اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , طريق الجنة للشيخ : عبد الله الجلالي


طريق الجنة - (للشيخ : عبد الله الجلالي)
الجنة هي سلعة الله الغالية، وقد جعلها الله تعالى هدفاً يتسابق إليه المتسابقون، ويسارع إليه المسارعون، وجعل لها طرقاً وسبلاً من سار عليها وصل إليها بإذن الله تعالى، وهناك عقبات كثيرة على تلك السبل قد تحول دون دخول الجنة، فيجب على المؤمن أن يسلك الطرق الموصلة إلى الجنة، وأن يتجنب تلك العقبات، وأن يتسلح بالعلم النافع والعمل الصالح.
وجوب المسارعة إلى الجنة
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وسلم وبارك، وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته إلى يوم الدين.أما بعد:أيها الإخوة! الموضوع: في طريق الجنة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين هذه الجنة، التي طالما تاقت لها نفوس المؤمنين، وقدموا في سبيل الحصول عليها والبحث عن طريقها كل ما يملكون، وفوق ما يستطيعون، نسأل الله ذلك.الموضوع يدور حول قول الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:133-136].جاءت هذه الآيات التي ترغب بالجنة وبطريقها بعد آيات تحذر من النار قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:130-133].هذا هو الطريق الموصل إلى الجنة، والله تعالى هنا يقول: (وَسَارِعُوا)، ولذلك فإنه يلاحظ على كل الأفعال الخيرية التي يؤمر المسلم بأن يجد في السير إليها، أن يكون ذلك إما بطريق المسارعة دائماً أو بطريق المسابقة، قال تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [المائدة:48]، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21]، إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90]، فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] دائماً وأبداً بالنسبة لسعي الحياة الآخرة.وبالنسبة للسير في البحث عن الرزق في الحياة الدنيا: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15].ومن هنا فإن المسلم مطالب بأن يستبق الخيرات، وأن يبذل الجهد في سبيل الحصول على هذه السعادة وعلى هذه الدار.
 

الجنة كانت هي السكن الأول للإنسان
هذه الجنة هي التي كانت مسكن الإنسان في يوم من الأيام، ما كان هناك تكليف، ولا كانت هناك واجبات، قال تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا [البقرة:35] ولكن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون لهذا الإنسان عدو، وأن يكون الصراع بين هذا الإنسان وبين عدوه حتى يكون للجنة ثمن، وحتى لا يدخل الجنة إلا من يستحقها، قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38].والفطرة التي فطر الله الإنسان عليها سليمة لا شك فيها، فهي فطرة التوحيد والعقيدة والإيمان، قال تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) وهذه الفطرة وذلك العهد هو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] هذه هي الفطرة التي عليها خلق الإنسان وفطر.لكن حينما تسلطت شياطين الإنس والجن على هذا الإنسان كان هناك فريق في الجنة وفريق في السعير، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213] أي: على ملة واحدة، أي: فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.ومن هنا افترقت الناس إلى قسمين، وبدأ الصراع بين الحق والباطل منذ تلك اللحظة، قال تعالى: اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123]، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تزال طائفة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله أو حتى تقوم الساعة).
 

ثمن الجنة وصفات أهلها
ومن هنا نعرف أن للجنة ثمناً، وهذا الثمن هو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، فأول شرط من شروط هذه الجنة وأول ثمن من أثمانها هو تقوى الله عز وجل، والمراد بتقوى الله: امتثال أوامره واجتناب نواهيه، العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثوابه، والحذر من سخط الله على نور من الله خشية عقابه.وهذه التقوى لا يوفق الله عز وجل إليها إلا من يستحقها ومن هم أهل للجنة، ومن أجلها بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، ولذلك فإن كل الأنبياء يدعون الأمم: أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] وعلى هذا فإن هذه هي القيمة الأولى والثمن الأول للجنة.
