اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الاستئذان [1] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


آداب الاستئذان [1] - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
دين الإسلام دين كامل شامل لجميع جوانب الحياة، فما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، ولا شراً إلا وحذرنا منه، ومن شمولية هذا الدين أنه حرص على حرمة الإنسان في كل شيء، ومن ذلك حرمته في بيته؛ ولأجل ذلك شرع آداباً لمن أراد أن يدخل بيت غيره، وأمره بأوامر، ونهاه عن نواهٍ، وهي ما تعرف بآداب الاستئذان، فينبغي العلم بها وتطبيقها؛ للحاجة الماسة إليها في واقع الناس وحياتهم.
اهتمام الشريعة بتعظيم حرمة البيوت
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي دعا إلى كل خير وصلاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، ولا ند له في عظمته وكبريائه ومجده وأحديته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من بريته، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وسائر القائمين بحقوقه ونصرته.. أما بعد: فهذا موضوع قد ناقشناه من قبل مناقشة عابرة، والآن إن شاء الله تعالى نلخص القول فيه بحيث يتمكن من احتاج إلى الموضوع أن يرجع إليه، وهو: موضوع الأحكام التي تتعلق باحترام خصوصية الإنسان، وبعض الخصوصيات التي احترمتها الشريعة الإسلامية، والتي فاتت على كثير من الناس، وأعظم هذه الأبواب في الشريعة هو: أحكام الاستئذان، ثم يليه أمور أخرى سنذكرها إن شاء الله تعالى فيما بعد. ففيما يتعلق باحترام خصوصية بيت الإنسان وحرمته، ضمن الإسلام حق الفرد في ملك رقبة منزله، وأن يعيش فيه آمناً مطمئناً، محفوظاً من تطفل المتطفلين، وفضول الفضوليين، وعدوان الصائلين، حيث يلقي أعباء الحذر، ويتحرر من قيود التكلف، وحجر على الآخرين أن يطلعوا على ما في هذه البيوت من الخارج، أو أن يلجوها من غير إذن أربابها، وإن ولجوها بإذن أربابها فهناك قيود وضوابط تُلزمهم بغض البصر، وعدم الاطلاع على عورات البيت من داخله، ثم هناك آداب تلزمهم بأنهم إذا خرجوا وقد اطلعوا على شيء مما يختص به صاحب البيت، فلا يفشون له سراً، ولا يهتكون له ستراً، قال الله سبحانه وتعالى في سياق الامتنان على الإنسان بنعمة المسكن: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً [النحل:80]، وإنما سمي مسكناً؛ لأنه محل الارتياح والسكينة والطمأنينة والاستقرار والأمان؛ فإن الإنسان إذا أفسد عليه هذا الملجأ الأخير فإلى أين يلجأ بعد ذلك؟!فمن ثَم اهتمت الشريعة جداً بتعظيم حرمة البيوت باعتبارها آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وهي سكن وراحة واطمئنان، فالبيت كالحرم الآمن لأهله، فلا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا الناس عليها، ولا يحل لأحد أن يتطفل على الحياة الخاصة للأفراد بالاستنصات، أو التجسس، أو اقتحام الدور ولو بالنظر من قريب، أو من بعيد، بمنظار أو بدونه.. إلخ. فالحاجة لتذكير الناس بحرمة البيوت، واحترام خصوصيات أهلها، حاجة ملحة ومتجددة، ويكفي في بيان أهمية هذا الأمر، وثقل وزنه في الشريعة أنّ الله سبحانه وتعالى أنزل فيه قرآناً يتلى في المحاريب إلى ما شاء الله تعالى؛ ليحفظ هذه الحرمة، ويصون هذه الخصوصية.
 

