اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [9] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


شرح كتاب لمعة الاعتقاد [9] - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.ومن الإيمان الواجب: الإيمان بكل ما أخبر الله عز وجل به، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من أمور الغيب، كأشراط الساعة، وعذاب القبر، والجنة، والنار، وغير ذلك.
الكلام على الإيمان

 أدلة زيادة الإيمان ونقصانه
ثم ذكر الأدلة فقال: [ قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] ].أي: ملة إبراهيم الحنيفية التي هي صدق الإخلاص في العبادة لله سبحانه وتعالى.قال: [فجعل عبادة الله وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين].وإذا كان من الدين فهو من الإيمان.إذاً: الدين والإيمان كل منهما يدخل فيه قول اللسان، ويدخل فيه اعتقاد القلب، ويدخل فيه أعمال الجوارح، كإيتاء الزكاة وإقام الصلاة، وهذا أيضاً دليل صريح في هذا الباب.ثم قال المصنف: [ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان ].فدل هذا على أن الإيمان قول وعمل، خلافاً للمرجئة.ثم إن المصنف بعد أن دلل على تعريف الإيمان، وأنه قول واعتقاد وعمل، أخذ يدلل على زيادته ونقصانه فقال: [ وقال تعالى: فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة:124] ].قال تعالى في أول هذه الآية: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة:124]، فنزول الآيات القرآنية تزيد في الإيمان، وهذا يدل على الزيادة، وإذا قبل الزيادة فهو قابل للنقصان.قال المصنف: [ وقال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا [الفتح:4] ].هذه الآية في سورة الفتح، وفيها: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الفتح:4]، وفيها أيضاً دلالة على زيادة الإيمان.قال المصنف: [ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة -حبة بر- أو خردلة -معروفة، وهي: الهباءة في الهواء- أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلاً ].الدليل هنا على زيادة الإيمان ونقصانه في الحديث قوله: (وفي قلبه مثقال برة)، ولذلك جاء في بعض روايات هذا الحديث: (يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان)، وأدنى وأدنى هنا دليل على النقصان.وورد أيضاً أدلة على ذلك من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، منها قوله عليه الصلاة والسلام (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، وقوله: (أكمل) دليل على زيادة الإيمان.وأيضاً يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي لا تصلي وقت الدورة الشهرية: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين...)، فلما سئل عن نقص الدين ذكر أنها تترك الصلاة أيام أقرائها، أي: أيام حيضها، فهذه المرأة وإن كان تركها للصلاة حكماً شرعياً إلا أنه ينقص إيمانها، لكنه تنقيص لا تأثم به، وهذا مشاهد، فالمرأة إذا تركت الصلاة وتركت بعض الأعمال كالصيام ونحو ذلك لا شك أنه ينقص إيمانها، لكنها لا تأثم بذلك، فنحن نستدل من الحديث على نقصان الإيمان، لكن ليس بلازم يترتب عليه إثم.فمثلاً: إنسان يقوم الليل، فنقول: زاد إيمانه، ثم بعد شهر ترك قيام الليل، فنقول: نقص إيمانه، لكن نقصه لنقص الطاعة لا لفعل المعصية، أما الذي يفعل المعصية فإن مجرد فعل المعصية ينقص الإيمان، وهذا واضح جداً.وفي مسائل الإيمان قضايا كثيرة، لكن نكتفي بما ذكره المصنف رحمه الله.
وجوب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم
ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى قضية أخرى فقال: [ فصل: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطّلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج ].هذه قضية كبرى من قضايا الإيمان، وهي الإيمان بكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن عرضنا لهذه القضية عند قول المصنف: (ويجب أن نصف الله بما وصف به أو وصفه به رسوله)، وقلنا: إن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حق يجب الإيمان به، فذكره المصنف هناك في باب الصفات، وذكره هنا في غير باب الصفات، فكلما ورد النص الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الخبر الغيبي سواء كان هذا الغيبي سابقاً أو سيأتي فنحن نؤمن به، ونصدق به، بشرط أن يكون هذا الحديث صحيحاً؛ ولهذا قال: (ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا). فما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم مما شاهده الصحابة في وقته، أو نشاهده نحن من بعض أخباره ومعجزاته، أو غاب عنا مثل خبره عن الله، أو عن الملائكة، أو عن السماوات، أو مثل خبره عن عذاب القبر ونعيمه، وخبره عن اليوم الآخر، وماذا يكون في اليوم الآخر، والميزان والصراط، وخبره عن أشراط الساعة التي تكون في آخر الزمان، وخبره عن أهل الجنة، وأهل النار، كل هذه الأمور إذا صح الحديث بها فنحن نؤمن به.