 المبادرة بالتوبة والاستغفار من الذنوب والمعاصي
ثم بين آخر عنصر من عناصر طريق الجنة فقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135]، والفاحشة: هي ما عظمت من الذنوب، وظلم النفس معناه: مطلق المعاصي.وعلى هذا: فإن المسلم عليه أن يكون بعيداً عن هذه الأمور التي تحول بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، لكن لما فطر الإنسان بطبيعته وجبلته على الميل إلى ملاذ الحياة الدنيا، ولربما تكون مما حرم الله؛ فقد أمر الله عز وجل بسرعة المبادرة بالتوبة والإنابة، وبين الله في مكان آخر أن هذا الإنسان لو ملأ الأرض ذنوباً وبلغت ذنوبه عنان السماء، ثم تاب وأناب إلى ربه؛ فإن الله تعالى يقبل التوبة عنه، ويعفو عن سيئاته، يقول تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، بشرط: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54].والإنسان بطبيعته وفطرته البشرية قد يميل إلى أمور قد تكون محرمة، وقد يغفل الإيمان ساعة من الزمن فيقع في شيء مما حرم الله، فهذه فطرة البشرية لا يسلم منها إلا من عصمه الله عز وجل، وعلاجها سرعة التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، وهنا يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) و(إذا) للمفاجأة والسرعة، (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: ما دون الفاحشة، (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي: ذكروا ساعة الوقوف بين يدي الله عز وجل، وساعة الحساب، وذكروا ظلمة القبر، ويوم يقفون أمام الميزان الذي توزن فيه الحسنات والسيئات، إذا هموا بظلم مخلوق من المخلوقين أو بظلم النفس أو التعدي على أمر مما حرمه الله أو ما أشبه ذلك؛ فإنهم يبادرون بالتوبة والإنابة، وقد وعد الله عز وجل مثل هؤلاء أن يبدل لهم السيئات إلى حسنات، فقال: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70]، ويقول جمهور المفسرين: كل سيئة يقترفها هذا الإنسان تتحول إلى حسنة في سجل أعماله، وليس معنى ذلك التشجيع على فعل السيئات ثم تركها، ولكن معنى ذلك: سرعة المبادرة بالتوبة والإنابة إلى الله عز وجل، وهو ما أشار الله تعالى إليه في آخر سورة الأعراف: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].وعلى هذا: فإن المسلم عليه إذا فعل سيئة أن يغلب جانب الخوف، وإذا فعل طاعة أن يغلب جانب الرجاء، وعليه أن يجمع بين الرجاء والخوف في آن واحد، كما ذكر ابن غزوان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: (ولقد ذكر لنا أن الحجر يرمى من شفير جهنم ما يبلغ لها قعراً، والله لتملأن! والله لتملأن! ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصارع الجنة كما بين مكة وهجر -أي: عرض الجزيرة العربية- وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) أي: من كثرة الداخلين.هنا يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، وفي ساعة الاحتضار يغلب الإنسان جانب الرجاء بالله تعالى فلا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى.المهم أيها الإخوة! هذه الآية تجعل من صفات المؤمنين أهل الجنة أنهم يبادرون بالتوبة، فلا يفرطون ولا تغرهم الحياة الدنيا، ولا يغرهم الشباب والقوة والفتوة، ولا تغرهم الصحة والعافية، بل هم دائماً على خوف واستعداد للموت قبل نزوله، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حدد أجلين للتوبة:الأجل الأول: هو الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، وهو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، أول ما تبلغ الروح الحلقوم، وهذا أجل بعيد بالأصل ولكنه قريب؛ لأن الإنسان لا يدري متى يقع الأجل.الأجل الآخر: طلوع الشمس من مغربها بالنسبة لعامة الناس، وهو ما أشار الله عز وجل إليه بقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، ويقول الله عز وجل عن الأول: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17] فأبشروا أيها الإخوة! فإن معنى (جهالة) أي: في غفلة، وليس معناها في جهل؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ على أي سيئة من سيئاته، ثم حدد الأجل وقال: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، وأبشروا أيضاً أيها الإخوة؛ فإن القريب ليس معناه: في الحال، ولكن معناه: ما قبل الموت، بدليل قوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18].المهم أيها الإخوة! أن يكون هذا الإنسان دائماً وهو يقترف الذنب -إذا قدر له أن يقترف ذنباً في غفلة عن دينه- أن يقترف هذا الذنب وهو خائف، أما أن يفعل هذا الذنب وهو يضحك، فإن المثل يقول: (من فعل الذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي).ولذلك فإن المؤمن إذا فعل ذنباً ولو كان صغيراً أصبح على رأسه كجبل، والآخر البعيد -نعوذ بالله من حاله- إذا فعل الذنب رآه كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: (كذباب وقع على وجهه فقال به هكذا) أي: تساهله من بهذا الذنب، والتساهل بالذنب يعتبر ذنباً.وهذه الذنوب تختلف بحجمها وفي أصلها وفي أهلها، فهناك ذنوب بين العباد مع الله عز وجل لا تصل إلى درجة الشرك، لا يعبأ الله عز وجل بها يوم القيامة، وهناك ذنوب الشرك -نعوذ بالله- لا يغفر الله عز وجل منها شيئاً يوم القيامة، وهناك غير هذين الاثنين، وهي المظالم والتعدي على حرمات الناس وأموالهم وأعراضهم ودمائهم وحريتهم، وهذا هو الديوان الذي لا يترك الله عز وجل منه شيئاً يوم القيامة، وهذا هو الذي يقتص له يوم القيامة بالحسنات والسيئات، وصاحبه هو المفلس الذي يأتي يوم القيامة مفلساً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام.. فيأتي وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار). فهذه هي حياة الإنسان، وهذا هو طريق الجنة، فعلى المسلم أن يبادر في سلوك طريق الجنة.
