اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان والكفر [21] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


الإيمان والكفر [21] - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
سيد قطب هو أحد النجوم الساطعة في سماء الفكر الإسلامي، وأحد شموس التجديد والنداء إلى العودة إلى منهج الإسلام الصحيح، وقد عاش حياة متدرجة كان آخرها معالم في الطريق، وقبل ذلك خاض حروباً ضارية مع مخالفيه من رجال الدعوة والفكر والثقافة والسياسة.
منهج سيد قطب

  مكانة سيد قطب الاجتماعية
سيد قطب رحمه الله لم يكن نكرة في المجتمع المصري، ولم يكن شاباً مغموراً، لكنه كان علماً بارزاً من أعلام الأدب والفكر، وإذا تلونا أسماء الناس الذين كان يعرفهم ويعرفونه لزاد وضوح هذه الفكرة عندنا، وبالتالي وجدنا كيف أن الله تبارك وتعالى أبدله خيراً بهؤلاء الذين هجرهم وهجروه بعدما اتجه إلى الاتجاه الإسلامي، وبالأخص بعدما قدم حياته ثمناً لدعوته. حقاً تنكر له كل هؤلاء، تنكروا جميعاً وسكتوا ولم ينبس أحدهم ببنت شفة إلى سنوات طويلة، ربما يكون هذا عن قصد لإخماد ذكره، ولكن أبدله الله تبارك وتعالى بأن صدح بذكره كل لسان مؤمن في آفاق الأرض في جيله بل في أجيال -إن شاء الله- من بعده، فهو لم يكن شخصاً مغموراً في المجتمع المصري، لكنه كان علماً بارزاً من أعلام الأدب والفكر، كان نجماً ساطعاً من نجوم الصحافة، مشهور في أوساط الأدباء الذين عرفهم وعرفوه، وعلى رأسهم شخصاً يعد أستاذه، وهو: عباس محمود العقاد ، فإن سيد قطب ربما عد من أخص تلامذته، فقد كان قريباً جداً إلى العقاد ، ونافح عنه في معاركه الأدبية، سواء ضد الرافعي أو ضد طه حسين ، وكان خليلاً حميماً له لمدة تصل إلى ربع قرن كاملاً، ثم انفصلا واختلفا. أيضاً ممن عرفهم وعرفوه، المدعو: طه حسين وأحمد حسن الزيات ومحمد منظور وتوفيق الحكيم وعزيز أباظة وأحمد شوقي الشاعر والرافعي ويحيى حقي وعباس خضر ونجيب محفوظ -لا حفظه الله- وحسين فوزي وإحسان عبد القدوس ومصطفى أمين ، هؤلاء كانوا أصدقاؤه ومعارفه وقريبين جداً منه، بل حتى الضباط الأحرار وعلى رأسهم جمال عبد الناصر كانوا من أخص أصدقائه، وربما جلسوا معه الليالي الطوال في بيته الذي اشتراه في حلوان لما تحول إلى القاهرة. كل هؤلاء آثروا الصمت، ولم يكتبوا عنه ولم يتحدثوا، حتى كأنهم لا يعرفونه ولم يسمعوا عنه.فالمقصود: أن تحول مثل هذا العلم البارز من أعلام المجتمع إلى الاتجاه الإسلامي، كان ينبغي أن يكون له رد فعل قوي عند هؤلاء، لكنهم كأنهم تواطأوا أو جبنوا عن أن يشيدوا بهذا التحول العظيم، وأبدله الله عز وجل كما ذكرنا هذه المكانة في قلوب المسلمين في كل زمان.