إهمال الناس لآداب الاستئذان
لقد تواترت شكوى أهل العلم عبر العصور من إهمال الناس لآداب الاستئذان، حتى صارت بينهم لشدة غربتها كأنها شرع منسوخ، يقول الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى: وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لم يؤمن بها أكثر الناس؛ يعني: آية الإذن. وهذا الكلام ليس على ظاهره، وإلا فمن كذب بحرف من القرآن فقد كفر، فما بالكم بمن يكذب بآية؟! فـابن عباس يريد الزجر، ويعني: أن الناس يسلكون سلوك من لم تنزل عليه هذه الآية في القرآن، فكأنهم ما سمعوها؛ لشدة هجرهم إياها، وليس الكلام على ظاهره في أن الناس لا يؤمنون بهذه الآية، وإلا لاستلزم ذلك تكفيرهم، فالمراد هنا الزجر وبيان غربة هذا الحكم.يقول: وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لم يؤمن بها أكثر الناس) يعني: آية الإذن (وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي). فهذا واضح في أنه يقصد قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [النور:58] ، والدليل على أنه قصد هذه الآية قوله: جاريتي، يعني: أمتي، وهي مما ملكت يمينه. وعن الشعبي في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ [النور:58] قال: لم تنسخ، قيل له: إن الناس لا يعملون به، قال: الله المستعان.وعن سعيد بن جبير قال: إن ناساً يقولون: نسخت هذه الآية، لا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون بها الناس. وقال الزمخشري : وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً، أو حييتم مساءً، ثم يدخل. أي: أنّ هذه كانت طريقة الاستئذان في الجاهلية، فيقول: حييتم صباحاً، إن كان في الصباح، أو حييتم مساءً، ثم يهجم على البيت ويدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الأحسن والأجمل.يقول الزمخشري : وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد. أي: أنه شبه هذا الهجوم المباغت من الذي لا يستأذن بهجوم الدم الذي يخرج من الأنف فجأة دون سابق إنذار، وهو الرعاف.يقول الزمخشري : وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أين الأذن الواعية؟! انتهى كلام الزمخشري رحمه الله تعالى.أما في عصرنا، فمن أراد أن يعرف شدة غربة أحكام الإسلام بين الخاصة فضلاًً عن العامة، فليتأمل موقفهم من أحكام الاستئذان وآدابه، وإذا تأمل الإنسان أحكام الإسلام السامية، وآدابه الراقية في باب احترام خصوصية الناس ومراعاة حرمة بيوتهم؛ لأدرك أننا متخلفون عن الإسلام، لا عن الحضارة المادية الكافرة بالله ورسله التي لا يزال المنبهرون بها يشيدون بفضائلها المزعومة، وقد أعماهم افتتانهم بهدي الكفار عن رؤية مثالب الواقع الاجتماعي الغربي الذي يعاني من التحلل والانهيار، فما عند القوم من الشر والبلاء والانحلال أضعاف ما عندهم من الخير، وما عندهم من الخير فلدينا أضعاف أضعافه، مما يغنينا عن التطفل على موائدهم، وهو أقرب إلينا من أيدينا وهو أصلاً مأخوذ منا كما هو معلوم في مناسبات أخرى، فهذه بضاعتنا المفروض أن ترد إلينا، ولكن المستغربين لا يفقهون، وحالهم كالذي قيل فيه: كالعيس في البيداء يقتلها الضما والماء فوق ظهورها محمول
 

أحكام الاستئذان وآدابه
لنبدأ في هذا البحث كمحاولة للتذكير بجملة من هذه الآداب الاجتماعية المهمة التي درست بين الناس كما يدرس وشي الثوب، فنبدأ أولاً بتعريف الاستئذان.
 إذا استأذن فقيل له: ادخل بسلام
آخر هذه المسائل: إذا قيل له: ادخل بسلام فهل يدخل؟ كان طلحة بن مصرف إذا قيل له ذلك قال: إن شاء الله، فيستثني، أي: أدخل بسلام إن شاء الله، فيحتاط.وكان ابن عمر إذا قيل له ذلك لم يدخل، وعلل ذلك بأنه شرط لا يدري أيفي به أم لا، وقال: إنما أنا بشر. عن مجاهد قال: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه حر الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، فقال: قولي: ادخل، قالت: ادخل، فدخل. وعن عبد الرحمن بن جدعان قال: كنت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فاستأذن على أهل بيت، فقيل: ادخل بسلام، فأبى أن يدخل عليه. قال شارح (الأدب المفرد): لعل الإباء كان لمصلحة دينية. وقال ابن عطية : كأنه توقف لما قالت: بسلام؛ لاحتمال اللفظ أن تريد: ادخل بسلامك لا بشخصك.وقال الألباني رحمه الله تعالى: وذلك لأن مثل ابن عمر لا يمكن أن تخفى عليه سنة الاستئذان بالسلام، وعليه فلا بد أن يكون قد سلم عند الاستئذان، فلما قيل له: ادخل بسلام، فيكون هذا الأمر -والحالة هذه- لا معنى له، بل لعله إلى الاستهزاء أقرب؛ ولذلك لم يدخل عليهم، ولعله مما يؤيد هذا التأويل ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند آخر صحيح بلفظ: عن أبي مجلز قال: كان ابن عمر إذا استأذن فقيل له: ادخل بسلام، رجع، وقال: لا أدري أدخل بسلام أم بغير سلام. فهذا هو الذي فهمه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وأما العلماء الآخرون فقالوا: هي تشترط عليه شرطاً، وهو لا يدري أيفي بهذا الشرط أم لا، وقال: إنما أنا بشر؛ فلذلك كان يمتنع من الدخول ويقول: لا أدري أأدخل بسلام أم بغير سلام، فالتعليل الأخير أقوى، وهو: أنها أذنت له بشرط أن يدخل بسلام؛ ولكونه بشراً غير معصوم خشي ألاّ يفي بهذا الشرط، فامتنع عن الدخول بهذا الشرط احتياطاً وتورعا،ً أو طلب منها أن تأذن له بالدخول بدون الشرط المذكور، والله تبارك وتعالى أعلم. وعن معاوية بن خديج قال: قد قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستأذنت عليه، فقالوا لي: مكانك حتى يخرج إليك، فقعدت قريباً من بابه، قال: فخرج إلي، فدعا بماء، فتوضأ ثم مسح على خفيه، فقلت: يا أمير المؤمنين! أمن البول هذا؟ قال: من البول أو من غيره. فلا بأس أن من استأذن فقيل له: حتى أخرج، أن يقعد قريباً من الباب.نكتفي الليلة بهذا القدر، ونكمل البحث إن شاء الله الأسبوع القادم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الاستئذان [1] للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net