وسائل دخول الجنة
أيها الإخوة! هناك أمور هي التي توصل الإنسان إلى الجنة، وهناك أمور تعتبر سبيلاً من سبل الوصول إلى الجنة ووسيلة من وسائل دخول الجنة، وأهم هذه الوسائل بل الأصل هو رحمة الله عز وجل، وقد حكم الله عز وجل بأن رحمته وسعت كل شيء، كما أن كلمة (رحمة) تطلق على الجنة قال تعالى: فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:107] ، وتطلق على كرمه سبحانه وتعالى بحيث يشمل أقواماً برحمته، لكن هذه الرحمة التي لا يدخل الجنة أحد إلا بها لها أسباب، وأقول: لا يدخل الجنة أحد إلا بها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: (لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
 قوة اليقين بالله والخشية له سبحانه
أيضاً من هذه الوسائل التي يتقرب بها الإنسان إلى الجنة: قوة اليقين بالله عز وجل، والخشية لله، فلا يصرف شيئاً من دينه لغير الله عز وجل: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] .. فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175]، والخوف والخشية جانبان عظيمان من جوانب التوحيد لا تكون إلا لله عز وجل، والخشية: هي الخوف مع الإجلال، ولذلك فإن من وقع في نفسه خوف البشر من دون الله عز وجل فقد اختل في قلبه جانب التوحيد، وأصبح على خطر من أن يحبط العمل، وأن يكون من المشركين، قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، فالخشية والخوف يجب أن يكونا لله عز وجل.
الجهاد في سبيل الله يوصل إلى الدرجات العلى في الجنة
هناك طرق للجنة، وهناك طرق توصل الإنسان إلى الدرجات العلى في الجنة، وأفضل سبيل يوصل إلى أعلى درجة في الجنة: هو الجهاد في سبيل الله، الجهاد الذي عقده المسلم يوم أن كان مؤمناً بالله عز وجل كصفقة رابحة بينه وبين الله عز وجل، وحينما نتكلم عن الجهاد لا نكتفي بالجهاد الذي هو حمل السلاح في وجوه الكافرين، ولكنه أياً كان هذا الجهاد؛ ابتداء من جهاد النفس، إلى الجهاد بكلمة الحق إذا كانت عند سلطان جائر، وهذا يعتبر أفضل الشهداء عند الله عز وجل، رجل قام عند سلطان جائر فأمره ونهاه فأراق دمه أو فقتله، وهذا أفضل الشهداء عند الله عز وجل، فهو يوم القيامة مع حمزة الذي هو أفضل الشهداء رضي الله عنه.كذلك الجهاد أيضاً بالدعوة إلى الله عز وجل، ولذلك أخبر الله تعالى بأن الدعوة هي الجهاد الكبير، فقال عن القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52] أي: القرآن جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، فهو أعظم أنواع الجهاد، وهو الدعوة إلى الله عز وجل، وهذه هي التي قال الله عز وجل عنها: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت:33]، فالدعوة إلى الله هي أحسن قول، والجهاد بالدعوة إلى الله وكلمة الحق وإعلانها في الناس والصبر على الأذى فيها تعتبر أفضل وأعظم أنواع الجهاد: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52] فهو جهاد كبير أكبر من الجهاد المعروف إذا دعت الضرورة إلى هذا النوع من الجهاد، فهو أكبر من الجهاد بالسلاح وإراقة الدماء؛ لا سيما حينما يضعف الناس عن هذا الجانب من جوانب الجهاد، فإن الله تعالى قد سماه جهاداً كبيراً.