حقائق وتنبيهات في منهج سيد قطب
قد يحصل اختلاف مع الأستاذ سيد قطب في بعض الأفكار لأسباب سوف نذكرها إن شاء الله، لكن لا نقول: إننا حينما ننظر إلى هذه الآراء نظرة النقد والتمحيص في ضوء عقائد أهل السنة والجماعة ومواقفهم، لا نقول: إننا بذلك نقف في خندق واحد مع أعداء الإسلام، وأعداء الصحوة الإسلامية الذين أنهوا الأمر بقتله رحمه الله. لكن نقول: هم قتلوه لعدائهم للإسلام ليس لاختلاف في هذا الأمر أو ذاك، على أي الأحوال، كل هذا الركام الرفيع للرجل ولأمثاله من أعلام الأمة لا يوجب أن نأخذ كل ما قاله على أنه صواب لا يقبل الخطأ، وإنما ينبغي أن ننبه إلى عدة حقائق مهمة قبل أن نخوض في هذا البحر.
  احترام أهل التخصص
أما التنبيه الثاني: فهو: أن تحترم أهل التخصص، ودليل هذه القاعدة التي نشير إليها: قول عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه في حديث البيعة: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله)، إلى آخر الحديث.فقوله عليه الصلاة والسلام: (وعلى ألا ننازع الأمر أهله)، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم بايعهم على ألا ينازع أهل الاختصاص من هم دونهم في هذا الاختصاص: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83]. فينبغي أن نضع كل إنسان في المقام اللائق به، يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله تحت عنوان: احترموا التخصص: أنصح هؤلاء الشباب أن يحترموا التخصص، فلكل علم أهله، ولكل فن رجاله، فكما لا يجوز للمهندس أن يفتي في أمور الطب، ولا الطبيب في شئون القانون، بل كما لا يجوز لطبيب متخصص في فرع أن يقتحم فرعاً آخر، كذلك لا يجوز أن يكون علم الشريعة كلاءاً مباحاً لكل من هب ودب من الناس، بدعوى: أن الإسلام ليس حكراً على فئة من الناس، وأنه لا يعرف طبقة رجال الدين التي عرفت في أديان أخرى. فالواقع أن الإسلام لا يعرف طبقة رجال الدين، ولكنه يعرف علماء الدين المتخصصين الذين أشارت إليهم الآية الكريمة: فَلَوَلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]. وقد علمنا القرآن والسنة أن نرجع فيما لا نعلم إلى العالمين من أهل الذكر والخبرة، قال الله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب الشجة، وهي الجرح في الرأس الذي أفتاه بعض الناس بوجوب الغسل رغم جراحاته، فاغتسل فمات، فقال عليه الصلاة والسلام: (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا ؟! فإنما شفاء العي السؤال)، انتهى كلامه حفظه الله. هذا أيضاً أمر مهم جداً، فحينما نتكلم مثلاً في درجة حديث من الأحاديث، أو الأخذ والرد في تصحيح بعض الأحاديث، فلا نفزع إلى الأستاذ محمد قطب حفظه الله، لكن نرجع إلى الشيخ الألباني أو إخوانه من علماء الحديث المتخصصين، أما إذا أردنا الكلام في القضايا الفكرية أو المذاهب الفكرية المعاصرة وضلالها، وخطط أعداء الإسلام، والغزو الفكري، فإن الأستاذ محمد قطب يعتبر من أخبر الناس بذلك. وهكذا تجد في كل فرع من فروع الشريعة من فتح عليه في هذا الفرع، ولا يعني هذا تحقيراً وازدراءاًً لغير أهل التخصص، فأبواب الخير كثيرة، ويفتح على الإنسان في بعضها ما لا يفتح عليه في الآخر.