 الإيمان بفقء ملك الموت عين موسى عليه السلام
ثم قال المصنف: [ ومن ذلك -أي: من الأخبار الغيبية التي نصدق بها- أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه ]. هذه القضية لاك فيها المتقدمون والمتأخرون، ففي الزمن القديم -قبل ألف سنة- وجد من لاك في هذا الحديث، وقال: كيف يفقأ موسى عين ملك الموت؟ وفي العصر الحديث أيضاً وجد من المستشرقين وأذنابهم ممن ينتسب إلى المسلمين من يعترض بنفس الاعتراض، بينما هذا الحديث حديث متفق عليه، رواه البخاري ورواه مسلم ، ورواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة، لا شك فيها أبداً، وليس فيها علة، ولا شذوذ، ولم يتكلم أحد بنقدها لا إسناداً ولا متنا،ً وإنما اعترض عليها من يعترض على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن ثمَّ فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بمثل هذا الحديث، ويصدقون بما جاء به، وهو أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ليقبض روحه، فقأ موسى عينه، ثم إن الله سبحانه وتعالى رد على ملك الموت عينه، وجاء إلى موسى مرة أخرى، كما هو معروف في بقية الحديث وقال: (إن الله يقول لك: تعال إلى ثور، وامسح على جلده، فلك بكل شعرة من جلده سنة من عمرك، فقال موسى: وبعد ذلك؟ قال: الموت، قال: إذاً الآن)، أي: ليقبض روحي الآن.قد يقول قائل: وكيف ذلك؟ فنقول: الأمر يسير؛ فنحن نصدق بهذا، لكن نحن سنقرب الأمر تقريباً وليس جزماً فنقول: أليس جبريل عليه السلام كان يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي الصحابي المشهور رضي الله عنه، حتى إنه كان يدخل على الرسول فيقولون: دخل عليه دحية ، بينما هو جبريل؟! أليس الرسول وأصحابه جاءهم جبريل على صورة رجل في حديث جبريل المشهور: (طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد..) ؟! وفي بعض الروايات: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما علم إلا بعد نهاية الحديث.إذاً: فهل يمنع مانع من أن يأتي ملك الموت على هيئته في صورة بشر؟ الجواب: لا يمنع ذلك شيء. هذا أولاً. ثانياً: لما دخل على موسى ألا يحتمل أن يكون موسى نظر فإذا في بيته رجل، فغضب لمحارمه؟ ونحن نعلم أن من اطلع على بيت أحد ففقأ عينه -كما في الحديث- فعينه هدر.ثم إذا كان الملك يأتي على صورة بشر فتفقأ عينه فليس فيه إشكال، ولهذا لما جاء في المرة الثانية وقال: أنا ملك الموت؛ اختلفت صورة الواقعة هنا، ولما قال له: (أمرر بيدك على جلد ثور، فلك بكل شعرة سنة) أجابه موسى عليه الصلاة والسلام بما سبق أن ذكرنا.إذاً: المسألة ليس فيها إشكال، وما دام الخبر قد جاء بالإسناد الصحيح فلا إشكال، فنحن نؤمن بذلك ونصدقه، ولا نعترض، ولا ندخل بعقولنا وتوهماتنا.
وجوب الإيمان بما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة
ثم قال المصنف: [ ومن ذلك: أشراط الساعة ]. أي: من الأمور التي صحت بها الأخبار، ونحن نصدق بها أشراط الساعة، وأشراط الساعة علاماتها.