ثم يأتي الجهاد بالنفس والمال والدم والروح، ومن خلال هذا الجهاد تتحقق البيعة التي أبرمها المؤمن مع ربه سبحانه وتعالى يوم كان مؤمناً بطريقة تلقائية مباشرة دون أن تحتاج إلى كتابة عقد، فإن هذا العقد مبرم منذ أن اعتنق هذا المؤمن هذا الإيمان، وهذا العقد مصدق في كل الكتب السماوية في التوراة والإنجيل والقرآن، وهذا العقد قد استوفى كل أركان المعاملات المعروفة عند الفقهاء: بائع ومشترٍ، وثمن وسلعة، وهو ما أشار الله عز وجل إليه في سورة التوبة فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111]. ولما نزلت هذه الآية قام عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله! ما لنا إن قتلنا في سبيل الله؟ قال: الجنة، قال: يا رسول الله! ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) أي: لا نقبل أحداً ينقض هذه البيعة، ونحن لا نطلب نقض هذه البيعة، ما دام الثمن هو الجنة، وما دام الموت كتاباً مؤجلاً على هذا الإنسان لا يتقدم الإنسان ساعة ولا لحظة ولا يتأخر، فخير له أن تكون هذه الميتة في سبيل الله؛ ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (من سأل الله عز وجل الشهادة بحق بلغه الله عز وجل منازل الشهداء وإن مات على فراشه). هذه البيعة يا إخوان! بيعة عظيمة جداً، نقرؤها في القرآن، ولربما نغفل عن تجديدها مع الله عز وجل، ومن خلال هذه الغفلة يضعف الإنسان أمام الإنسان، ويضعف الإنسان أمام المخاوف والدماء التي تراق، أما حينما نقرؤها بعقل وتفكير فهذه بيعة فيها بائع وهو المؤمن، وفيها المشتري وهو الله عز وجل، مع أنه يملك روح هذا الإنسان وماله، لكن من كرمه أن اشترى هذين الأمرين بثمن وهو الجنة، وسلعة وهي النفس والمال، وثمن وهو الجنة، وهذه أركان البيع الأربعة المعروفة عند الفقهاء، ثم صدقت هذه المعاملة وهذه البيعة في التوراة والإنجيل والقرآن.لما نزلت هذه الآية خرج المسلمون عن بكرة أبيهم للجهاد في سبيل الله، حتى نزلت آية أخرى تلوم المسلمين كيف يخرجون للجهاد ويتركون المدينة، قال تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]، إذاً: تبقى فرقة في حراسة المدينة، ولطلب العلم عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وتخرج طائفة للجهاد، وإذا رجعت هذه الفرقة تبقى هذه وتخرج تلك.ما الذي دفع المسلمين إلى الخروج جميعاً إلى الجهاد في سبيل الله؟ هو البحث عن هذه الجنة، وتحقيق هذه البيعة إلى أن لامهم الله عز وجل، والدليل على ما سبق أنه أفضل طريق يوصل إلى أعلى درجات الجنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله).درجات الجنة المائة التي كل واحدة كما بين السماء والأرض، هذه المسافة الطويلة، هذه للمجاهدين؛ لتفاوت درجات المجاهدين، ولتفاوت أهدافهم ونياتهم، ونوع البلاء الذي قدموه في سبيل الله عز وجل.
 قوة اليقين بالله والخشية له سبحانه
أيضاً من هذه الوسائل التي يتقرب بها الإنسان إلى الجنة: قوة اليقين بالله عز وجل، والخشية لله، فلا يصرف شيئاً من دينه لغير الله عز وجل: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] .. فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175]، والخوف والخشية جانبان عظيمان من جوانب التوحيد لا تكون إلا لله عز وجل، والخشية: هي الخوف مع الإجلال، ولذلك فإن من وقع في نفسه خوف البشر من دون الله عز وجل فقد اختل في قلبه جانب التوحيد، وأصبح على خطر من أن يحبط العمل، وأن يكون من المشركين، قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، فالخشية والخوف يجب أن يكونا لله عز وجل.
