اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إحباط الأعمال للشيخ : سعد البريك


إحباط الأعمال - (للشيخ : سعد البريك)
لقد حذرنا الله عز وجل على لسان رسوله من كل ما يكون سبباً في إحباط أعمالنا الصالحة، وأخبرنا أن من هذه الأعمال ما يكون مخرجاً من الدين كالشرك بالله، ومنها ما يكون محبطاً للأعمال كالرياء والسمعة، وعقوق الوالدين، وهجر المسلم، ونشوز المرأة من زوجها، ولكن المخرج من هذه كلها التوبة والرجوع إلى الله عز وجل، والتزام كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
الصحابة وخوفهم من محبطات الأعمال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:عباد الله! اتقوا لله تعالى حق التقوى، واسمعوا قول الله جل وعلا في محكم كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33].معاشر المؤمنين! إن كثيراً من الناس في هذا الزمان قد يعملون أعمالاً شتى، وإن كانوا يريدون بها وجه الله جل وعلا، إلا أنهم يحدث منهم ما يكون سبباً لبطلان أعمالهم، وإحباط ثواب ما اكتسبته أيديهم من الخيرات، وذلك لأسباب عظيمة؛ وذلك لأمور كثيرة متعددة؛ ولكن أكثر الناس عن هذا غافلون.تجد رجلاً صواماً قواماً، أو عابداً، أو مصلياً، أو صائماً؛ ولكن يحدث منه أعمال يجهل أنها قد تكون سبباً لبطلان عمله، وإحباط ثواب عمله، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على أكبر درجات الخوف والوجل من الله جل وعلا من هذه المسألة الخطرة جداً.لما سمعت عائشة قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57].. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59] إلى قوله جل وعلا وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] قالت عائشة رضي الله عنها: (يا رسول الله! أهم الذين يزنون؟ أهم الذين يسرقون؟ أهم الذين يشربون الخمر؟ قال: لا، يا ابنة الصديق ، أولئك أقوام يصلون ويصومون ويقومون ويتصدقون؛ لكن قلوبهم وجلة، يخشون ألا يتقبل الله منهم).فانظروا إلى عظم عناية الصحابة رضوان الله عليهم بالإخلاص والمتابعة، ومع ذلك كل واحد منهم يده على قلبه، يرجو ثواب ربه، ويخشى حبوط عمله.فما بال الكثير منا في هذا الزمان، عند أدنى حسنة، أو عند أدنى صالحة من الصالحات يظن أنها قد شقت عنان السماوات، وبلغت أعلى الدرجات، وكُتبت لا شك ولا محالة في سجل الحسنات، ولم يتفقد حسنته تلك، ولم يدقق ويتأمل فيما قدم.إن كثيراً من الناس يرفعون أعمالاً تسقط عند أقدامهم، وما السبب؟ السبب هو عدم الإخلاص، أو وقوع سبب محبط.كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك الشهيد الذي بشره الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، كان يسأل أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ، ويقول له: [سألتُك بالله، هل عدَّني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟].إذا كان الفاروق .. إذا كان ابن الخطاب .. إذا كان عملاق الإسلام يخشى على نفسه من النفاق، فما بالنا نحن؟! وما موقعنا؟! وفي أي درجة نكون يا عباد الله؟!إن الكثير ليركع ويسجد ويخرج وكأنه قد ضمن الجنة، وكأن صلاته قد قُبلت، بلا تضرع وبلا خشوع وبلا سؤال ملحٍّ على الله أن يتقبل عمله، بل الكثير منهم يعمل العمل، وكله إدلال وعُجب، وكله بطر وإدلال بأن عمله لا شك قد وُضع في عداد أعمال الشهداء!من ذا الذي يمن على الله بعمله؟! ومن ذا الذي يستكثر على ربه حسنة من الحسنات، أو صالحة من الصالحات؟!معاشر المؤمنين! قال عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة : [أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق] وهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين شهد لهم الله جل وعلا في كتابه الكريم بالفضل وعلو الدرجة، واختارهم ثلة طيبة لصُحبة نبيه، أولئك الذين لو أنفق أحدنا مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه.وكان الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة يقول: [يا ليتني طائراً يطـير من فَنَن إلى فَنَن، وألقـى الله جل وعلا كفافاً، لا لي ولا علي].ذلك العملاق، ذلك الجبل الشامخ، ذلك القمة السامقة في تاريخ الإسلام، وفي صدر الدعوة، الذي صدق النبي يوم كذبه الناس، وآزر النبي يوم خذله الناس، يبكي خوفاً وجزعاً بين يدي الله جل وعلا، ويقول: [يا ليتني أقدم على الله يوم العرض الأكبر كفافاً، لا لي ولا علي].وبعضُنا في هذا الزمان إذا ساءل نفسه، أو ناقش نفسه، أو حاسبها، قال: أنا فلان بن فلان، قدَّمتُ، وفعلتُ، وجاهدتُ، ورأيتُ، وقرأتُ، وحاضرتُ، وخطبتُ، وأتيتُ، ودعوتُ، وكل تاء الفاعل ينسبها إلى نفسه من الأعمال! فيا عجباً يا عباد الله! أين هذه النسبة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ومن التابعين؟!إياكم ونفسي من الغرور بالأعمال! إياكم والعُجب بالعمل! فإنه محبطة مهلكة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
 