 وجوب الإيمان بكل أشراط الساعة التي صح بها النقل
قال المصنف: [ وأشباه ذلك مما صح به النقل ].أي: من أشراط الساعة الكبرى، مثل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار عن الخسوف الثلاثة: خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في وسط جزيرة العرب، وأيضاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج الدجال .وأيضاً من الآيات: الدخان، وهو آية من آيات الله سبحانه وتعالى في آخر الزمان.وأيضاً من الآيات الكبرى: النار التي تخرج وتحشر الناس، فقد ورد أن النار تخرج في آخر الزمان، وتحشر الناس، فتبيت معهم إذا باتوا، يعني: أنهم عند خروجهم يجد بهم المسير، فإذا جاء الليل اشتد عليهم الإعياء فناموا، فإذا ناموا نامت معهم، وإذا أصبحوا حشرتهم، حتى يجتمعوا عند المحشر، فإذا اجتمعوا عند المحشر قامت عليهم الساعة.ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من ذلك.
وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعذاب القبر ونعيمه حق ]. عذاب القبر ونعيمه دلت عليه الأدلة القرآنية، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، والنار التي يعرضون عليها هي عذاب القبر، فعذاب آل فرعون دليل على أنهم يعذبون قبل دخولهم النار، وعلى هذا فإن المؤمن أيضاً ينعم قبل دخوله الجنة.وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، كحديث البراء بن عازب وغيره عن عذاب القبر ونعيمه حينما ذكر قصة الموت، وفيه أن المؤمن يوسع له في قبره، ويفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من نعيمها وروحها.. إلى آخره.وعكسه الكافر؛ فإنه يفتح له باب إلى النار، ويأتيه من سمومها وحميمها. كذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى إلى قبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله)، فهذا دليل على عذاب القبر ونعيمه.وأما كيف يتم عذاب القبر ونعيمه؟ فيتم على أي حالة كان عليها الإنسان؛ لأنه أمر غيبي، وهذا العذاب والنعيم هو للجسد وللروح، هذا هو القول الصحيح، وأما كيف يتم هذا ؟ فهذا أمر غيبي.فلو أن واحداً أكلته السباع فتحول إلى أن يكون طعاماً يجري في دمائها وعروقها فإنه يعذب أو ينعم.ولو أن واحداً أحرق -كما هو عند الهندوس- فإنه يعذب أو ينعم، فالهندوس عندهم من الطقوس أنه يأتي الواحد ويحرق أعز الناس إليه، كما نشر في الصحف صورة إحراق غاندي ، حينما أحرقها ولدها أمام الناس؛ لأن هذا طقس بوذي عندهم، حيث أتى بالنار ووضع جسدها وأحرقها، لتنال عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. نسأل الله السلامة والعافية!إذاً: هذا الذي أحرق أو أكلته السباع، أو أكلته الأسماك، أو غرق أو مزق، أو أكلته الأرض، أو قطع.. أو غير ذلك، يعذب أو ينعم بحسب أعماله، وأما كيف يتم هذا؟ فهذا غيب لا نعلمه، لكن نؤمن بذلك ونصدقه. قال: [وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه، وأمر به في كل صلاة].وهذا في الأحاديث الصحيحة أنه كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ دبر كل صلاة من عذاب القبر، ومن المسيح الدجال، وأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة.
 وجوب الإيمان بكل أشراط الساعة التي صح بها النقل
قال المصنف: [ وأشباه ذلك مما صح به النقل ].أي: من أشراط الساعة الكبرى، مثل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار عن الخسوف الثلاثة: خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في وسط جزيرة العرب، وأيضاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج الدجال .وأيضاً من الآيات: الدخان، وهو آية من آيات الله سبحانه وتعالى في آخر الزمان.وأيضاً من الآيات الكبرى: النار التي تخرج وتحشر الناس، فقد ورد أن النار تخرج في آخر الزمان، وتحشر الناس، فتبيت معهم إذا باتوا، يعني: أنهم عند خروجهم يجد بهم المسير، فإذا جاء الليل اشتد عليهم الإعياء فناموا، فإذا ناموا نامت معهم، وإذا أصبحوا حشرتهم، حتى يجتمعوا عند المحشر، فإذا اجتمعوا عند المحشر قامت عليهم الساعة.ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من ذلك.