الصبر والثبات عند الفتن يوصل المسلم إلى أعلى درجات الجنة
العنصر الثاني الذي يكفل للمسلم أعلى درجات الجنة: فهو الصبر على الأذى، والابتلاء في دين الله عز وجل، وهذه درجة عالية وهي درجة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد أوذوا في سبيل الله، ثم بعد ذلك صبروا، ثم كانوا في أعلى درجات الجنة. ويلحق بهؤلاء الأنبياء في الدرجة الثانية المصلحون، الذين قدموا أنفسهم لهذا الدين، وصبروا على هذا الأذى، وتفانوا في الدفاع عن دين الله عز وجل، وقدموا على الله عز وجل غير مغيرين ولا مبدلين، ولا مستكينين لغير الله عز وجل.الدرجة الثالثة العليا: الذين يثبت إيمانهم عند الفتن، وهذه المرحلة لا يطيقها إلا القلة من الناس؛ لأن هناك من الناس مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [الحج:11] إذا رأى أن الناس معه، وأن الخير معه، وأنه لا يؤذى في ذات الله؛ فإنه يثبت على هذا الطريق؛ لأنها أصبحت طريقاً سهلة ممهدة، لكن حينما يصيبه الأذى في دينه يرجع على عقبيه، وينكص ويعود من منتصف الطريق، يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11].هذه الفتن جعلها الله عز وجل في طريق الجنة لتمحص المؤمنين، ولتيمز الصادقين من غير الصادقين؛ ولذلك يقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10]، إذا أصابه أذى في دينه قال: لقد هربت من الأذى فكيف أقع في الأذى؟! لقد هربت من عقوبة الآخرة والآن أقع في عقوبة الدنيا! إذاً: أتحمل العقوبة المتوقعة وأسلم من عقوبة حاضرة، هكذا يتفلسف ويظن أن العقوبتين متساويتان! والحقيقة أن هناك الفرق الكبير الشاسع بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة.قال تعالى: وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ [العنكبوت:10]، هؤلاء الذين يرجعون من منتصف الطريق هم الذين لا يصلحون الحياة، لا سيما الحياة الحاضرة؛ بل إن الحياة كلها جعل الله عز وجل هؤلاء الناس بعضهم لبعض فتنة فقال: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20] أي: أتتحملون هذه الفتنة؟ ومن أجل ذلك فإن الذين يثبتون على هذا الطريق، ولا يتراجعون حينما تصيبهم فتنة هم الذين يستحقون الدرجات العلى في الجنة، وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران:179]، وهذه الآية نزلت في آخر سورة آل عمران من أجل أن تبين أن ما حدث في غزوة أحد -التي تكلمت عليها سورة آل عمران- من أذى أصاب المسلمين، فقتل منهم سبعون، وجرح خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم، أن هذا له فائدة، حتى المصائب لها فائدة، ما هي الفائدة؟ قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:179].إذاً: معنى ذلك: أن الأحداث والمصائب والفتن التي تحل بأمة من الأمم لمصلحة هذه الأمة، من أجل أن يخرج ذلك الداعية ممحصاً، ومن أجل أن يخرج ذلك المؤمن قوي الشكيمة، شديد العزيمة، مؤمناً حقاً، يستطيع أن يتحمل أعباء الحياة وتكاليفها، لكن حينما تكون الحياة كلها رخاء وسهولة، ورقة وليناً ودعة، فباستطاعة كل الناس أن يقولوا: إنهم مؤمنون، ولذلك يقول الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، و(حسب) هنا استفهام إنكاري، أي: من ظن أنه إذا قال: آمنت ولا يفتن فعليه أن يراجع حسابه، فالاستفهام إنكاري معناه: أنه ليس من المعقول وليس حقيقة أن يترك الناس على كلمة (مؤمن) دون أن يفتنوا، والفتنة معناها في اللغة: وضع الذهب في النار حتى تظهر الجودة من الرداءة, وحينما يوضع الذهب في النار يتميز الذهب من الأخلاط الرديئة ويبقى الذهب، وتزول هذه الأخلاط الرديئة، هذه هي الفتنة في اللغة العربية، والفتنة في مفهوم الشرع الإسلامي: هي ما يصيب الإنسان من آفات وأحداث من أجل أن يتميز المؤمن الصادق من غير الصادق.
 قوة اليقين بالله والخشية له سبحانه
أيضاً من هذه الوسائل التي يتقرب بها الإنسان إلى الجنة: قوة اليقين بالله عز وجل، والخشية لله، فلا يصرف شيئاً من دينه لغير الله عز وجل: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] .. فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175]، والخوف والخشية جانبان عظيمان من جوانب التوحيد لا تكون إلا لله عز وجل، والخشية: هي الخوف مع الإجلال، ولذلك فإن من وقع في نفسه خوف البشر من دون الله عز وجل فقد اختل في قلبه جانب التوحيد، وأصبح على خطر من أن يحبط العمل، وأن يكون من المشركين، قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، فالخشية والخوف يجب أن يكونا لله عز وجل.