الأسباب المحبطة للأعمال

 المجاملات والمداهنات في العلاقات
أيها الأحبة في الله! إننا نفوت أجر كثير من الأعمال على أنفسنا بالمجاملات، وبالمقابلات، وبأمور تضيع، ليست دنيوية محضة، وليست أخروية محضة، تجد أحداً من الناس يُدعى إلى وليمة أو إلى مناسبة يقول: أزور فلان بن فلان؛ لكي أسلم من لسانه؛ لكي لا يقول فيَّ كذا وكذا، لا يقول: أزوره؛ لكي أحتسب على الله عملاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا دعاك فأجبه) لا يقول: أزوره صلة لرحمه، لا يقول: أزوره في الله، فيضيع عليه الشيطان ثواب الحسنة وثواب العمل، حيث يقول ويدور في خلده: أنه ذاهب؛ لكي يسلم من لسانه، وهذا شأن كثير من الناس، دققوا ولاحظوا كثيراً من الذين تعاملونهم.إن المجاملات والمداهانات والمراءات قد عمت وطمت كثيراً من العلاقات البشرية في هذا الزمان، فلا تجد العبد قدم عملاً خالصاً يرجو به ما عند الله، واحتسبه لله؛ ولا تجده قدم تجارة نافعة، قدم بضاعة وتلقى نقداً، فضاعت أمور الناس لا هي في دنيا، ولا هي في دين، ورحم الله القائل:نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقعُ ولا حول ولا قوة إلا بالله!اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم دمر أعداء الدين. اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم من أرادنا بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا سميع الدعاء!اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على الحق، يا رب العالمين!اللهم مسكهم بكتابك، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، بمنك وكرمك، يا أرحم الراحمين!اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا.اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مُبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيِّماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين!اللهم لا تكلنا إلى أعمالنا. اللهم إنا نبرأ من التوكل إلا عليك، ومن الفقر إلا بين يديك، ومن الحاجة إلا لك، ومن العز إلا بك، ومن القوة إلى بقوتك، يا رب العالمين!اللهم إنا نبرأ إليك من أن نتكل على غيرك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى مخلوق عز أو ذل، اللهم لا تكلنا إلى ذلك طرفة عين، ولا أقل منها يا رب العالمين!اللهم عاملنا بعفوك، اللهم عاملنا بمنك، اللهم عاملنا بكرمك؛ ربنا إن من نوقش الحساب عُذب، اللهم رحمتك التي سبقت غضبك، اللهم رحمتك التي وسعت كل شيء، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إحباط الأعمال للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net