فبالنسبة لقضايا العقيدة وبالذات الكفر والإيمان وهي قضايا ذات حساسية شديدة جداً، ولا ينبغي أن يفتح بابها من جديد، حتى يضع لنا بعض الناس حدوداً جديدة أو ضوابط لهذه القضية، هذه القضية وضعت ضوابطها وحدودها عند أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة ليسوا نكرات في التاريخ الإسلامي، فهم مشهورون معروفون، ونحن قد فرغنا من الاطمئنان والثقة واليقين بأن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وربما تكلمنا في هذا كثيراً، وأقمنا على هذا الكثير من الأدلة، وأن أهل السنة والجماعة هم في الحقيقة امتداد تاريخي طبيعي وتلقائي للأجيال الأولى من خير القرون، وهم الصحابة رضي الله عنهم، ثم من تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، فيشمل كل أئمة أهل السنة والجماعة المعروفين.وقد اختلف أهل السنة في المذاهب الفقهية، فهناك المذهب المالكي أو الشافعي أو الحنفي أو الحنبلي، أو غير ذلك من المذاهب، لكن في العقيدة لا يختلفون، ويجمعهم اسم واحد، هو أهل السنة والجماعة، السياسة فيها خطأ وصواب، والعقيدة فيها حق وباطل، وهدى وضلال؛ فمن أجل ذلك اجتمعوا جميعاً على عقائد ثابتة، وضوابط راسخة، وبالذات في قضايا الإيمان، فأي إنسان يريد أن يتكلم في هذه القضية يرينا أولاً هو يستقي مفاهيمه ممن؟ هل يأخذ من أهل السنة؟ إذاً: لن يحتاج إلى الاختراع، ولا إلى إيجاد حدود جديدة، أو ضوابط جديدة للتعامل في هذه القضية مع الناس، فمن باب احترام التخصص ينبغي أن نعرف علماء العقيدة من علماء أهل السنة والجماعة في العصور المتفاوتة، فقد ضبطوا هذه المسائل وقعدوها بحيث لا نحتاج إلى من يعيد ضبط هذه المسائل من جديد، وإنما ما عندنا يكفينا في التعامل مع الواقع بطريقة منضبطة، وطريقة شرعية صحيحة، دون إفراط ولا تفريط. فنتيجة عدم التفطن لهذا الأمر يقع الخطأ والخلط؛ لأن الناس لا يفرقون بين الاتجاهات الإسلامية الموجودة.. هناك كتب مثلاً وعظ ودعوة، وهناك كتب أحكام، فمن الخطأ القاتل أن نأخذ الأحكام من كتب الوعظ أو الدعوة العامة، كل اتجاه له أسلوبه، وليس كل من أجاد الوعظ أو الخطابة أو تنميق الكلام تؤخذ عنه الأحكام، بل لابد أن يعلم المسلم ماذا يأخذ؟ ومن أين يأخذ؟ ويقول العلماء عن بعض الناس: فلان مستجاب الدعوة، أو لا ترد دعوة هذا الرجل؛ لأنه رجل صالح، ويرون أن دعوته مستجابة، فكما قال بعض الأئمة: إنا لنرد رواية أقوام ونحن نرجو شفاعتهم يوم القيامة، فهو رجل أمين وثقة وعدل لكنه غير ضابط، ولا يحفظ جيداً.فيقول: إنا لنرد رواية أقوام، ونحن نرجو شفاعتهم يوم القيامة؛ لأنهم أناس صالحون. وقالوا أيضاً: فلان مستجاب الدعوة، مردود الرواية، فهو لصلاحه وتقواه يرجى قبول دعائه، لكنه لغفلته ولعدم معرفته الجيدة بالرجال ترد روايته. فهذه بعض التنبيهات قبل أن نخوض بذكر ترجمة عابرة لحياة الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى.