عقبات في طريق الجنة
أيها الإخوة! إن في طريق الجنة عقبات، وليست الجنة قد فرش طريقها بالورود والرياحين، ليس طريقاً ممهداً مسفلتاً؛ لكنه طريق وعر، وهذه الطريق الوعرة ليس الهدف من ورائها أن يصرف المؤمنون عن الجنة، ولكن من هدفها ألا يدخل الجنة إلا من يستحق الجنة، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).وعلى هذا نفهم معنى قول الله تعالى في صفة العقبات الشديدة التي تعترض سبيل المؤمن في طريقه إلى الله وإلى الجنة من قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة:214]، ثم يقول الله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].إذاً: نصر الله لا يأتي حتى يقول الناس: متى نصر الله؟! أي: إن نصر الله يتأخر حتى يظن طائفة من الناس بالله عز وجل سوءاً، ونصر الله يتأخر حتى ترتج الأرض بالمؤمنين وتتزلزل، (أم أحسبتم أن تدخلوا الجنة)؟! استفهام إنكاري هنا، (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ)، والمراد بالبأساء: الحروب المهلكة، والضراء: الفقر والمسغبة والأذى، والفتن في طريق الجنة، (وزلزلوا) أصبحت الأرض كأنها تتحرك من تحت أقدامهم؛ من شدة الخوف والذعر الذي أصاب المؤمنين، فهذه الزلزلة وصلت إلى درجة أن يقول الرسول -وهو الرسول الذي أرسل من عند الله-: متى نصر الله؟!تصوروا يا إخوان! شدة الفتنة في طريق الجنة! الرسول يقول: متى نصر الله؟! وكلمة (متى) هنا ليس معناها الاستفهام، وإن كانت (متى) في الأصل هي للاستفهام، ولكن معناها هنا: الاستبطاء، أي: أبطأ نصر الله. والمؤمنون الذين يعيشون مع المرسلين عليهم الصلاة والسلام من شدة الخوف الذي أصابهم، والشدة التي أصابتهم في طريق الجنة يقولون: متى نصر الله؟ إذا كان هذا بالنسبة للمرسلين وأتباعهم، فما هو موقف عامة الناس في طريقهم إلى الجنة وهم يفتنون في دينهم ويبتلون في طريق الجنة؟!إذاً: الطريق وعرة يا إخوان! قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [التوبة:16] أي: ما يلجئون إلى غير المؤمنين، وليس معناه أن تلجأ للمؤمنين من دون الله، أي: يعتمدون على الله عز وجل، ويستعينون بالله ثم بالمؤمنين لا بالكافرين، إلى غير ذلك من العقبات التي تعترض طريق المسلم إلى ربه عز وجل وهي الدار الآخرة.يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ما نلقاه من المشركين في مكة، فأتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توسد رداءه في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيوضع المنشار على مفرق رأسه إلى قدميه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دين الله، ولكنكم قوم تستعجلون، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه).ففي طريق الجنة عقبات.. في طريق الجنة قتل مرسلون.. في طريق الجنة أخرج المرسلون من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، أخرجوا وقال لهم الكفرة من أتباعهم: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم:13-14].إذاً: هذه هي العاقبة للمتقين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.في طريق الجنة قطعت أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وصلبوا في جذوع النخل، وكانوا قبل لحظات يحلفون بعزة فرعون ويقولون: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44]، ما ولدوا في الإسلام وفي الملة كما يولد الناس المؤمنون اليوم، ولكنهم ولدوا على الكفر وعاشوا في الكفر والسحر، لكن عندما دخل الإيمان في قلوبهم في لحظة واحدة من الزمن ويهددون وينفذ فيهم هذا التهديد: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] رأوا الجنة بأعينهم، ماذا قال أولئك؟ ( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا [طه:72] ما قالوا: بعزة فرعون كما كانوا يقولون قبل لحظات، قالوا: وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، استهانة بالحياة الدنيا، لكن الحياة الآخرة لا أحد يستطيع أن يفعل بها شيئاً، فهي بيد الله عز وجل، وحتى الحياة الدنيا بيد الله؛ لأنه لا يقضي ما هو قاض إلا بالأجل الذي حدده الله عز وجل، ولذلك استطاع الإيمان أن يتغلب على ما في قلوبهم من الكفر والسحر في لحظة واحدة، فكيف بأبناء الملة والفطرة الذين ولدوا على الفطرة، وفي بيوت الفطرة والملة، واختلطت هذه الفطرة وهذا الخير بدمائهم وعظامهم ولحومهم؟! إذاً هم أولى أن يكون ذلك موقفهم.في طريق الجنة خدت الأخاديد وأشعلت فيها النيران، وقيل: كل من آمن بالله لا بد أن يقتحم هذه النار أو يراجع حسابه في الإيمان بالله عز وجل، فيقتحمون هذه النار في الأخاديد، قال تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج:4-5]، وهم جالسون على حافة النار يضحكون على المؤمنين، ولحومهم تحترق بهذه النار وعظامهم، لكنه حلم الله عز وجل، والامتحان والفتنة التي وضعها الله عز وجل في طريق الجنة، قال تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8]، والله تعالى بيده القدرة.في طريق الجنة يقتحم إبراهيم عليه الصلاة والسلام النار التي يقول المفسرون عنها: إنها نار كانت تحرق الطير في جو السماء، ويستسلم لأمر الله عز وجل، ويقول الله عز وجل بعد ذلك: كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69].وفي طريق الجنة يصلب خبيب بن عدي رضي الله عنه في مكة، ويقول له القوم الكافرون: هل تريد أن يكون محمد في مكانك؟ فيقول: والله ما أود أن تصيب محمداً شوكة وأنا على هذه الحال.في طريق الجنة قتل كثير من المؤمنين وصعدوا أعواد المشانق، وقالوا لأعدائهم: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [طه:72] إذاً: طريق طريق، وعرة ونستطيع أن نقول: إن هناك عقبات نستطيع أن نلخصها في أمور عشرة:
  حب المركز وسوء الظن بالله
الأمر الأخير من هذه الأمور: حب المركز وسوء الظن بالله عز وجل بأن الأجل بيد غير الله أو أن الرزق بيد غير الله عز وجل، وهذه من أكبر البلايا التي ربما تصرف الإنسان عن ربه إلى المخلوقين، مع أن الله تعالى أخبر بأن هناك كتاباً مؤجلاً فقال: كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران:145] ، إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49] ، ولا يستطيع أحد أن يزيد في عمر الإنسان أو ينقص منه لحظة؛ لأنه مقدر من عند الله عز وجل، وحتى لو أصيب من قبل المخلوقين فهذا أجله الذي كتبه الله عز وجل عليه، ففيم يكون الخوف؟!أما الرزق فإن الله تعالى قد التزم لكل واحد من المخلوقين برزق أياً كان هذا المخلوق، حتى لو كان حشرة في جوف صخرة في قعر البحر، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:6]، وحب المركز والمحافظة عليه قد يؤدي بهذا الإنسان إلى أن يتراجع عن دينه، أو أن يغفل عن ربه سبحانه وتعالى؛ حرصاً على هذا الأمر؛ لذلك فإني أختم حديثي هذا بقصة رجل من التابعين رضي الله عنه، عرضت عليه هذه المغريات لتصرفه عن الجنة وعن الله عز وجل فرفضها جميعاً، وقال بلسان الحال والمقال:أنا مسلم أبغي الحياة وسيلة للغاية الكبرى وللميعادهذا الرجل الذي يحدثنا عنه التاريخ هو عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، نختصر قصته في كلمات يسيرة: عبد الله بن حذافة كان من القادة الذين اشتركوا في قتال الروم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان رجلاً شجاعاً ذكياً، توجد فيه كل صفات الرجولة، وقع في أسر الرومان، فجيء إلى قيصر الروم وقيل له: أيها الملك! إن في سجنك رجلاً لو كسبته لكان مكسباً عظيماً. فقال: جيئوني به، فلما مثل أمام قيصر قال له: يا عبد الله ! لو تنصرت لشاطرتك ملكي! الآن يتنصر الكثير من المسلمين بأسباب تافهة، اثنا عشر مليوناً تنصروا في إندونيسيا وحدها في مدة ثلاثين أو خمس وعشرين سنة، والدعايات التنصيرية الآن تسير في الأرض، ولربما يخدمها من أبناء جلدتنا.