجد الشدة والغلظة والجفاء مع أهل الإسلام، وتجد الرقة والوداع مع أهل الأوثان.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان والكفر [23] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net