الأسئلة

 فعل الله عز وجل كله عدل ولا يجوز الاعتراض عليه
السؤال: إذا كان الله يعلم أنه سيخلق الخلق، وسيخلق آدم، ثم سيسكنه الجنة، ثم سيخرجه منها بسبب إبليس، ثم سيهبطهم إلى الأرض، ومنهم صائر إلى الجنة، ومنهم صائر إلى النار، فلماذا خلقهم إذاً؟ وهل يقال: إن هذا من عمل الشيطان فاجتنبه، أم يقال: إن هذا لحكمة يريدها الله عز وجل؟الجواب: هذا سؤال يرد على كل شيء؛ لأنه إذا علم الله ما العباد فاعلون فلماذا خلقهم؟ ولماذا كلفهم؟ بل لماذا يحاسبهم يوم القيامة؟ هذا كله اعتراض على الله سبحانه وتعالى، والله تبارك وتعالى لا يقيم الحجة على عباده بمقتضى علمه فقط، وإنما يقيم الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ولهذا إذا قيل: إذا علم الله سبحانه وتعالى أعمال العباد وأحصاها، فلماذا يقفون بين يدي الله للحساب؟ فيقال: لله حكمة في أن يقرر كل عبد بذنوبه؛ حتى يكون من يدخل الجنة يعلم أنه أخطأ وأذنب، وأنه دخل الجنة برحمة الله، ومن استحق العذاب يدخل النار، ويعلم أنه استحقها بسبب ذنوبه التي أذنبها؛ ولهذا يقرره الله سبحانه وتعالى بذنوبه واحداً واحداً، ويكلم كل واحد كلاماً خاصاً به، وهذا كله من إظهار العدل، وإلا فالسؤال الأكبر: ما هي حاجة الله أصلاً إلى الخلق؟ إن الله غير محتاج إلى الخلق، ولو شاء لجعلنا كلنا أغنياء، أصحاء، لا نعصي أبداً، لو شاء لجعلنا بخلاف ذلك.وقد ورد في الحديث الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فيما عندي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك مما عندي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، فإذا أدخلت الإبرة في البحر فإنها لا تنقصه شيئاً، وكذلك لو كل الخلق سألوا الله عز وجل فأعطى كل إنسان مسألته لا ينقص ذلك من ملك الله سبحانه شيئاً.إذاً: خلق الله العباد، وتفاوت أعمالهم وألوانهم وأرزاقهم وآجالهم لله سبحانه وتعالى فيها حكمة، ونحن نلمس شيئاً من هذه الحكم، ولو لم يكن في ذلك إلا قيام سوق العبودية لله وحده لا شريك له، بأن يعبده العابدون، ويتوكل عليه المتوكلون، ويطلب رحمته المسترحمون، ويتوجه إليهم سبحانه وتعالى المحتاجون المضطرون، ويخافه الخائف، ويرجوه الراجي، كل هذه الأمور من أمور العبودية الكبار العظام لا تتحقق إلا بما كان من أمر الله سبحانه وتعالى وقدره، وهو وجود الناس وابتلاؤهم وامتحانهم، ووجود الخير ووجود الشر، ووجود الكفر، ووجود الطاعات والإيمان.. إلى آخره، والله سبحانه وتعالى أقام الحجة على عباده، وهذا هو أهم شيء، فلا تسأل ربك بلمَ؛ لأن هذا السؤال إنما هو سؤال عن سر القدر، أي: سر تقدير الله، فلو جاء واحد وقال: لماذا الناس كلهم فيهم غني وفيهم فقير؟ فهذا سؤال عن سر القدر، فنقول: هكذا أراد بإرادته، ولو شاء الله سبحانه وتعالى لجعل الناس كلهم أغنياء.فالمهم أن الحجة قد قامت عليك أيها العبد! فقد أعطاك الله عقلاً، وأعطاك الله إرادة، وأعطاك الله قدرة، وأرسل لك الرسل، وأنزل عليك الكتب، وبين لك الطريق، وأمرك ونهاك، وقال: إن عملت خيراً فاحمد الله، وإن عملت شراً فلا تلومن إلا نفسك. والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [9] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net