لو تنصرت -انظروا يا إخوان كيف الإغراء- شاطرتك ملكي! يعني: تكون شريكاً لي في حكم بلاد الروم.فقال: اخسأ يا عدو الله! والله لو كانت لي الدنيا كلها بأسرها ما تركت شيئاً من ديني.إذاً: هذه مؤامرة، مؤامرة المركز عرضت على هذا الرجل المؤمن، فرفض هذا المركز لأنه سيكون على حساب دينه، بخلاف الذين يتنازلون عن كل دينهم مقابل مركز أصغر من ذلك بكثير.فقال: ردوه إلى السجن، وزيدوا في الثقل عليه، ثم استشار الخبراء والجلساء ماذا يفعل بـعبد الله بن حذافة؟ فقالوا: الشهوة، فإنه شاب حدث قوي الجسم، له شهور عن أهله، لو عرضت عليه الجنس الذي يعرض الآن على كثير من الناس في وسائل الإعلام وفي الأفلام، حتى في الطيران بين السماء والأرض يعرض الآن. قالوا: الجنس لو عرضته على هذا الرجل فربما تكسبه. قال: جيئوني بأجمل فتاة في بلادنا. فجيء بها فأغريت بكل المغريات لو استطاعت أن تفتن هذا الرجل المؤمن.يقول المؤرخون: فتجردت عن كل ملابسها، ودخلت على عبد الله وهو يتلو القرآن، وهو مكبل بالأغلال، فوقعت في أحضانه، فقال: معاذ الله! إنه ربي، فهرب منها وصارت تلاحقه، وكلما اتجه إلى جهة ببصره لحقته، فانحرف ببصره عنها، ولم تستطع أن تنال منه نظرة واحدة؛ لأن الرجل قد امتلأ قلبه بخشية الله عز وجل، قالت: أخرجوني، فقابلها الصحفيون عند الباب: ماذا فعلت؟ قالت: والله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر! والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر! فتحير قيصر الروم الآن، يريد أن يستعيد ماء وجهه مع هذا الرجل الغلام الذي استطاع أن يسقطه أمام قومه، فقالوا له: الموت، وكل الناس يخافون من الموت، فجيء بقدر عظيم وأشعلت تحته النار حتى تحول هذا القدر إلى قطعة من نار فقال: جيئوني بـعبد الله بن حذافة ورجل من الذين كان يأنس بهم كثيراً، فجيء بـعبد الله بن حذافة ورجل من الصالحين معه، فأوقف الاثنان على حافة القدر، فأمر قيصر أن يؤخذ الرجل -أي: صديق عبد الله بن حذافة- ويرمى في القدر، فرمي في القدر فطار دخانه، وكان يراقب عيني عبد الله ؛ فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله رضي الله عنه وهو ينظر إلى صديقه المؤمن وقد احترق لحمه وعظامه، فظن أنه كسبه، فقال: يا عبد الله ! خفت من الموت؟! أنت ستكون بعده، قال: اخسأ يا عدو الله! والله ما بكيت خوفاً من الموت، وما جئت إلى بلادك إلا أبحث عن الشهادة فكانت أمنيتي، ولكن دمعتي التي رأيتها حينما سبقني صاحبي هذا إلى الجنة وإلى الدار الآخرة، والله لقد كنت أسابقه إلى الجنة وكنت أتمنى أن أسبقه إلى الله عز وجل، فكان إذا صلى ركعتين في الليل صليت أربع ركعات في جوف الليل المظلم، وكان إذا صام يوماً في الهاجرة صمت يومين، وكنت أتمنى أن أسبقه، فالآن بكيت حينما رأيتني بكيت لأن صاحبي سبقني إلى الجنة. فتحير الرجل وعرف أنه لا يستطيع أن ينال من هذا الرجل منالاً... إلى آخر القصة.أيها الإخوة! حينما نتحدث عن الوعورة في طريق الجنة لا نقنط الناس من رحمة الله عز وجل، ولكن نريد أن يفهم الناس أن في طريق الجنة عقبات، وأنه لا يقتحم هذه العقبة إلا ذو عقل عظيم، وذو رأي سديد، إلا من وفقه الله عز وجل لسعادة الدنيا والآخرة.أقول قولي هذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لي ولكم طريق الجنة والسعادة، وأن يهدي قادة هذه الأمة وفي مقدمتهم ولاة أمر هذه البلاد، أن يكونوا عوناً للناس إلى طريق الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , طريق الجنة للشيخ : عبد الله الجلالي

http://audio.islamweb.net