ترجمة مختصرة لسيد قطب

  الاتجاهات الفكرية والعلمية قبل سيد وغربتها
صحيح كانت موجودة دعوة أنصار السنة وبالذات فطاحل أنصار السنة في الأجيال القديمة التي كان فيها أئمة وعلماء يشار إليهم بالبنان، لكن الظاهر أنه لم يكن لهم التأثير الواسع على قطاع عريض من الشباب كما حصل فيما بعد من قيام دعوة الأستاذ حسن البنا رحمه الله، فالأستاذ حسن البنا أساساً لما حصل صراع في المجتمع في الوسط الإسلامي، كان الصراع على أشده بين الاتجاهين، الاتجاه السلفي ممثلاً في أنصار السنة، والاتجاه الصوفي الأشعري، وكان الصراع على أشده، والشيخ حسن البنا رحمه الله أراد أن يجلب صيغة توائم الاتجاهين وتجمع بينهما، أو لا تنحاز إليهما بالكلية. وحصل اتجاه الإخوان المسلمين كما هو معروف. الشاهد: أن الوضع الذي وصلت إليه الدعوة الآن من حصول وضوح المفاهيم، ومظاهر الصحوة الإسلامية هذه ما أتت من فراغ، بل مرت بفترات طويلة، وأنا أقول هذا حتى لا نجحد فضل السابقين الذين سبقوا إلى هذه الدعوة حتى لو اختلفنا معهم في كثير من القضايا، وينبغي أن نعلم أن دعوة كل جيل لا تنشأ من فراغ، إنما تتأثر بصورة أو بأخرى بمن سبقوه على هذا الطريق، فما ينبغي الجحود بالنسبة لفضل هذه الجماعات، سواءً جماعة أنصار السنة المحمدية، أو جماعة الإخوان المسلمين، حتى لو حصل اختلاف معهم في كثير من الأمور. ثم بعد فترة الستينيات هذه وصل الإسلام في المجتمع إلى غربة شديدة جداً؛ فقد كان لا يرى في المجتمع شخص ملتحي إلا القسيس، وكان الإخوة حينما يمشون في الشوارع باللحية كان الأطفال يضربونهم بالحجارة، وينشدون أناشيد معينة يحفظونها يشتمون بها القساوسة، وكانوا يضربون الإخوة بالحجارة في الطرقات، لماذا؟ لأنه يعرف أن القسيس هو الملتحي، وما يعرف أن المسلم يجب أن يكون ملتحياً. فهذه كانت الغربة، كانت المساجد لا يرى فيها إلا كبار السن، أما الشباب الذي هو عصب الدعوة، والذي يرجى من ورائه العمل للإسلام فلا يرى له أي اتجاه إلى الدعوة الإسلامية، كانت المساجد بل بعض الناس كانت تخاف أن تذهب لتصلي الفجر حتى لا يقبض عليها، أو حتى صلاة الجماعة، ولعل بعضكم عاصر هذه الفترة، ورأى ولمس قوة الصراع الذي كان يحدث داخل الأسر بمجرد أن يلتحي أو يصلي في المسجد. ثم بفضل الله تبارك وتعالى، وبفضل النشاط الدعوي، حصل أن هذه الغربة زالت إلى حد ما في مجتمعنا اليوم. الشاهد من هذا الكلام: أننا لا ينبغي أن ننظر إلى الدرجة العليا من السلم، أو التي وصلنا إليها، لكن ننظر أيضاً إلى أن هناك خطوات سبقت، وبناءً على هذه الخطوات وصلت الدعوة إلى ما وصلت إليه، فبتر النضوج الفكري عند الأستاذ سيد قطب رحمه الله تماماً عمن سبقه، ما نحسب أن هذا من الإنصاف بصورة أو بأخرى؛ فلئن كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله إماماً مجدداً؛ لكن هل عمر بن عبد العزيز نشأ من فراغ، أم أن هناك بيئة صنعته؟ هناك من تعلم عليهم عمر بن عبد العزيز ، هناك من أدبه، هناك من رباه، هناك من صنعه بعد عناية الله تبارك وتعالى به، أي إمام مجدد مثل الإمام الشافعي ، أو شيخ الإسلام ابن تيمية لا ينبغي أن ننكر أثر البيئة التي خرج منها هذا المجدد، أو هذا العالم، أو هذا الإمام. هذه كلمة عابرة قبل أن نستطرد في ذكر أهم الجوانب التجديدية في دعوة الأستاذ سيد قطب رحمه الله.
أهم الجوانب التجديدية في دعوة سيد قطب
فبالنسبة لهذه الذاتية التي أكد عليها الأستاذ سيد رحمه الله بلا شك في هذه المرحلة، كانت فعلاً شيئاً جديداً وشيئاً تجديدياً.
  حكم إقران كلمة الشهيد بأسماء الأشخاص
نحمد المجلة على التنبيه على شيء كثير من الناس لا يحتاطون فيه، وهو: أننا نلاحظ الكثير من الناس يعتقد أنك إذا لم تقل: الشهيد سيد قطب ، أو الشهيد حسن البنا ، أنك تنتقصه، وتنقص من قدره. هذا غير صحيح.لأن المعروف من حيث الأدلة الشرعية: أنه لا يجوز الجزم بأن فلاناً شهيد إلا بدليل من الوحي، لكن أنت ترجو له الشهادة، أنت تدعو له بها، لكن لا تجزم أنه شهيد، لماذا؟ ترجم الإمام البخاري لبعض الأحاديث، قال: باب لا يقال: فلان شهيد، وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: {الله أعلم بمن يقتل في سبيله، الله أعلم بمن يكلب - يعني: يجرح- في سبيله}، فأمر الإخبار بحقيقة الخاتمة هذا أمر مغيب علينا، ولا يملك أحد أبداً الاطلاع عليه، حتى في حق الكافر، أنت لا تحكم عليه قطعاً بأنه في النار إلا بدليل من الوحي، أما الخاتمة فهي مغيبة، ولا تعرف، وهذا نص عليه العلماء في العقيدة السلفية كما في شرح الطحاوية قال: ونرجو للمحسنين من المؤمنين، ونخاف على مسيئيهم، ولا نقطع لأحد بجنة ولا بنار، يعني: إلا بالوحي، والبخاري ذكر: باب لا يقال: فلان شهيد، وذكر هذا الحديث واستدل بحديث آخر: هو قصة ذلك الرجل الذي اشترك في الجهاد واسمه قزمان ، وأبلى بلاءاً حسناً، فأتى بعض الناس وأثنى عليه أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما أعظم ما جاهد هذا الرجل، وكان اليوم فعل كذا وكذا، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {هو في النار}.ففي اليوم التالي لما بدأ القتال، أخذ هذا الصحابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يراقب ذلك الرجل الذي كان يجاهد بشدة وقوة وجلد، وظل يراقبه طوال المعركة، إلى أن جرح ذلك الرجل، ثم لما انزعج من هذا الجرح وآلمه بشدة، وضع مقبض السيف على الأرض، وجعل ذبابته بين ثدييه، ثم اتكأ عليه حتى نفذ السيف من ظهره.حينئذ هرع ذلك الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أنك رسول الله، فاستطلع منه النبي عليه الصلاة السلام الخبر، فقال: الرجل الذي قلت بالأمس: إنه من أهل النار، حصل منه كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدوا للناس وهو من أهل النار، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدوا للناس، حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها}، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. إذاً: ما يحصل بعد الموت لا يجوز الجزم والقطع به.وأيضاً مما يستنكر أحياناً: أن بعض الكتاب يقولون: المرحوم فلان، كأنك تجزم أنه رحم، لكن تقول: فلان رحمه الله، لما تقول: فلان رحمه الله، تثاب على ذلك لدعوتك لأخيك، ثم تنفعه هو أيضاً بهذه الدعوة إذا صادفت شروط الإجابة فإنها تقبل، وينتفع بها هذا الشخص.ختم الباحث في مجلة البيان البحث بقوله: هذه أهم الجوانب التجديدية عند الأستاذ سيد قطب رحمه الله، وعندما ابتلاه الله بالسجن والتعذيب والتهديد بالقتل صبر على ذلك صبراً شديداً رغم ما كان يعانيه من أمراض وضعف في جسمه، ولم يتراجع عن مواقفه الإسلامية رغبة أو رهبة، ولهذا فقد تضاعف رواج كتبه بعد تنفيذ حكم الإعدام به، ومما ساعد على انتشارها: عذوبة الأسلوب، وإشراقة الديباجة، ومتانة العبارة، وقوة الحجة، وحضور البديهة. يقول: وقل أن تجد داعية وليس في مكتبته كتاباً من كتب سيد قطب ، وفضلاً عن ذلك فقد ترجمت هذه الكتب إلى معظم لغات العالم؛ رحم الله الأستاذ سيد قطب رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان والكفر [21] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net